الصين تختار المغرب رغم التوجس الأمريكي.. كيف تحولت المملكة إلى إمبراطورية لبطاريات السيارات على أبواب أوروبا؟
عززت العلاقات الاقتصادية بين المغرب والصين، خلال السنوات الأخيرة، موقعها كواحدة من أسرع الشراكات نموا في القارة الإفريقية، بعدما ارتفع حجم المبادلات التجارية بين البلدين إلى 10,96 مليارات دولار خلال سنة 2025، مقابل 9,04 مليارات دولار سنة 2024، بنسبة نمو تجاوزت 21 في المائة، في وقت اختارت فيه بكين مدينة الدار البيضاء لاحتضان الشق المغربي من المعرض الاقتصادي والتجاري الصيني الإفريقي.
وتحتضن الدار البيضاء، في الفترة الممتدة بين 10 و12 يونيو الجاري، حدثا اقتصاديا استثنائيا في تاريخ العلاقات الصينية الإفريقية، هو المعرض الاقتصادي والتجاري الصيني-الإفريقي، وهو أول نشاط اقتصادي وتجاري رئيسي يُنظم خارج الصين من قبل مقاطعة هونان الواقعة وسط الصين، على أراضي القارة الإفريقية، منذ بدء تطبيق الصين سياسة التعريفة الجمركية الصفرية لصالح 53 دولة إفريقية، حيث تم اختيار المغرب، دون سواه، لهذه التظاهرة في إطار قراءة صينية هادئة ودقيقة لجغرافية المصالح في القارة الإفريقية، وإعلان ضمني بأن المملكة باتت تحتل موقعا استراتيجيا متقدما في الحسابات الاقتصادية لبكين.
قفزة تجارية بنكهة استراتيجية
بلغ حجم التجارة الثنائية بين الصين والمغرب 10,96 مليار دولار في عام 2025، أي بارتفاع واضح من 9,04 مليار دولار في عام 2024، فيما ظلت الصين، لسنوات عديدة متتالية، ثالث أكبر شريك تجاري للمغرب على مستوى العالم، وأكبر شريك تجاري له في آسيا، وخلال عام 2025، بلغت صادرات الصين إلى المغرب 9,88 مليار دولار، في حين بلغت وارداتها من المغرب 1,08 مليار دولار.
هذه الأرقام الإجمالية تحمل في طياتها معادلة غير متوازنة تماما، فالعجز التجاري المغربي لصالح بكين يبلغ نحو 8,8 مليار دولار سنويا، أي أن ما تصدره الصين إلى المغرب يعادل تسعة أضعاف ما تستورده منه، وهذا الاختلال يشكل نقطة توتر حقيقية في المفاوضات الثنائية، وهو ما تحاول الرباط معالجته عبر ورقتين رئيسيتين تتمثلان في الإعفاء الجمركي الجديد، والاندماج في سلاسل الإنتاج الصينية عبر استقطاب المصانع.
وقفزت المبادلات التجارية بين البلدين لتتجاوز عتبة 10 مليارات دولار سنويا بحلول عام 2025، بزيادة فاقت 50% عما كانت عليه قبل توقيع الشراكة، وهو المسار التصاعدي الذي يكشف عن ديناميكية لا تبدو في طريقها للتراجع، خاصة مع دخول منظومة الاستثمارات الصناعية الصينية الكبرى حيز التشغيل تدريجيا.
القنيطرة عاصمة البطاريات الإفريقية
ولا يمكن فهم العلاقة المغربية الصينية اليوم بمعزل عن مشهد واحد يختصر كل شيء، وهو بناء ضخم يتشكل في مدينة القنيطرة، على بعد عشرات الكيلومترات من الرباط، يُعدّ الأول من نوعه في قارة بأسرها، فقد أعلنت شركة “غوشن باور المغرب”، الفرع المحلي للمجموعة الصينية-الأوروبية المتخصصة في بطاريات السيارات الكهربائية، أنها ستشرع في أشغال بناء أول “جيغا فاكتوري” لإنتاج البطاريات في القارة الإفريقية بمدينة القنيطرة، وأن انطلاق الإنتاج الأولي مرتقب خلال الربع الثالث من سنة 2026.
المشروع ستبلغ طاقته الإنتاجية، في المرحلة الأولى، 20 جيغاواط للساعة، على أن ترتفع إلى 100 جيغاواط/ساعة، وسيساهم في إحداث 17 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة.
آخر المستجدات الميدانية تكشف عن تقدم ملموس، فقد بلغت الاستثمارات المنجزة، إلى حدود نهاية سنة 2025، حوالي 843 مليون درهم، ويرتقب أن تنطلق المرحلة الأولى للإنتاج خلال شهر غشت المقبل، على أن يتم تصنيع أولى البطاريات في الربع الثالث من السنة نفسها.
ووفق مذكرة بحثية صادرة عن مؤسسة BOCOM International، فإن بدء الإنتاج بالمصنع بات مقررا خلال شهر غشت المقبل، بدل الموعد السابق الذي كان محددا في الربع الثالث من السنة نفسها، ما يعكس تقدما ملموسا في إنجاز المشروع.
أما الأرقام المالية، فتكشف كذلك عن جاذبية استثنائية يوفرها المغرب للشركات الصينية، بحيث سجلت شركة “غوشن هاي-تيك” هامش ربح خارجي بلغ 20,7 في المائة خلال 2025، مقابل 14,85 في المائة داخل الصين، فيما حققت مجموعة “CATL” هامش ربح خارجي وصل إلى 31,44 في المائة، مقارنة بـ24 في المئة في السوق المحلية.
الجرف الأصفر.. معجزة صناعية أطلسية
لم يقتصر الأمر على القنيطرة لوحدها، ففي منطقة أخرى على الساحل الأطلسي المغربي، كُتب التاريخ الصناعي فصلا آخر في يونيو الماضي، حيث دشّن المغرب أول مصنع من نوعه لإنتاج مكونات بطاريات الليثيوم-أيون بالجرف الأصفر، باستثمار يفوق 20 مليار درهم، ضمن مشروع “كوبكو” المشترك بين مجموعة “المدى” المغربية وشركة CNGR الصينية الرائدة.
ودشّن التحالف بين مجموعة “المدى” وشركة CNGR مصنعا لمواد بطاريات الليثيوم-أيون، بطاقة إنتاجية تبلغ 70 جيغاواط للساعة، وهو ما يكفي لتجهيز قرابة مليون سيارة كهربائية سنويا، مما يضع المغرب في قلب سلاسل التوريد العالمية.
وما يجعل هذا المشروع استثنائيا أيضا هو أبعاده التدريبية والمعرفية، فالمشروع يشمل برنامجا شاملا لنقل الخبرات والمعرفة، من خلال تنظيم دورات تدريبية متخصصة بالتعاون مع فرق شركة CNGR الصينية، وعُقدت شراكات مع جامعات ومراكز تدريب مغربية بهدف بناء قاعدة وطنية من الخبراء في تقنيات البطاريات، التي لا تزال شبه معدومة في منطقة المغرب العربي.
وهنا يكمن الفارق الجوهري بين نموذجين للتعاون مع الصين: بين نموذج يستورد البضاعة الصينية الجاهزة ويُشيّد البنية التحتية بأيدي عمال وقروض صينية دون أن يبني كفاءة محلية، ونموذج آخر تتبناه الرباط اليوم، يقوم على استقطاب الاستثمار وإدماجه في منظومة تدريبية وأكاديمية ترسّخ الكفاءة على المدى البعيد.
طنجة تيك ومنظومة البطاريات الشاملة
على امتداد الجغرافيا المغربية، لا يكاد يخلو قطب صناعي من بصمة صينية في قطاع البطاريات الكهربائية، فمجموعة BTR الصينية حصلت على الضوء الأخضر لإنجاز مصنع لإنتاج الكاثودات المستعملة في البطاريات الكهربائية، على مساحة 15 هكتارا بالمدينة الصناعية محمد السادس طنجة تك، بطاقة إنتاجية تصل إلى 50 ألف طن سنويا، ومن المرتقب أن تدخل المرحلة الأولى حيز التشغيل في شتنبر 2026، بطاقة إنتاجية قدرها 25 ألف طن في السنة.
وفي شمال المملكة، تواصل منطقة “طنجة تيك” تعزيز مكانتها كقطب صناعي مخصص لصناعات المستقبل، خاصة في مجال بطاريات السيارات الكهربائية، بعدما تحولت من مشروع مدينة ذكية إلى منصة صناعية متقدمة تستقطب كبار المصنعين الصينيين، وتستعد شركتا “Hailiang” و”Shinzoom” لإطلاق مصنعين جديدين داخل المنطقة الصناعية طنجة تيك، باستثمارات إجمالية تناهز 910 ملايين دولار.
الصورة الكاملة التي تتشكل عند الجمع بين كل هذه المشاريع تُبين أن المغرب يبني منظومة متكاملة لسلسلة قيمة البطارية الكهربائية من ألفها إلى يائها، من إنتاج مواد الكاثود والأنود، مرورا بتصنيع الخلايا والبطاريات، وصولا إلى تجميعها في سيارات كهربائية تغادر الموانئ المغربية نحو الأسواق الأوروبية.
وقد نجح المغرب في استثمار موقعه الاستراتيجي ليصبح منصة عالمية للصناعات الصينية المتطورة، خاصة في قطاع التنقل الكهربائي، حيث تحولت المملكة إلى قلب نابض لسلسلة توريد البطاريات الكهربائية الصينية الموجهة نحو الأسواق الأوروبية والأمريكية، عبر مشاريع ضخمة بمليارات الدولارات، بلغت قيمتها الإجمالية المعلنة في قطاع التنقل الكهربائي وحده حوالي 10 مليارات دولار.
صناعة السيارات.. الأساس الذي يُضفي المنطق على كل شيء
لفهم سبب إقبال الصينيين على المغرب تحديدا، يجب النظر إلى ما بناه المغرب خلال عقدين من الزمن في صناعة السيارات، فقد أصبح البلد يتوفر على منصة لها قدرة إنتاجية تصل إلى مليون سيارة في السنة، ومن المتوقع أن تصل إيرادات صادرات السيارات إلى 157 مليار درهم (16 مليار دولار).
وشهد قطاع صناعة السيارات في المغرب، خلال النصف الأول من سنة 2025، دينامية قوية تجسدت في تسجيل نمو بنسبة 36 في المائة في حجم الإنتاج، كما يسعى المغرب لإنتاج 100 ألف سيارة كهربائية سنويا بداية من العام الحالي، حيث شهدت مبيعاته نموا بنسبة 52% على أساس سنوي في عام 2024.
وهذا الواقع يُفسر المنطق الاستثماري الصيني بوضوح تام، فوجود مصانع رونو وستيلانتيس الكبرى على الأرض المغربية يعني أن هناك طلبا فعليا ومتزايدا على البطاريات الكهربائية محليا، فضلا عن القرب الجغرافي من الأسواق الأوروبية التي تشترط، بشكل متصاعد، نسبا أعلى من المحتوى المحلي في السيارات المُصنَّعة، والشركات الصينية التي تستثمر في المغرب لا تبني مجرد مصانع، بل تضمن لنفسها حق الوصول إلى أسواق أوروبية أصبحت تُقيم حواجز أمام المنتجات الصينية المباشرة.
المغرب ودبلوماسية الحياد المربح
لا تُدرَك الشراكة المغربية الصينية بشكل كامل دون قراءة السياق الجيوسياسي المحيط بها، إذ يجد المغرب نفسه في قلب تنافس دولي محتدم بين القوى الكبرى، لكنه يتعامل مع هذا الوضع بتقنية لافتة.
وقّع المغرب والولايات المتحدة، في 17 يونيو الماضي، اتفاقا جديدا ضمن مبادرة أمن الحاويات لتعزيز أمن الشحن البحري، وفي الوقت ذاته، أشادت الصين، خلال منتدى التعاون الصيني-العربي، بقدرات ميناء طنجة المتوسط على دعم التدفقات التجارية الصينية نحو أوروبا.
اختار المغرب مسارا مختلفا بحفاظه على علاقاته التجارية مع بكين دون اتخاذ تدابير تقييدية، ولم ينضم إلى موجة القيود التجارية المفروضة على الصين، فيما يسعى إلى الاستفادة من موقعه لحل مشكلتين رئيسيتين للصين، وهما تأمين المواد الأساسية اللازمة لصناعة السيارات الكهربائية، وتجاوز القيود المفروضة على الواردات من قبل الولايات المتحدة وأوروبا.
وهذه المعادلة تكشف عن تقاطع مصالح نادر الدقة، فالمغرب يوفر للصين مخرجا قانونيا وجغرافيا من حصار الرسوم الجمركية الغربية، والصين توفر للمغرب استثمارات ضخمة تُسرّع تحوله الصناعي، وكلٌّ من الطرفين يستخدم الآخر لتحقيق أهداف استراتيجية بعيدة المدى، وهذا بالضبط ما يجعل هذه الشراكة متينة ومستدامة، لأنها ليست صداقة، بل مصلحة مشتركة، ومصالح بهذا الحجم لا تتبخر بتغير الحكومات أو تقلب الأحوال السياسية.
ما الذي يُميز النموذج المغربي عن غيره في القارة؟
يفرض كل ما سبق من معطيات طرح سؤال: هل ما يحدث في المغرب مختلف فعلا عمّا شهده غيره من الدول الإفريقية في علاقتها مع الصين، تلك العلاقات التي كثيرا ما وُصفت بـ”الاستعمار الجديد”؟
الجواب في التجربة المغربية مُركّب، فمن جهة، العجز التجاري الضخم لصالح الصين، الذي بلغ 8,8 مليار دولار سنة 2025، يطرح تساؤلات مشروعة حول عدالة التبادل، ومن جهة أخرى، ثمة فوارق جوهرية تميز النموذج المغربي، أولها أن المغرب يستقبل الاستثمار الصناعي المُنتج، لا القروض المبالغ فيها المرتبطة بمشاريع بنية تحتية، وثانيها أن الاستثمارات الصينية تندمج في بيئة صناعية مغربية قائمة وناضجة، لا تُبنى في فراغ، وثالثها وجود عنصر نقل التكنولوجيا والتدريب الذي يُكرّسه عقد مشروع COBCO تحديدا.
وقد أكد وزير الصناعة المغربي أن الشراكة مع الصين تتجسد حاليا بشكل ملموس في قطاعات الصناعة والطاقة والخدمات اللوجستية، مشيرا إلى أن المغرب من بين أوائل الدول العربية التي انضمت لمبادرة الحزام والطريق عام 2022.
بيد أن الرهان الحقيقي للمغرب يبقى في الإجابة عن سؤال مؤجل مفاده: هل ستنتهي هذه الشراكة بامتلاك المغرب لمعرفة تكنولوجية حقيقية تُبقيه في موقع المفاوض النديّ، أم ستتحول إلى اعتماد بنيوي على الصين في صناعة تشكّل مستقبل الاقتصاد العالمي؟ والإجابة الأولى تعثر عليها في الإحصاءات، فحجم الرأسمال المغربي في قطاع السيارات لا يتجاوز 6%، وهو رقم يستدعي بذاته نقاشا وطنيا جادا حول كيفية رفع التمثيل المغربي في القطاعات التي تستضيف الاستثمارات الأجنبية.
ماذا بعد 2026؟
كل المؤشرات تُنبئ بأن سنة 2026 ليست ذروة هذه الشراكة، بل بدايتها الفعلية، فبمجرد انطلاق الإنتاج في مصنع غوشن بالقنيطرة، وتسارع وتيرة مصنع COBCO بالجرف الأصفر، ستتحول المملكة من محطة للتوقيع على الاتفاقيات إلى ورشة فعلية تُنتج المكونات الأساسية لاقتصاد الطاقة النظيفة العالمي.
ويواصل التعاون الصيني المغربي تقدمه نحو تنمية أكثر جودة واستدامة، ومع انطلاق جولة مركز الدراسات الإفريقية والثقافية والاقتصادية في المغرب، فإن التبادلات الاقتصادية والثقافية والأكاديمية بين البلدين مرشحة لبلوغ مستوى جديد.
وفي خضم كل هذه التحولات، يواصل المغرب توازناته الدقيقة، يستقطب الاستثمارات الصينية بذراع، ويوقّع اتفاقيات الأمن البحري مع واشنطن بالذراع الأخرى، ويبقي أبواب السوق الأوروبية مشرعة باتفاقيات التبادل الحر، بمنطق دبلوماسية اقتصادية متعددة الأوجه، تُجسّد نموذجا نادرا في القارة الإفريقية: دولة صغيرة نسبيا تجلس إلى طاولة اللاعبين الكبار، وتُقرأ خرائطهم بنفس أدواتهم.
المصدر: الصحيفة





