محمد عوام
زمن النبي صلى الله عليه وسلم سرقت امرأة شريفة القدر، ذات مكانة في مجتمعها، وسمعة بين قومها، لأنها من علية القوم، فاهتم بعض الناس من قريش لشأنها، ورقوا لحالها، فأرادوا من حِب رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد رضي الله عنه أن يتشفع فيها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما رفض شفاعة أسامة مخاطبا إياهم بقوله: “يا أيها الناس، إنما ضل من قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وايم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها”. (رواه البخاري).
لقد كان الأولى بهم والأحرى أن يلتفتوا للجرم الذي وقعت فيهم، وللعدالة التي يريدون انتهاكها من أجل امرأة شريفة، فما كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن حقق العدالة من غير التفات إلى مكانة المرأة، وهذا منتهى الإنصاف والعدل، لأن القيم والمبادئ لا تقبل التعضية، ولا تفرق بين شريف ووضيع، وحاكم ومحكوم، كما هو الشأن في زمن الاستبداد والاستعباد فإن الموازين مجخية.
ومنذ أمد غير يسير وأنا أرى ضرورة مراجعة فقهنا -بالرغم من عظمته وأهميته وسموه وسداده- لأنه اجتهاد بشري، يحتاج وبخاصة في جانبه السياسي إلى المراجعة والتقويم، من ذلك أن بعض الفقهاء أجازوا بيعة الحاكم المتغلب صاحب الشوكة، وكان منهم ذلك ضرورة حقنا للدماء، كما قالوا بانعقاد البيعة ولو بواحد. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، حتى ألفينا من قال ببيعة من لم يبلغ الحلم، يعني أن تبايع الأمة من يسير شؤونها، ويخوض معاركها، وينظر في شأنها الداخلي والخارجي صبيا قاصرا غير مؤهل دون سن الحلم، فمثل هذا الفقه، الذي لا حظ له من الشريعة قواعد ومقاصد، هو الذي أنشأ لنا الحكم الجبري والملك العاض، الذي عض الأمة، وقضم أضلعها، وجعلها متخلفة ذليلة مستعبدة.
وإن من عجائب الزمان وغرائب الدهر، ما حكاه ابن خلدون رحمه الله أن ادريس بن ادريس المعروف بإدريس الثاني، بايعه البربر “حملا ثم رضيعا ثم فصيلا إلى أن شبّ واستنم فبايعوه بجامع وليلى سنة ثمان وثمانين ابن إحدى عشرة سنة”. (تاريخ ابن خلدون 4/ 18) وددت أني لم أقرأ مثل هذه الأضحوكات والسخافات التي وقعت في تاريخنا، الناس ينتظرون بما يجود به بطن كنزة الأَوْرَبية عليهم ليحكمهم، فبايعوه وهو ما زال جنينا في بطن أمه، في طور التشكل والتخلق، أعني أنه لم يكتمل بعد حتى يكون صالحا للحكم، فما بالك فيما بعد، هل له مؤهلات ذلك أم لا؟ أو لا يزال دون البلوغ، فهل هذا من هدي الإسلام أم من هدي الشيطان؟
فالله سبحانه وتعالى أرسل رسله عليهم السلام بعد اشتداد عودهم، وبلوغهم سن الرجولة، وتحمل الرسالة، فقال تعالى عن سيدنا يوسف عليه السلام ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡما وَعِلۡماۚ﴾ [يوسف: 22]، وقال عن سيدنا موسى عليه السلام: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [القصص:14].
والسيرة النبوية تنقل لنا أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحمل الرسالة ونزل عليه الوحي حين بلغ الأربعين، والمسلمون من بعد صحابته الراشدين الكرام رضي الله عنهم طفقوا يبايعون الصبيان والأطفال ليحكموهم، حتى ألفينا العلامة الوزير الغرناطي لسان الدين ابن الخطيب يؤلف كتابا يحمل عنوانه هذه القضية، وهو الموسوم بـ(أعلام الأعلام في من بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام)، ولعله آخر تواليفه قبل أن يقتل بفاس سنة 776ه، وقد كان سبب تأليفه “بمناسبة إقامة السلطان أبي زيان محمد السعيد بن عبد العزيز، سلطانا على المغرب، وكان لا يزال طفلا لم يبلغ الحلم بعد…ولقد أراد ابن الخطيب بهذا العمل العلمي أن يتقرب إلى رجال العهد الجديد…” (انظر مقدمة المحققين أحمد العبادي ومحمد الكتاني).
وقد تحدث ابن الخطيب في هذا الكتاب عن كيفية مبايعة إدريس بن إدريس بعد مقتل أبيه، وهو مازال في بطن أمه فقال: “وعاد راشد إلى مدينة وليلي، فأخذ في جهاز إدريس ومواراته. ولم يكن لإدريس يومئذ ولد، إلا أنه ترك جارية له بربرية اسمها كنزة مقربا بحمل منه تناهز الوضع. فجمع القبائل وأخبرهم بذلك، فقالوا له: “أيها الشيخ المبارك، تقوم بأمرنا كما كان إدريس يفعل فينا حتى تضع الجارية، فإن وضعت غلاما ربيناه وبايعناه تبركا بأهل البيت بيت النبوة وذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كانت جارية نظرنا لأنفسنا. فشكرهم راشد وقام بأمرهم…ولما أكمل إدريس عشرا، جدد راشد له البيعة وأثل له الأمر.” (أعمال الإعلام 1/195، 196).
ونحن نتساءل أين غاب هدي القرآن الكريم عن هؤلاء، حتى يتمسكوا ببركة آل البيت، وتركوا وراء ظهورهم قوله تعالى “وأمرهم شورى بينهم” “وشاورهم في الأمر” أليس من بركة النبوة أنه عليه السلام ترك الأمر لاختيار الناس، ونظر الناس، ولم ينص على أحد بعينه؟ ثم أين غاب عن هؤلاء هدي الصحابة الكرام رضي الله عنهم، الذين جعلوا اختيار الحاكم للناس، وتدبير ذلك للناس بحسب ما يتفقون عليه ويتشاورون فيه، ويرضونه لأنفسهم؟
إن غياب أو تغييب هدي القرآن، ومقاصده العليا الحاكمة، هو الذي جعل الأمة يحكمها صبيان الملوك وملوك صبيان لم يبلغوا سن الرشد، وفي ذلك دلالة على أن الأمة هي أيضا بسلوكها أو سكوتها لم تبلغ النضج المطلوب في صناعة قرارها بنفسها، لاختيار من يحكمها ويسوسها.
هذا هو تاريخنا البئيس الذي انحرف عن هدي القرآن، لينشئ لنا هدي أنوشروان، الذي قعد له فرعون بقوله: ﴿مَآ أُرِيكُمۡ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهۡدِيكُمۡ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾ [غافر: 29]، الذي أصاب الأمة بسببه الرزء العظيم، وذلك بغياب التدبير المؤسساتي في اختيار الحاكم عن شورى وطواعية.
واليوم اطلعت علينا مذكرة من المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية بسلا، تطلب من السادة والسيدات مديري ومديرات المؤسسات التعليمية بـ”تنظيم حملات تحسيسية خاصة بمحاربة زواج القاصرات”
طيب هل تزويج القاصرات قضية مجتمعية؟ هل هي من أولويات المجتمع أم أن الانحطاط الأيديولوجي بلغ إلى السخف؟ كم نسبة تزويج القاصرات عندنا؟ لكن العجب لا ينقضي حين ترى وتسمع عن توزيع العازل الطبي في المؤسسات التعليمية والمواسم، والدعوة إلى قتل الأجنة (الإجهاض)، والتجاهل التام لأوضاع الفتيات البئيسة والمحزنة، لكنهم يملؤون الدنيا صراخا وعويلا، بالبكاء على زواج القاصرات، ولا يتباكون على العانسات، والاستغلال الجنسي، واستغلال المرأة والفتيات في الإشهار امتهانا لكرامتها واحتقارا لأنوثتها، هذا مخطط جهنمي، يملى من وراء البحار، لإشغال المجتمع عن قضاياه المصيرية والمهمة مثل البطالة والعنوسة والهشاشة وانحطاط التعليم والصحة حتى سمعنا بولادة امرأة في طرامواي بعدما رفضوها وأقفلوا الباب في وجهها.
إن سياسة الاستبداد والفساد هو تدويخ الشعوب، وإلهائها بقضايا ليست ذي بال، ولا جدوى منها، ومع الأسف الشديد الذي يدمي القلوب، وينغص الحياة، أن شعوبنا تنصب وتختار القُصّر، ليسيروا شؤونها، لكن يطلب منهم محاربة زواج القاصرات، ولو كان شبه منعدم أو يقع اليوم لظروف خاصة، فمن أولى بالتحسيس والتوقيف زواج القاصرات أم الحكام والنواب القاصرين؟!! فكروا رحمكم الله بعقولكم، والله المستعان.





