الإمام محمد شاهين بين القانون والحق: دراسة حالة حول حرية التعبير والتهديد بالطرد في إيطاليا

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

عبد الله مشنون
كاتب صحفي ومحلل سياسي مقيم في إيطاليا
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة والاسلام.

تعد قضية الإمام محمد شاهين، إمام مسجد عمر ابن الخطاب في مدينة طورينو الإيطالية، واحدة من أبرز الأمثلة المعاصرة على التحديات التي يواجهها الدعاة والأئمة في أوروبا، حين تتقاطع حرية التعبير، النشاط الاجتماعي والديني، مع سياسات الأمن الداخلي والهجرة. يقيم محمد شاهين في إيطاليا منذ عام 2004، وهو شخصية معروفة بالانخراط الاجتماعي والديني والجمعوي، وقد شغل سابقًا منصب مدرس للغة العربية. يتميز بمسار نظيف من أي سوابق جنائية، وله سجل طويل في تعزيز الحوار بين الأديان ودعم الأنشطة المجتمعية في طورينو.

في 24 نوفمبر من الشهر الماضي، تم توقيف الإمام شاهين أثناء مرافقته أطفاله إلى المدرسة، وتم تبليغه بقرار طرد صادر عن وزارة الداخلية الإيطالية، مع إلغاء تصريح إقامته طويل الأمد. قرار الطرد اتخذ لأسباب وصفها القرار بأنها تتعلق بالنظام العام وأمن الدولة، دون تقديم أي تفاصيل أو أدلة واضحة على المخاطر المزعومة.

الاتهامات الموجهة لشاهين تضمنت تهمًا جدية، مثل الانخراط في مسار “تطرف ديني” و”أيديولوجية أصولية معادية للسامية”، بالإضافة إلى صلات مزعومة بـ “الإسلام الراديكالي”. إلا أن هذه المزاعم لم تصاحبها أدلة ملموسة، وتم التأكيد لاحقًا أن الاجتماعات التي عقدها شاهين مع أفراد اتهموا بالتطرف كانت قبل أن يعتنقوا أي أفكار متطرفة، وبصفته إمام مسجد بالمنطقة.

واحدة من أبرز النقاط في هذه القضية تتعلق بتصريح شاهين خلال مظاهرة سلمية مؤيدة للفلسطينيين، حيث وصف أحداث معينة بأنها “مقاومة” وليست أعمالًا إرهابية. اعتبرت السلطات هذا التصريح عنيفًا ومعاديًا للسامية، وقد أدى إلى استجواب برلماني من قبل النائبة أوغوستا مونتارولي. ومع ذلك، قامت النيابة العامة في طورينو سابقًا بحفظ القضية، معتبرة أن التصريح مجرد “تعبير عن رأي” ولا يشكل أي جريمة.

هذا التناقض بين تقدير السلطة التنفيذية (وزارة الداخلية) والسلطة القضائية يسلط الضوء على مسألة دقيقة: إلى أي مدى يمكن للسياسات الأمنية أن تتجاوز الضمانات القانونية الأساسية وحرية التعبير، خاصة في حالات تتعلق بالمعارضة السياسية أو التضامن الدولي؟ يرى المحامي جيانلوكا فيتالي أن هذا القرار يمثل “اعتداءً على حرية التعبير، وهو حجر الزاوية في أي ديمقراطية حقيقية”.

لقد أثار قرار الطرد تحركًا واسعًا في طورينو، شمل الجالية الإسلامية والعربية وباقي الجنسيات، منظمات المجتمع المدني، جمعيات حقوقية، وممثلين دينيين من مذاهب مختلفة، جميعهم عبّروا عن تضامنهم مع محمد شاهين ودعمه. واعتبرت شخصيات مثل عبد الله أحمد مستشاربالبلدية، رئيس لجنة مكافحة التعصب والعنصرية بالمجلس البلدي، أن القضية سياسية أكثر منها قانونية، وأن الإمام شاهين يُعتبر مواطنًا ملتزمًا وناشطًا اجتماعيًا، وليس تهديدًا للأمن.

العديد من الجمعيات الحقوقية الإيطالية، مثل “A buon diritto”، أكدت أن تصريحات شاهين، رغم ما قد تعتبره السلطات غير مناسبة، لا يمكن أن تشكل أساسًا للطرد، خاصة بعد تصحيح السياق من قبل الإمام نفسه. كذلك دعا ناشطون مصريون في المنفى إلى حماية شاهين من الترحيل إلى مصر، حيث تعرّض أفراد من عائلته للاضطهاد السياسي، وأكدوا أن العودة تمثل تهديدًا لحياته.

يمكن تحليل هذه القضية في ثلاثة مستويات رئيسية:

  1. الجانب القانوني: يظهر التباين بين تقدير السلطة التنفيذية والسلطة القضائية، حيث تم تجاهل تحفظات النيابة العامة الإيطالية التي اعتبرت تصريحات الإمام ضمن حرية التعبير. هذا يشير إلى وجود فجوة بين الإجراءات الإدارية والسيادة القانونية في حماية الحقوق الفردية.

  2. الجانب الاجتماعي: يمثل الإمام شاهين مثالًا للأئمة الذين يربطون بين نشاط ديني واجتماعي، ويركزون على الحوار والتعايش بين مختلف الأديان. رفض المجتمع المحلي وفئات واسعة من المدنيين لمحاولات الطرد يعكس قدرة المجتمع المدني على دعم الشخصيات المؤثرة والمشروعة اجتماعياً.

  3. البعد الدولي والإنساني: تهديد ترحيل الإمام إلى مصر يثير أسئلة حول حماية اللاجئين والمهاجرين السياسيين، خاصة عند وجود سوابق اضطهاد سياسي في بلدهم الأصلي. وفقًا للقوانين الدولية، لا يمكن اعتبار مصر “دولة آمنة” بشكل مطلق لشخصيات معارضة للنظام الحاكم.

تُظهر قضية الإمام محمد شاهين أهمية التوازن بين حماية الأمن الوطني وحقوق الأفراد الأساسية، خاصة حرية التعبير والمعتقد. كما تؤكد على دور المجتمع المدني والجاليات الدينية في الدفاع عن الأفراد المهددين، وعلى ضرورة احترام الإجراءات القانونية وعدم السماح للسلطة التنفيذية بتجاوز الضمانات القانونية.

الإمام محمد شاهين يظل شخصية محترمة وملتزمة بالسلام الاجتماعي والديني، ومسيرته الطويلة في الحوار المجتمعي تجعله مثالًا يحتذى به في الدفاع عن القيم الإنسانية الأساسية. هذه القضية تبرز الحاجة إلى حماية الأئمةوالدعاة والقادة الدينيين والمجتمعيين من الإجراءات التعسفية، والحفاظ على التوازن بين الأمن وحرية التعبير في المجتمعات الديمقراطية.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...