جاسم حسين الخالدي
كاتب عراقي
تشكل رواية «وكر السلمان» للشاعر والروائي شلال عنوز، تجربة سردية تستند إلى المأساة الإنسانية في ظل الحرب، حيث يلتقي الواقع بالرمز، والذاكرة بالتيه النفسي، ليجتمع الفردي والجمعي في خطاب أدبي متوتر. تتأسس الرواية على ثيمة كبرى هي اغتيال الحرب، لكل ما هو إنساني من براءة وحب وأمل، لتصبح التجربة الفردية للشخصيات انعكاسا لجيل كامل عاش التمزق وفقدان القيم. ومن هنا تنفتح القراءة على محورين أساسين: دينامية النص بما تحمله من تقنيات السرد والرموز وبناء الشخصيات، وفاعلية التلقي بوصف القارئ شريكا في بناء المعنى وتأويل الرموز واستيعاب الأبعاد الفكرية والوجدانية.
دينامية النص.. البنية السردية
تتجلى دينامية النص في عدة عناصر محورية، أبرزها البنية السردية. تعتمد الرواية على بنية متشابكة وغير خطية، إذ تتوزع الأحداث بين الحاضر والماضي، بين الذاكرة والوعي، وبين الواقع المعيش والرمز المتخيل. تبدأ الرحلة من فضاء الحافلة، التي تتحول من مجرد وسيلة نقل إلى معبر نفسي وزمني، حيث يتشظى وعي البطل، نعمان، بين قلق اللحظة الراهنة وذكريات الطفولة والحب القديم. هذا التداخل بين الأزمنة يعكس دينامية النص، ويقرب السرد من أسلوب تيار الوعي، الذي يربط بين التفاصيل الصغيرة والانكسارات الكبرى في حياة الشخصيات. ويصف النص حالة شرود نعمان في الحافلة: الجالسون في الحافلة كلهم نيام تتدلى رقابهم يميناً وشمالاً، سوى سائق الحافلة الذي كان يتمايل طرباً مع نغمات الأغنية التي أيقظت شيئاً خفياً في أعماقه، فتسللت على أثرها من عينيه قطرات دمع بخجلٍ: تذكر حوارهم في إحدى المرات داخل الكلية. قالت: سناء وهي تمسك محاضرة الأستاذ حول النظريات الإجرامية..» (عنوز، 2020: 10) وهذا التداخل بين الأزمنة، يمثل ما يمكن تسميته بالمفارقة الزمنية التي تحدث حين يقطع السرد تسلسله ليعود إلى نقطة سابقة. كما تتيح البنية السردية تعدد الأصوات، حيث تتجاور المونولوجات الداخلية مع الحوارات الجانبية في المقهى، أو السجن، لتكوّن فسيفساء من الرؤى التي تعكس واقعا اجتماعيا ونفسيا متشظيا. وهذا التعدد الصوتي يكسر هيمنة الصوت الواحد، ويتيح للقارئ قراءة الشخصية من زوايا متعددة وفهم أعمق لتناقضاتها الداخلية.
الرموز والدلالات
الرواية مشبعة بالرموز التي تتحول إلى دلالات نفسية واجتماعية. فالوكر ليس مجرد مكان جغرافي، بل رمز للكمين والقمع والانغلاق، والنفق يعكس حالة العبور بين وعيين أو زمنين، في حين تجسد القطة السوداء حضور الموت والقدر المجهول، أما الدم فيصبح استعارة للدمار الداخلي وانحراف القيم. وهو ما يمكن تلمسه في الصورة المرعبة التي رسمها السارد، لحضور القطة، لحظة تخطيط نعمان للانقضاض على ضحيته، «منها حركة القطة السوداء، ونعمان يهمُّ بتصفية سناء». في هذه اللحظات كانت القطة السوداء تتقافز وهي تسابق خطاهما، بيد أنها تراجعت إلى الوراء وجلة بعد أن خففتها قترة طائرة أخرى بجناحيها وقالت له يا نعمان، لا أتمكن من الدخول دعنا نرجع». على الرغم من أن القطة لدى نعمان، كانت ربيبة البيت وحارسه: «جلب انتباهها تلك القطة السوداء التي لا تفارقه، وتسير في البيت أينما ذهب وتلاعبه فرحة، عندما سألته عنها قائلة: ما هذه القطة التي لا تفارقك؟» أجابها مبتسماً: هذه القطة ربيبة هذا البيت وحارسه».
كما يكتسب المكان بعدا رمزيا؛ فبغداد تجمع بين الحب والموت، والبصرة تمثل الحلم بالحرية، في حين أن سجن النقرة أو السلمان يعكسان أقسى أشكال القمع النفسي والجسدي. وقد ورد في الرواية: «في إحدى المرات التي زار بها مدينة السلمان مع والده، كان صديق والده المولع بقراءة تاريخ هذه المدينة وكتابته، يقول: ارتبط اسمه ارتباطاً وثيقاً بسجن (نقرة السلمان) الذي هو في ذاكرة العراقيين يمثل صورة غير محببة تشمئز منها النفوس». إن هذا الارتباط بين الأمكنة والدلالات يجعل من المكان نصًا موازيا للنص السردي، وهو ما يتوافق مع ما ذهب إليه غاستون باشلار في جماليات المكان حين يقول: «إن كل أماكن لحظات عزلتنا الماضية، والأماكن التي عانينا فيها من الوحدة، التي استمتعنا بها ورغبنا فيها وتآلفنا مع الوحدة فيها تظل راسخة في دواخلنا، لأننا نرغب في أن نبقى كذلك، الإنسان يعلم غريزياً أن المكان المرتبط بوحدته مكان خلاق».» (باشلار). وهكذا يتبدى أن سجن السلمان في الرواية لا يُقرأ بوصفه حيزاً جغرافياً فحسب، بل بوصفه معادلاً رمزيا لحالة الزحام النفسي والقمع الوجودي الذي يعيشه الفرد العراقي.
أثر الحرب في تشكيل الشخصية
تتشكل الشخصيات في الرواية على إيقاع الحرب التي لم تترك للفرد حرية الاختيار. شخصية نعمان، على سبيل المثال، تتحول من البراءة والصفاء إلى الانكسار والتمزق، حيث تذوب أحلامه في مواجهة آلة العنف. الحب الذي جمعه بسناء يظل معلقًا بين الأمل والانطفاء، ليتحول إلى مرآة لانكسار جيل بأكمله. «كان يتذكر في هذا اليوم الدامي عدد الضحايا الذين سقطوا، كانوا ثلاثة وثلاثين مقاتلاً، وستة وستين جريحاً… وأشد ما بكى في ذلك اليوم الدامي، على صديقه نائب الضابط حميد الذي كان واسطته في نقل الرسائل المتبادلة بينه وبين خطيبته سناء». طالما إن الحرب تسلب الشخصيات هويتها وتدفعها إلى الانحراف أو الاغتراب، فتبدو الرجولة نفسها مفهوماً مهددا، وتتحول الطفولة إلى ذكرى بعيدة مشوبة بالحزن. بهذا يصبح النص تعبيرا عن تشوه الوعي الإنساني تحت ضغط الصراع الدموي.
فاعلية التلقي.. أفق التلقي والتأويل
الرواية لا تُقرأ بوصفها سردا خطيا للحوادث فحسب، بل بوصفها نصا مفتوا على التأويل. إذ يُستدرج القارئ إلى المشاركة في بناء المعنى، سواء عبر التعاطف مع الشخصيات، أو عبر محاولة فك رموز مثل الوكر والنفق والدم. إن هذه المشاركة تجعل النص شبيها بمرايا متعددة، ينعكس فيها وعي القارئ وتجربته الخاصة. «يا ولدي لا يرتقي شعب من الشعوب الا بقوة اقتصاده وتخطيطه السليم». ربما تدفع هذه العبارة القارئ للمقاربة بين ما يعيشه، وما يقرأه. نظرية التلقي كما صاغها ياوس وإيزر تتيح لنا فهم كيف يصبح القارئ شريكا فاعلا: فالنص يستثير أفق التوقع ويعيد تشكيله، ويدفع المتلقي إلى مراجعة قناعاته حول الحرب والعدالة والقيم.
البعد الوجداني والفكري
تؤثر الرواية في القارئ وجدانيا، عبر انفعالات الحزن والحنين والصدمة، وفكريا عبر الأسئلة التي تثيرها عن معنى الحرية والعدالة ومسؤولية الفرد أمام آلة الحرب. على سبيل المثال، مشاهد المقهى ولعبة الشطرنج التي تتقاطع مع النقاشات حول القانون والسياسة، تجعل القارئ يواجه صراعا فكريا بين القيم النظرية وواقع الانكسار الإنساني. « قبل الحرب تأتي الحكمة والشجاعة في اتخاذ القرار السليم، فالشجاع الحكيم هو من يبتعد عن أخلاق معالجة الخطأ بخطأ أفدح منه، ولا ينجرف بأهواء وتعصب النفس العشائري والريفي والقبلي، بل يعالج الأمر حضاريا».
هذا التداخل بين الانفعال والتفكير يمنح الرواية فاعلية مزدوجة: فهي تجربة وجدانية حية، وفي الوقت نفسه خطاب نقدي يضع المتلقي أمام مسؤولية المشاركة في تأمل الخراب الذي خلفته الحرب. يتضح من خلال هذه القراءة أن رواية «وكر السلمان» تتأسس على ثنائية مركزية: دينامية النص وفاعلية التلقي. فمن خلال البنية السردية المتشابكة والرموز الغنية وأثر الحرب في تشكيل الشخصية، يخلق النص عالماً روائيا نابضا بالتوتر والرمزية. ومن خلال إشراك القارئ وجدانيا وفكريا، يمنح النص نفسه أفقا تأويليا مفتوحا يجعل القراءة تجربة حية تتجاوز حدود الحكاية إلى خطاب إنساني شامل. وبذلك تغدو الرواية شهادة فنية على جيل ممزق عاش الحرب بكل ما حملته من قسوة، وفي الوقت نفسه محاولة لإعادة صياغة المعنى عبر الأدب.





