النكسة الكبرى لـ “صاحبة الجلالة، “الجيل الذي شاهد الأقلام تتهاوى: معاناتنا مزدوجة ومعقدة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

محمد الوسطاني

 

نحن، أبناء أواخر سبعينات القرن الماضي، جيل يعيش الآن حالة من المعاناة المزدوجة والمعقدة. لانتحسر مجرد حنينا للماضي، بل مرارة المقارنة بين عهدين: عهد كانت فيه الصحافة “سلطة رابعة” حقيقية، وعهد أصبحت فيه مجرد “بنت ليل” على موائد الممولين.
الفصل الأول: زمن القلم النبيل والمبدأ السوي.
عاصر جيلنا فترة ذهبية نسبية، لم تكن خالية من القمع والمخاطر، لكنها كانت غنية بـ “قيمة القلم”. في تلك الحقبة، كان الكاتب الصحفي ثلاثي المهام لا مجرد ناقل لأخبار، كان مُشكِّلاً للرأي العام، ومدافعاً عن اللغة، وحارساً للمبدأ. هذا تضافرت جهود المؤسسات المغربية – بشكل فريد – على تخريج صحافيين نفتخر بهم. لم يكن التكوين الصحفي مقتصراً على مدارس الإعلام وحدها، بل كان نتاجاً لتزاوج واعٍ بين ثلاثة محاور أساسية:
* الجامعة المغربية : التي كانت حينها منارة للعلوم الاجتماعية والفلسفة والآداب، والتي زودت الصحافيين بـ الخلفية المعرفية العميقة والقدرة على التحليل المركب للمشهد السياسي والاجتماعي.
* المؤسسات الحزبية والنقابية : التي كانت بمثابة مدارس للنضال السياسي والحقوقي، وزرعت في الكاتب حسَّ الالتزام بالقضايا الوطنية والاجتماعية الكبرى، وجعلت من الكتابة فعلاً سياسياً بامتياز.
* الصحف نفسها : التي كانت ورشات لغوية ومعيارية صارمة. كانت المقالة تُنشر بعد تدقيق لغوي وفكري صارم، لتصل إلى القارئ وهي قطعة فنية متكاملة.
حينها، لم يكن المقال الصحفي مجرد وسيلة لنقل الخبر، بل كان مدرسة متكاملة تضمن للقارئ ثلاثة أبعاد: مصدر الخبر السياسي الموثوق والعميق، منبع اللغة السليمة التي تشذّب ذائقة القارئ وتصقل معرفته، ومنبر المبدأ السوي والأخلاق التي لا تتجزأ. كان القارئ يشتري الجريدة ليتعلم ويتثقف، لا ليستهلك الإثارة العاجلة. هذا الجهد النوعي في التكوين تزامن مع مرحلة الانفتاح الحذر التي عرفها المغرب في أواخر عهد الملك الراحل الحسن الثاني. حينما، أيقن النظام حاجته إلى سلطة رابعة بحدودها المقيدة، لتلميع صورته أمام العالم وتهيئة البلد لانتقال سلس، وقام بتقييد يد النظام القوية في كتم أفواه المنتسبين للصحافة – التي كانت حينها تُدار بقبضة المرحوم إدريس البصري. حتى تحت وطأة القمع، استطاعت تلك الأقلام النبيلة أن تجد مساحة لتحافظ على وقارها المهني ورسالتها الأخلاقية.
الفصل الثاني: وهم الانفتاح والنكبة
ومع بداية العهد الجديد، أرسلت السلطة رسائل واضحة مفادها الانفكاك عن الماضي القمعي. فازدهرت الصحافة المستقلة، وبدأت أقلام شابة “نظيفة” تتشرب الأسلوب والأخلاق من سيرة أسلافها. كانت “صاحبة الجلالة” (الصحافة) تحظى بالاحترام الواجب لبروتوكولها المهني. لكن تلك المرحلة لم تدم طويلاً. فجأة، فحدثت النكبة. وتحولت المهنة تدريجيا من “سلطة رابعة” إلى مجرد “سلطة رابعة عشر”. وتبدلت “صاحبة الجلالة” إلى رمز مؤسف، حيث أصبحت “بنت ليل تزني مع من يدفع أكثر”. هذا التدهور لم يكن عارضاً، بل كان تحولاً هيكلياً مريعاً تغذى من عاملين:
* التمويل المشبوه وضعف المناعة المهنية: أصبحت الأولوية لمن يدفع، سواء كان جهة سياسية أو ممولاً اقتصادياً أو حتى جهات تبحث عن الشهرة الزائفة.
* ثورة التواصل السطحي : كثرت الميكروفونات والقنوات الخاصة التي تعتمد على الإثارة الرخيصة ولغة الشارع الهابطة، مبتعدة عن أي جهد تحليلي أو لغوي سليم.
الفصل الثالث: الإخبار بمقابل وتحويل القمامة إلى ثروة
أصبح المشهد الإعلامي اليوم كاريكاتورًا مؤلماً. وانقلبت الآية حيث حوّل الإعلام العمومي إلى منصة يتم فيها تداول الأخبار بشكل سطحي وبكل حرية، بينما أصبح التعليق مقدسًا لأنه بمقابل.
لقد راكم أصحاب القنوات والمواقع ملايينهم من نشر مواد إعلامية كانت في زمن الصحافة الجادة لا تجد لها مكانا حتى في أكياس القمامة. فيديوهات تافهة، تحليلات سطحية، وصراعات شخصية تحولت إلى مادة أساسية بدلاً من المقالات التي كانت تسلّح القارئ بالوعي والبصيرة.
النتيجة؟ جيلنا اليوم يجد نفسه في مفترق طرق: إما الانزواء بحثاً عن تلك الأقلام النادرة التي لا تزال تصارع للبقاء، أو الغرق في مستنقع “الطوباوية الإعلامية” التي لا تقدم سوى الإخبار السريع الخالي من القيمة.
إن معاناتنا ليست في غياب الأخبار، بل في غياب القلم المبدئي واللغة السليمة والتكوين المتين. نترقب بصيص أمل يعيد للمؤسسة الصحفية جلالها، قبل أن تتآكل ثقتنا بالكامل في كل ما يقال أو يكتب.

إيطاليا تلغراف
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...