بقلم الكاتب محمد الوسطاني
شهدت العقود الأخيرة هجمة شرسة ومنهجية على القلاع المجتمعية التقليدية. بعد تحولت المدرسة من منارة للمعرفة وبناء الإنسان إلى مجرد آلة لـ “تخريج أفواج من اليد العاملة” تخدم مصالح الشركات العملاقة العابرة للقارات، أو ما يمكن وصفه بـ “العبودية الجديدة للرأسمال المتوحش”. ولم تنجُ الصحافة من هذا التحول، حيث اختزلت سلطتها الرابعة إلى سلطة تخدم الأجندات المدفوعة مسبقًا، وتحولت بذلك إلى وسيلة للاغتناء غير المشروع وتصفية الحسابات أو تلميع صورة من يدفع أكثر.
وبعد إسقاط هذه الحصون، وُجهت آلات التدمير الناعم نحو آخر القلاع الحصينة المحافظة على الهوية الإنسانية والاجتماعية: مؤسسة الزواج والأسرة النواة. إن ما يدبر في خفاء في داخل المكاتب المغلقة للبرلمان بالرباط يدفعنا للتساؤل: هل يمكن أن نترك هذه المؤسسة السامية تسقط فريسة لـ “اقتصادنة العلاقات”؟
جدلية التثمين: بين العاطفة والبند المالي:
إن الزواج في جوهره يمثل علاقة إنسانية سامية وميثاقاً غليظاً، يقوم على المودة والرحمة والسكن، لا على عقد عمل أو مقايضة مالية. ومع ذلك، هناك محاولات متزايدة لـ تثمين الأدوار المنزلية للمرأة، وهي محاولات تنذر بتحويل العلاقة الزوجية من ميثاق إلى مجرد صفقة.
مبررات المطالبة بالتثمين (المنظور الاقتصادي النسوي):
يطرح الفكر الاقتصادي النسوي ومناصرو العدالة الاجتماعية ضرورة تثمين العمل المنزلي غير المأجور للزوجة، وذلك لاعتبارات منطقية يجب أخذها في الحسبان:
* الاعتراف الاقتصادي الكلي: إن عمل المرأة في المنزل (الرعاية، الطبخ، التنظيف، التربية) هو في الحقيقة عمل منتج يسهم بشكل مباشر في “إعادة إنتاج قوة العمل” التي ترفد الاقتصاد الوطني. غياب هذا العمل سيكلف الدولة والمجتمع نفقات هائلة لتعويضه. لذلك، يُطالب بضرورة احتساب قيمته المقدرة ضمن الناتج الداخلي الخام (GDP).
* حماية الهشاشة بعد الانفصال: إن المرأة التي تكرس سنوات عمرها لخدمة الأسرة تتخلى عن فرصها في بناء مسيرة مهنية مستقلة وضمان اجتماعي. وفي حال الطلاق أو الترمل، تجد نفسها في وضع اقتصادي هش. لذا، يهدف التثمين إلى الاعتراف بـ “المساهمة المالية غير المباشرة” وتوفير حماية اقتصادية عادلة لها عند تصفية الذمة المالية للأسرة.
* إبراز العبء غير المتكافئ: تسعى هذه المطالبة إلى تسليط الضوء على العبء غير المتكافئ لأعمال الرعاية الذي يقع بشكل رئيسي على المرأة، وهو ما يُعرف بـ “التحيز الجنسي” في توزيع الأدوار الاجتماعية، ودفع المجتمع نحو إعادة تقييم وتقسيم أكثر عدلاً لهذه المهام.
مغالطة الاختزال: تحويل السُمو إلى سلعة
رغم وجاهة المبررات الاقتصادية للعدالة والحماية، يكمن الخطر الأعظم في تجاوز هذا المنطق إلى تطبيق العقد المالي داخل الكيان الزوجي نفسه.
إن النقد الموجه هنا يرتكز على أن المرأة في المنزل ليست “عاملة خدمات” ولا “مستخدمة تؤدي مهاماً مقابل أجر”. إن ما تقدمه داخل البيت ليس “جهداً منزلياً” فحسب، بل هو عاطفة وبذل، وتربية، وصناعة لاستقرار نفسي لا يمكن أن يُشترى أو يُباع. إن محاولة تحديد ثمن لساعة عملها هو “إلغاء لقيمتها الحقيقية” عبر “تسعيرها”.
هذا المنحدر الزلق يقودنا إلى تساؤلات ساخرة بقدر ما تحمل من المرارة:
* هل سيرافق مفتش الشغل العدول لتحرير عقد الزواج، لتحديد ثمن الساعة وكيفية الأداء وعناصر الأجرة من تعويضات قارة ومتغيرة؟
* ماذا عن التعويضات العائلية، والتغطية الصحية، وتعويضات المنطقة؟ هل المتزوجة في الرباط ستتقاضى نفس أجر المتزوجة في طاطا أو أوسرد أو جبال شفشاون؟
* وفي حالة الخلاف، هل ستكون اختصاصات قاضي الأسرة كافية لحل النزاع القائم على الأجر، أم ستحال الدعاوى إلى المحاكم المالية لعدم الاختصاص، ليتحول الطلاق إلى مجرد تصفية لنزاع حول “تعويضات الفصل التعسفي”
وماذا عن مرض الزوجة أو سفرها لظرف طارئ خارج عطلها الرسمية هل سيتم الاقتطاع من أجرتها أم سيسمح للزوج باستقدام من ستحل محلها إلى حين عودتها؟
هذه الأسئلة لا تهدف إلى الفكاهة، بقدر ما تدق ناقوس الخطر من تدمير آخر القلاع المحافظة على هويتنا الإسلامية والإنسانية. إن تحويل الزواج إلى كيان اقتصادي بحت يقضي على جوهر المودة والرحمة والسكن، ويستبدلها بمنطق المقايضة والمساومة، مما يؤدي إلى زيادة الهشاشة العاطفية والتفكك الأسري.
إن المؤسسات التي تحافظ على الهوية والقيم لا يمكن أن تُبنى على منطق الربح والخسارة، بل على منطق البذل والتضحية المتبادلة. المطلوب هو إيجاد حلول تحقق العدالة والحماية الاقتصادية للمرأة دون المساس بقدسية الميثاق الزوجي وسُموّه الأخلاقي.
ونتمنى ألا يكون هذا التثمين ضمن سياسة عالمية جديدة يتم تمريرها عبر إعداد مدونات أسرية وطنية، تستغل نسب العنوسة وحالات الطلاق غير المسبوقة، لتشجع على الأجندات التي تتعارض مع قيمنا كالإجهاض وزواج المثليين، فتكون محاولات الإصلاح هذه جزءاً من عملية تدمير أكبر.
والله المستعان.





