آية قرآنية كريمة عمل بها الأعداء ولم يعمل بها المسلمون

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 محمد عوام

 

 

 

عندما أتأمل واقعنا البئيس في العالم الإسلامي عموما، والعربي خصوصا يقِفّ شعري مما أجد حولي من دول في قمة التخلف والانحطاط، استبداد متحكم، واستغلال مستحكم، وظلم متفش، وقهر متسلط، وفوق كل هذا تخلف علمي وفكري معشش في العقول والقلوب، لأن الاستبداد الذي طال أمده، واعتاص اجتثاته لا ينتعش ويتمعش ويستمر إلا في ظل التخلف، فمن ثمة كانت هناك علاقة بين الفساد والاستبداد والتخلف، حتى صار قاعدة: التخلف يولد الاستبداد، فهي علاقة جدلية بينهما، علاقة تأثير وتأثر.

لأجل ذلك لم تأت الآيات القرآنيات البينات، لتتحدث عن فرعون أكثر من غيره من الأنبياء، وتوزع قصته بحسب السياق في عدد من السور والمقاطع، إلا لتنبهنا على شيء مهم وذي بال، وفي الوقت ذاته شديد الخطورة والوبال، وهو الاستبداد الفرعوني المتمثل في الحكم الجبري، فهو أشد خطرا من غيره، لما له من انعكاسات على كافة المجالات الدينية والسياسية والاقتصادية والعدالة، والحياة الاجتماعية والنفسية…إلخ.

ولا يقع هذا إلا عندما تستمرأ الشعوب الذل، وتستريح إلى الهوان، وترضى بأن تكون قطيعا يساق إلى حتفه، من غير أن ترى لها ردة فعل، فهي ساكنة للخوف، مسكونة بالذل، فيسهل على الفراعنة استخفافها وتذليلها وتطويعها وتركيعها، لأنها رضيت بالغوغائية والدونية، فتكون بذلك شريكة في صناعة منظومة الاستبداد والفساد. لذلك قال تعالى عن سياسة فرعون: ﴿فَٱسۡتَخَفَّ قَوۡمَهُۥ فَأَطَاعُوهُۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡما فَٰسِقِينَ [الزخرف: 54]

وهذه الآية تبين بوضوح، وتؤكد على قاعدة ينتهجها الفراعنة في كل زمان، وهي سياسة الاستخفاف بالشعوب، لكن لا يحدث هذا إلا عندما تكون للشعوب قابلية الاستجابة للاستخفاف، ولا يحصل هذا إلا عندما تتجرد الشعوب من كل القيم والمبادئ وتغرق في أوحال الفسق والفجور. هذه القابلية للاستخفاف والرضوخ للسياسة الفرعونية الاستخفافية، هي العامل الوحيد والواحد الذي يطيل عمر الاستبداد الفرعوني، وما عداه من التفنن في إبداع مجالات وأنواع وأفانين الاستخفاف، ما هو إلا مظهر لسياسة واحدة ممنهجة، وخطة محكمة محبوكة سياسة الاستخفاف التي يبدعها الاستبداد.

يا ترى هل تدبرنا كتاب الله تعالى، ووقفنا على ما نبهنا إليه، وحذرنا عواقبه الوخيمة، وربط ذلك بسننه المركوزة في الوجود، والتي لا تتخلف، ولا تتبدل أم نحن أمة اليوم جعلت كتابها ظهريا ونأت عنه؟ فأين هو هذا الكتاب الرباني العجيب الحكيم في كل مجالاتنا؟ لا جرم أن السياسة الفرعونية المعاصرة في عالمنا الإسلامي والعربي عطلته، وأخرجته عن الخدمة الفعالة إلى الخدمة الميتة، يتبرك به في المناسبات، ويقرأ على الأموات، ألهذا أنزل؟

لهذا فالفرعونية اليوم أشد ما تخشاه هو رجوع هذا الكتاب المجيد إلى واقع الناس يؤطر حياتهم، ويقودها إلى النجاة ويبني حاضرهم ويستشرفون به مستقبلهم، ويقهر عدوهم. كم نحتاج من الوقت لندرك أن القرآن الكريم إنما جاء ليبني الإنسان، ويقيم العمران، ويجنبنا الخسران؟ لعلي لا أكون مبالغا إن قلت -في ظل هذه الأوضاع السيئة، والانفصام النكد، نحتاج إلى عمر مديد، وجهد جهيد. 

على أي حال بالرغم من هذه الألآم نحتاج أن نفتح لأنفسنا شيئا من الآمال، ولعل صلابة أهل الله في غزة العزة، هي من تزرع اليوم الآمال في القلوب اليائسة. وأنا أقلب النظر في التفاسير لأقف وأتدبر هذه الآية، آية العدة والإعداد، التي تنبجس منها الأحكام والحكم، أن هذه الأمة لا تقوم لها قائمة إلا بالعدة والإعداد، إن هي أرادت أن تبني مجدها، وتعيد صياغة نفسها من جديد، وتعيد دورتها الحضارية المفقودة اليوم. وهذه الآية هي قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّة وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡء فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ [الأنفال: 60].

فهذا أمر رباني للأمة جمعاء، وبخاصة حكامها، الذين أصبحوا اليوم نعاجا أمام أعداء الأمة، ليقوموا بكافة وسائل الإعداد المادية والروحية. وحين فرطت في امتثال هذا الأمر الرباني لحقتها الهزائم، والنكبات، وطال عليها أمد الإذلال والإهانة، لكن مع الأسف المعتصر بالألم أن هذه الآية فهمها أعداء الأمة من الصليبيين والصهاينة المجرمين، فهم دائما في إعداد واستعداد لقهر هذه الأمة وخنق أنفاسها. وحكامنا دائما -ما شاء الله- في استخفاف لشعوبهم، وقهرها والاستبداد بها. لذلك ترى الغرب قد طبق ما تدعو إليه هذه الآية الكريمة، وهو في تطوير مستمر لمنظومته الإعدادية، ويبتغي من ذلك المزيد.

نعم ونفتخر بذلك، النموذج الوحيد الآن الداعي للاعتزاز والافتخار هو المقاومة، التي أعدت واستعدت روحيا وماديا، لمواجهة الصهاينة وحلفائهم، وعملت ما في وسعها، فرسمت بذلك معجزة القرن. فهي معجزة لأنها أعدت واستعدت بما لديها، وفي ظروف صعبة جدا، ولأنها تواجه الصهيونية والصليبية والفرعونية العربية.

ونختم بكلام نفيس للعلامة الشيخ المفسر مكي الناصري رحمه الله، يبين فيه أهمية الإعداد، يقول رحمه الله: “جاءت الآيات الكريمة في أول هذا الربع بقاعدة قرآنية عامة، وخطاب إلهي موجه إلى كافة المؤمنين، بصفة مؤبدة ومستمرة إلى يوم الدين، وذلك قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ. ففي هذا الخطاب الإلهي الحكيم يأمر الله عباده المؤمنين أمرا قاطعا بإعداد كل ما في إمكانهم واستطاعتهم من وسائل القوة، الكافية لمجابهة أعداء الإسلام، وعدم الغفلة عن هذا الاستعداد، على مدى السنين والأعوام.

وكتاب الله في هذه الآية لا يحدد نوعا خاصا من أنواع ” القوة ” وإنما يأمر بإعداد القوة بكل ما في الوسع والطاقة، وعلى الإطلاق والشمول، دون تعيين لنوعها، ولا تحديد لشكلها، لأن أنواع القوة وأدواتها تختلف من عصر إلى عصر، ومن جيل إلى جيل، فلكل عصر نوع من القوة يقهر الأعداء، ونوع من السلاح يفيد في مقاومتهم ويردهم على أعقابهم. والله تعالى بمقتضى هذه الآية يلزم المسلمين بأن يكونوا أقوياء غير ضعفاء، وبأن يكونوا في مستوى كاف من القوة يجعلهم في مأمن من طمع الطامعين، وعدوان المعتدين، إذ هو سبحانه وتعالى أعلم بما سيواجه الإسلام منذ ظهوره في العالم من أحلاف عدائية، ودسائس سياسية وعسكرية، ومؤامرات صليبية وصهيونية وإلحادية، دون انقطاع، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ولذلك نزلت هذه الآية المحكمة واضحة كل الوضوح، صريحة كل الصراحة، تحذيرا للمسلمين من الغفلة عما يقويهم، وتذكيرا لهم بما يحيط بهم باستمرار من دسائس أعدائهم ومؤامراتهم، مما يلزم الاستعداد لرده والوقوف في وجهه في كل جيل، دون تهاون ولا إهمال ولا تردد…

وكتاب الله عندما يتحدث عن ” القوة ” ويدعو المسلمين إلى إعدادها بكل الوسائل لا يقصد بلفظ القوة معناها المادي المجرد وحده، المتمثل في الآلات والأدوات الحربية، وإنما يقصد منها معناها المادي ومعناها الروحي في آن واحد، بل إن القوة الروحية عنده بالنسبة إلى القوة المادية تعتبر كالجوهر بالنسبة للعرض، والروح بالنسبة للجسد، فالقوة الروحية في نظر الدين والأخلاق، والروح المعنوية العالية، في نظر المختصين من رجال الدراسات النفسية والأبحاث العسكرية، هي منبع كل قوة، وأساس كل نصر، وبدونها تضطرب القلوب وتنهار الأعصاب، وتصبح الهزيمة من كل جيش قاب قوسين وعلى الأبواب، لكن إذا كانت قوة الإيمان بالله وتقوى الله تقود جنود الإسلام، في خطواتهم إلى الأمام، فبشرهم من عند الله بالفتح المبين، والنصر والتمكين، ووقتئذ يتم وعد الله بالغلبة على الكافرين، ويصدق قول الله تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ أي أنهم لا يعجزون الله، فهم في قبضته، وتحت قهره ومشيئته.

وبعدما أمر الله المسلمين بإعداد القوة لكبح جماح أعداء الإسلام، بشكل عام، خص كتاب الله بالذكر من بين أنواع القوة نوع الخيل، فقال تعالى، ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ وقد كانت الخيل في الحروب الماضية تحتل مكانا بالغ الأهمية، ولا تزال الخيل إلى اليوم تقوم بدور مهم في العمليات الحربية، ولا سيما عندما تتعذر الحركة على الأدوات الآلية. ولعل ذكر (الخيل) هو إنما ورد على وجه التنبيه، نظرا لأن الخيل كانت في العهد الإسلامي الأول أهم شيء في الحرب، وذلك حتى يقيس المسلمون عليها غيرها، ويهتموا في مستقبل الأيام بكل ما يحدث ويتجدد من أدوات القوة ووسائلها الفعالة، فالعبرة أولا وأخيرا إنما هي بإعداد القوة التي لا تضام، والاستعداد التام للعدو الظاهر والخفي على الدوام”. (التيسير في أحاديث التفسير 2/344، 346)

فهذه الأمة مأمورة بالإعداد والاستعداد، ليس فقط الحربي، وإنما قبله الإيماني، والأخلاقي التربوي، والعلمي الفكري، والسياسي الاقتصادي، والاجتماعي والإعلامي والفني، وكل أنواع الاستعداد والإعداد، فأعداء أمتنا لا يحاربونها بقوة السلاح وحده، وإنما يتربصون بها في هذه الدوائر التي ذكرت، ومع الأسف أننا في غفلة عن أمرنا، و ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ [الرعد: 11].   

إيطاليا تلغراف

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...