محمد الوسطاني
في محطة جديدة وثرية من محطات الاحتفالات المتواصلة بالذكرى العاشرة لتأسيسها، أثبتت شبكة المقاهي الثقافية مرة أخرى التزامها بتنويع أنشطتها ومجالات إبداعها. فبعد أن كانت الفلسفة والرواية محور اهتمامها، حطّت القصة والشعر رحالهما ليضيف نكهة خاصة وعبقًا تاريخيًا إلى سجلها الحافل، وكانا هذه المرة ممزوجين بأصداء الحضارة والتاريخ العريق، ليأخذنا في رحلة أدبية فريدة.
من الوطنية إلى العالمية… ومن الفلسفة إلى الشعر
لقد كانت رحلة الشبكة في الاحتفاء بالثقافة المغربية رحلة ذات دلالات عميقة، انطلقت من رمزية المكتبة الوطنية لتؤكد على الوحدة الترابية للوطن، مرورًا بمحطة ميلانو التي عانقت الفكر الفلسفي العالمي. واليوم، كان الشعر والقصة هما سيدا الموقف، لكن ليس أي شعر وليست أية قصة، بل شعر يغوص في أعماق مدينة آل بوخوس والقيصر بوبا وكركلا، وقصة الإله جوبيتر وأورفيوس، وتحديدًا في فضاءات وليلي الأثرية، بما تحمله من دلالات عميقة في الذاكرة الحضارية للمملكة المغربية.
حيث شهد الحفل البهيج، الذي تم تنظيمه بمقهى “سلة الزهور” بموقع وليلي يوم الاحد الماضي، تقديم وتوقيع كتابين لاسمين يشقان طريقهما في المشهد الأدبي والبحثي: القاصة الدكتورة خولة السعيد التي قدمت مجموعتها القصصية “محطات شاعرية”، والباحث محمد أمين الرتمي الذي شارك برحلته المتجددة “الركب إلى مولاي إدريس زرهون: رحلة تتجدد كل عام”. وقد جاء هذا الاحتفاء ليكرس مبدأ الشبكة في تنويع الأسماء المحتفى بها والمجالات الأدبية والبحثية التي يبدعون فيها.
كهنة المعابد يثرون الطقوس.
لم يكن التوقيع مجرد مناسبة شكلية، بل كان طقسًا ثقافيًا بامتياز، أغناه ثلة من الشعراء الذين يمكن اعتبارهم “كهنة المعابد” الجدد. حيث شارك كل من محمد الشنوف، كريم مجيدو، رضوان بودينة، ومحمد بنصابر في إثراء الحفل بـقراءات شعرية ونقدية نثرية عميقة في “القربانين” الأدبيين اللذين قدما للجمهور. حيث أضفت هذه التدخلات النقدية والأدبية بعدًا فكريًا وفنيًا للحفل، مؤكدة على دور الأدباء والباحثين في استمرار وتجديد الحراك الثقافي، الذي عززه حضوره بنخبة من المثقفين والأدباء والشعراء والنقاد الذين لم يكتفوا بالحضور لتأثيث المشهد، بل أغنوا الاحتفال بتدخلاتهم القيمة، التي مثلت “مباركة منهم لتقديم القرابين للإلهة”، في إشارة رمزية إلى الأعمال الأدبية المقدمة.
إن شبكة المقاهي الثقافية، حين جعلت من الشعر والقصة هذه المرة صوت الذاكرة، وعبق التاريخ، وإشراقة المستقبل في مدينة وليلي العريقة، ومن خلال هذه الأنشطة النوعية، تؤكد مرة تلو الأخرى على دورها الريادي كحاضنة للإبداع، مستمر في تنوّيع أمكنة الاحتفال بالثقافة المغربية، متسلحة بروح المواطنة الصادقة التي تجعل من كل محطة منصة للاحتفاء بالهوية والتاريخ.





