تماسك الأطروحة المغربية تكشف هشاشة خطاب “رابطة علماء المغرب العربي ” حول خطبة الجمعة.

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

نبيل التويول 

 

 

 

في اللحظات التي تشتدّ فيها الحاجة إلى خطاب ديني رصين، و جامع بين أصالة المرجعية وواقعية التنزيل، تطفو إلى السّطح بينة الفينة و الأخرى، خطابات تغري ببريق الشعارات، وتستند إلى استدعاءات انتقائية للنصوص، قبل أن تنتهي إلى نتائج تناقض روح الفقه ومقاصده، وتربك وعي العامة، وتفتح ثغرات في جدار الأمن الروحي الذي راكمه المغاربة عبر قرون من التديّن الوسطي. ومن هذا المنطلق، فإن البيان الذي أصدره ما يسمى ” رابطة علماء المغرب العربي مهاجِما خطبة الجمعة المؤطّرة وطنيا، لا يمكن قراءته خارج هذا السياق، ولا مناقشته إلا بمنهج علميّ هادئ، و يعيد الأمور إلى نصابها، ويفصل بين المقامات، ويزن الأقوال بميزان الفقه المالكي الذي شكّل عبر التاريخ صمّام أمان لوحدة الأمة.

إن أول ما يلفت الانتباه في هذا الخطاب هو الخلط البيّن بين وظيفة الخطبة وطبيعة التشريع، وهو خلط حذّر منه حتّى الأصوليون حين شدّدوا على ضرورة التمييز بين مجالات الخطاب الشرعي. فالخطبة، كما قرّر الفقهاء، ليست موضع تقنينٍ ولا ساحةَ تنزيلٍ للأحكام السلطانية، بل هي مقامُ تذكيرٍ ووعظٍ وإرشادٍ عام، تتحقق صحّتها بأركانٍ محدّدة اتفق عليها جمهور العلماء، من حمدٍ وثناءٍ ووصيةٍ بالتقوى ووعظٍ يرقّق القلوب. وقد نصّ المالكية، كما في «المدوّنة» و«الشرح الكبير» على أن مقصود الخطبة هو الزجر عن المعاصي والحثّ على الطاعات، لا الفصل في منازعات الحكم ولا تقرير النظم القانونية. ومن ثمّ، فإن تحميل الخطبة رسالة الإقناع بمنظومة قانونية معيّنة هو إسقاط لا دليل عليه، لا نصا ولا عملا.

ومن هذا الخلط الأول تتفرّع مغالطة أعمق، قوامها تقسيم الواقع إلى ثنائية حادّة: شريعة كاملة أو جاهلية مطلقة، وهي مقاربة تخاصم فقه المقاصد الذي استقرّ عند المالكية وسائر المذاهب. فقد قرّر الإمام الشاطبي في «الموافقات» أن الشريعة إنما وضعت لتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، وأن تنزيل الأحكام مرتبط بالاستطاعة والمآل. وبيّن ابن القيم، وهو ممن يستشهد بهم كثيرا في هذا السياق، أن كل مسألة خرجت عن العدل والرحمة والمصلحة فليست من الشريعة وإن أُدخلت فيها بالتأويل. وعليه، فإن توصيف منظومات تنظيمية اجتهادية، وضعت لتسيير شؤون الناس، بأنها «جاهلية» لمجرّد أنها لم تصغ حرفيا في قوالب فقهية قديمة، هو تعسّف في الفهم، وتوسّع في إطلاق الأحكام، لا يسنده إجماع ولا اجتهاد معتبر.

ويزداد هذا التعسّف وضوحا حين يستدعى النصّ القرآني في غير محلّه، فتنقل آيات نزلت في سياقات عقدية تتعلّق بجحود الوحي أو تبديل الشرع عن علم وعناد، وتسقط على واقع معاصر يقوم على اجتهاد بشريّ في مجال التنظيم، وهو ما فرّق فيه العلماء تفريقا دقيقا. فقد ميّز أهل السنّة، كما قرّره القاضي عياض وابن عبد البر، بين من يحكم جاحدا مستحلا، وبين من يجتهد فيقع في الخطأ، وبين من يقصّر وهو مقرّ بالأصل، وجعلوا لكل مقام حكمه، سدا لباب الفتنة، ومنعا لتوسيع دائرة التكفير السياسي الذي عانت منه الأمة في مراحل تاريخية مؤلمة.

ومن هنا تتبدّى أهمية استحضار باب السياسة الشرعية، الذي يعدّ من أعمدة الفقه المالكي، حيث أجاز العلماء لوليّ الأمر تقييد المباح إذا اقتضت المصلحة العامة ذلك، وهو ما عبّر عنه الفقهاء بقاعدة «تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة». وقد بسط القرافي في «الفروق» القول في هذا الباب، مبيّنا أن للإمام أن يمنع من بعض المباحات إذا صارت ذريعة إلى مفسدة راجحة. وتوحيد موضوع خطبة الجمعة في المغرب يندرج، في هذا الإطار، ضمن تدبير وقائيّ مشروع، غايته حماية المنبر من التوظيف الإيديولوجي، وسدّ ذرائع الغلو والتشويش، وهو أصل مالكيّ ثابت، لا يمكن القفز عليه باسم الغيرة على الشريعة.

ويخطئ من يتصوّر أن هذا التأطير يمسّ بجوهر التدين المغربي أو يُفرغه من مضمونه، لأن المرجعية الدينية للمملكة ليست شعارا ظرفيا، بل بناء تاريخيّ متكامل، قوامه الفقه المالكي في تنزيل الأحكام، والعقيدة الأشعرية في ضبط الاعتقاد، والتصوف السني في تهذيب السلوك، تحت إمارة المؤمنين التي وحّدت المغاربة على مدى قرون. وقد أثبت هذا النموذج، كما يشهد بذلك علماء المغرب قديما وحديثا، قدرته على استيعاب التحولات دون تفريط في الأصول، وعلى الجمع بين النصّ والمصلحة، وبين الثابت والمتغيّر، وهو ما جعل المغرب في منأى عن كثير من الانقسامات المذهبية والعقدية التي عصفت بغيره.

إن الإشكال الحقيقي في الخطاب المنتقَد لا يكمن في اختلاف فقهيّ مشروع، بل في محاولة تحويل المنبر إلى موطئ قدم لخطاب راديكالي يستعيد سرديات الصدام، ويبحث عن شرعية شعبية بعد أن نجحت البلاد، بفضل الله، ثم بفضل أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس، حفظه الله، في تجفيف منابع الإرهاب، وتحصين الحقل الديني عبر التأطير والتكوين والمراقبة الرشيدة. وقد أجمع العلماء، ومنهم الإمام النووي في «شرح مسلم»، على أن درء الفتن مقدّم على جلب المصالح المتوهّمة، وأن خطاب العامة يجب أن يراعى فيه حال السامعين ومآلات الكلام.

ومن ثمّ، فإن التحذير من تفشّي مثل هذه الخطابات ليس تضييقا على الاجتهاد، ولا مصادرة للرأي، بل هو واجب علميّ وأخلاقيّ لحماية الأمن الروحي، الذي يشكّل أحد أعمدة الاستقرار المجتمعي في المغرب. فالأمن الروحي، كما فهمه العلماء، هو اطمئنان الناس على دينهم، وثقتهم في مرجعيتهم، وبعدهم عن خطاب التكفير والتخوين، وهي مقاصد كبرى لا تتحقق إلا بخطاب دينيّ منضبط، متزن، يقدّم المصلحة العامة على النزعات الفردية.

وهكذا، فإن توحيد موضوع خطبة الجمعة في المغرب قرار شرعيّ وتنظيميّ راشد، يستند إلى أصول فقهية معتبرة، ويخدم مصلحة المؤمنين مائة في المائة، لأنه يحمي وحدتهم، ويصون ثوابتهم، ويمنع المنابر من الانزلاق إلى مسارات خطيرة. وهذه هي عظمة المملكة المغربية التي لم تجعل من الدين أداة للصّراع، بل جسرا للطمأنينة، ولم تتعامل مع الشريعة بمنطق الشّعارات، بل بمنطق المقاصد، فاستحقت، بذلك، أن تكون نموذجا في الجمع بين الشرعية والاستقرار، وبين الإيمان الراسخ والحكمة في التدبير، مصداقا لقول رسول الله ” لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق، حتّى تقوم السّاعة.

إيطاليا تلغراف

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...