«لم نأكل التفّاح»: زلزال الواقع ووهم الهويّة في حلب

إيطاليا تلغراف

 

 

 

منير الحايك
كاتب لبناني

 

 

في روايتها الجديدة «لم نأكل التفاح» (منشورات ميسكلياني 2025) تنطلق السورية ريما بالي من زلزال حقيقي، وهو الذي حصل بالفعل في فبراير/شباط عام 2023، وأدّى إلى دمار وموت وتشريد وخوف، من ثمّ تنتقل فينا عبر الزمن، بين استرجاعات، وسير أحداث طبيعي نحو المستقبل، لتدلل على زلازل كثيرة تعاني منها النفس البشرية، السورية منها على وجه التخصيص.
تستيقظ «دنيا» بعد الزلزال، مستغربة من أنها «دنيا»، وتقول للجميع، وللمتلقي، إنها «منى»، ولكنها لا تدري كيف دخلت جسد دنيا وحياتها وبيتها، وأصبحت هي بالفعل! بداية «غرائبية» جاذبة وذكية، تأسر المتلقي منذ البداية، ليلاحق الحقيقة، وليلاحق حياة المرأتين، من خلال لعبة روائية، فيها من الواقعي والحداثي الكثير. فمنى «بشرى موني» كما عرفها الناس عبر برنامج على وسائل التواصل الاجتماعي، تقرأ للنساء «الفنجان»، وتكون «دنيا» باسمها المستعار «نداء» بالفعل واحدة من متابعيها أو زبائنها إن صحّ التعبير! وعدم انتظار الرواية للتصريح عن هذه الجزئية، كان موفَّقا بشكل كبير، فالقارئ يصبح أسيرا للشخصيتين وحياتيهما، ولا ينتظر كثيرا ليؤسَر.
«دُنيا»، أو «منى» التي أصبحت «دنيا»، بجسد امرأة ستينية وهي الثلاثينية، تخضع لشروط «حياتها الجديدة» أو المستجدّة، وتقرر مجاراة الواقع على أنها فاقدة للذاكرة أمام عائلتها ومعارفها بسبب الزلزال، ولم تصرّح بأنها شخص آخر إلّا لـ»أمينة» جارتها في ما بعد. أما «منى»، التي نسمع من دنيا/منى قصة حياتها، منذ طفولتها وغيرتها من أختها، وما قامت به تجاهها ففقدت الأخيرة إحدى عينيها، وما أصبحت عليه، وعن خطبتها لغيث، وعن صفحتها وبرنامجها، والنسوة اللواتي أرسلن صور فناجين القهوة، أو اللواتي اتصلنَ بها، وكل تلك التفاصيل، تظلّ الشخصية مصرّة على أنها هي الحقيقة، وما حصل معها بالنسبة إلى تقمّص حياة «دنيا» وجسدها هي الوهم، حتى نصل إلى الفصل الأخير من الرواية بعنوان «الإشارة الرابعة» لنكتشف العكس، وقد حدّدتُ عنوانه لأنني سأعود إليه لاحقا.
ملاحقة حياة الشخصية، بأسلوب بالي المعتاد ولغتها الجذلة، والاقتناع مع الشخصيتين بأنهما لشخصين منفصلين، وحياتين مختلفتين، على الرغم من أن المكان يجمعهما، مدينة حلب، وهنا أقول إن المكان، على عكس روايتَي بالي السابقتين لهذه، لم يكن حاضرا بخصوصيته، بل كان الحاضنة الكبرى، لأنها كانت تريد أن تصل إلى النهاية الجامعة لكل السوريين، وإلى رموز قصدتها الروائية، وصرّحت بما ظنّت أنه تلميح من دون أن تدري.
زوج «دنيا» رجل المخابرات والسلطة السابق، الذي لا يحضر إلا في نهاية النص «عاجزا» ممثلا للنظام الذي يسقط بالفعل في الرواية، من ثمّ يموت وتظهر حال رجاء ابنته المفاجئة تجاهه. إبنا «دنيا» من هذا الأب، اللذان لا يحضران أيضا، إلا للحديث عن أنهما غادرا البلاد وهربا، أيضا يمثلان حال الكثيرين من أبناء البلاد، و»ربيع»، وهو ابن دنيا من حبيبها «ثائر»، الذي يظهر ويغيب، حسبما اقتضته حاجة النص له، لتبيان تطوّر حال دنيا النفسية، كان الرمز الأساس، الذي معه تنتهي الرواية بعد سقوط النظام، ومع سقوط النظام، يختفي الوهم والغرائبية في شخصية «دنيا»، ونكتشف أنها بالفعل «دنيا» وليست «منى». ولم يكن حضور منى سوى عملية الإيهام الذي قصدته الرواية عاملا للتشويق والجذب، أدى وظيفته على أكمل وجه، وقدّم الشخصيتين بطرائق مختلفة، يحتاجها أيّ نصّ سرديّ حداثيّ.

حياة «منى» لم تكن أبسط من حياة دنيا، ولكنها كانت مساندة لحياة «دنيا» ورمزية كل تفصيل من حياتها، والرواية مع «منى» أرادت للحكاية العادية أن تظهر، بين الأختَين والغيرة والعلاقات الأسرية المعقدة، حيث المشكلات العادية أيضا مع الخطيب، والطموح والمحاولات للشهرة والعمل عبر وسائل التواصل، من أجل أن تخفف من عبء الرموز المثقلة حياة «دنيا»، «منى» التي تختفي بالفعل مع الزلزال، فتسكن وهما حياة دنيا، ومع سقوط النظام، وهو الزلزال الذي أرادته الرواية بوصفه إحياءً للأمل، حيث أسقطت هزّاته النظام، يكون اختفاء منى الوهمي وعودة دنيا الحقيقية إلى الظهور.
منى تمثّل الوهم، وهي قارئة الفنجان، وهي التي تظهر على صفحات وسائل التواصل، بوصفها وهما أيضا، وهنا رمز أرادته الرواية للتفريق بين الواقع والوهم في هذا المجال، ومثّلت الملجأ الذي يرمي الناس أنفسهم داخله هروبا من واقع مرير ما، ومثّلت «الشرّ» وهي التي اقتلعت عين أختها، وسال دمها على «التفاح» فما عادت تأكل التفاح، وخلال الرواية، «دنيا» ووهمها بأنها «منى»، ما عادت أكلت التفّاح، وبالحديث عن التفاح، بوصفه رمزا للثورة أستعيد كلام الروزانا «يا رايحين ع حلب حبّي معاكم راح، يا محمّلين العنب، تحت العنب تفاح»، فهل يكون العنب هو النظام الذي سقط فظهر التفّاح، ولكن هل يكون تفّاحا يُؤكَل، ومصير البلاد ما زال مجهولا، والرواية تقول «لم نأكل التفّاح».
أعود إلى الفصل الأخير من الرواية، وأقول إنني تمنّيت لو لم يُكتَب بهذه الطريقة، فكأنه أُقحِم، لأنّ النظام سقط والروائية تعمل على نصّها، ولم يكن مخطّطا أن تنتهي مع «هروب الطاغية» كما تصفه، وأقول إنه حتى لو لم يكن مقحَما، فإنّ الرموز والأسماء المستخدمة لم تكن بعمق ما سبقها، فإن تلد «أمينة» التي تزوّجت من رجل ليس من دينها، وبعد معاناة منذ اندلاع الثورة مع الحمل وعمليات طفل الأنبوب، ذكرا وأنثى، ضعيفان لم يقرر الأطباء، ولم تقرر الرواية إن كانا سيبقيان على قيد الحياة أم لا، وتمثيلهما للحال الجديدة غير المستقرة، هو أمر قد يختلف عليه المتلقين بين عمقه وجدواه وعدمهما، أمّا أن تسميهما والدتهما «سلام وأمل» فقد وجدت بالأمر تبسيطا وتسطيحا، كان يمكن الاستغناء عنهما بسهولة، فالرواية محبوكة ومدروسة ومشوّقة وثقيلة بقضاياها وبالإمتاع الذي قصدته، ولكنها انتهت بشكل قد يكون مخالفا لذائقتي الشخصية، فكنت أفضّل أن يبقى الوهم مسيطرا ولا تستعيد دنيا ذاكرتها.
تنتهي الرواية بجملة قالها ربيع لأمه قبيل اختفائه في بداية الثورة «حين أعود يا ماما»، وربيع ممثّلا الربيع الذي حلمت به البلاد وأهلها، وهو ابن حال الحبّ الحقيقية، على الرغم من أنها «غير شرعية»، وهنا سؤال حول مفهوم الشرعية، الذي عاد لينتعش مع سقوط النظام وموت الأب الطاغية، غير الحقيقي، يكون ربيعا واقعيّا، ويمثّل قناعة الكاتبة غير المطمئنة على حال البلاد ومستقبلها وحكّامها الجدد، فهو لم يظهر، ولم نعرف إن كان حيّا بالفعل، وهذا أمر يُحسَب للرواية، ويُظهر موقفا لصاحبتها، عقلانيّا وواقعيّا ومدروسا.
«لم نأكل التفّاح» رواية بأسلوب ريما بالي، وهو أسلوب لا يعرف المتلقي كيف يتفلّت منه ليترك النصّ من بين يديه، لغتها جذلة وسهلة وممتعة وعميقة، حكَمَتها الغرائبية، ولكنها بالفعل «حالات نفسية» وأمراض تصيب المجتماعات المأزومة قبل الأفراد، والوهم الذي رافق دنيا/منى حتى النهاية، ما هو إلا الوهم الذي ما زال متحكّما بنا، بأننا سنعيش حياة أفضل، في بلاد ستصبح أفضل، ولكن من يدري؟!

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...