وثبات في الهواء: عندما يحلق راقص الباليه

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

مروة صلاح متولي
كاتبة مصرية

 

في فن الباليه لا يكون الراقص، أو الراقصة على الأرض طوال الوقت، إذ تتعدد لحظات الوثب والقفز التي تبتعد فيها الأقدام عن خشبة المسرح، وتحلق الأجساد كأنها تود أن تطير في الهواء. لا شك في أن تلك اللحظات تكون من أجمل لحظات عروض الباليه، وأكثرها خيالاً، ولا تعد الوثبة في فن الباليه مجرد حركة مدهشة جذابة، بقدر ما هي عنصر أساسي في بناء اللغة التعبيرية، وإظهار مهارات الراقصين وقوتهم الجسدية، ومدى سيطرتهم على الجسد ودقة الاتزان لديهم. في تلك اللحظات القصيرة يتحول الهواء إلى مسرح مؤقت، ويتحول الفراغ إلى لوحة يتشكل فيها الجسد ليصنع تعبيراً بصرياً إلى جانب التعبير الحركي.
تتعدد أنواع الرقصات التي يؤديها الراقص، ويوظفها مصمم الباليه داخل العرض في ذروة جمالية معينة، أو للتعبير عن شعور ما داخل سياق القصة، ربما تكون لحظات التحرر والانطلاق، أو لحظات الانتصار وامتلاك القوة، وربما تكون لحظات السعادة ونشوة الحب الغامرة. التحليق قدرة يمتاز بها راقص الباليه، حيث يستطيع البقاء في الهواء لبضع لحظات وإمساك جسده عن الهبوط، والتحليق يشمل جميع حركات الوثب بدرجات متفاوتة، وهي حركات تختلف عن حركات الرقص الأخرى، التي تستوجب ملامسة القدمين للأرض، ويختلف مدى الارتفاع الذي تبلغه الوثبة من راقص إلى آخر وفقاً لقدراته، وفي إطار الزمن الذي تتيحه الموسيقى. وكما يجب أن تتمتع الوثبة بالخفة والرشاقة، كذلك يجب أن يكون الهبوط خفيفاً رشيقاً، ولا يكون ارتطاماً ثقيلاً. ويذكر تاريخ فن الباليه الراقص الروسي نيجينسكي بقدرته الهائلة على البقاء في أعلى نقطة يبلغها أثناء تحليقه، قبل أن يأخذ في الهبوط.

الباليرينا الطائرة
تعد حركة «الجراند جيتيه» من أشهر الوثبات في فن الباليه، وهي ذات وظيفة جمالية كبيرة عندما تؤديها الراقصة، حيث ترتبط بلحظات درامية شاعرية، تؤكد خفة الجسد الأنثوي والقوة الداخلية للشخصية النسائية، ولا يكاد يخلو أي عرض من عروض الباليه الكلاسيكي من «الجراند جيتيه». ترتسم تلك الحركة بامتداد الساقين في الهواء في خط أفقي، مع استقامة الظهر والتنوع في وضع الرأس الذي قد يكون ثابتاً مرفوعاً أو مائلاً للوراء بشدة.
يعتبر «الجراند جيتيه» من أكثر لحظات الباليه الكلاسيكي شاعرية وتأثيراً، فهو ليس وثبة تقنية فحسب، بل لحظة تحليق تتكثف فيها المعاني الدرامية والجمالية في الوقت ذاته، نرى هذه الحركة بأداء الباليرينا في عروض أيقونية كبرى مثل «كسارة البندق» و»بحيرة البجع» و»جيزيل». وقد تم توظيفها في رسم لغة تعبيرية لتقول ما تعجز الخطوات الأرضية عن قوله، وتتغير دلالة الحركة نفسها من عمل إلى آخر، حسب السياق الدرامي للعرض. فنراها في باليه «كسارة البندق» في مشاهد يغلب عليها الطابع الخيالي الاحتفالي، في عالم يفيض بالبهجة والخيال الطفولي والحلوى والرقصات العالمية، هنا تؤدي الباليرينا وثبتها بساقيها الممدودتين في الهواء، بخفة تعكس صفاء الحلم وبراءة الطفولة، في فضاء السحر والدهشة. وفي باليه «بحيرة البجع» تكتسب الحركة بعداً أكثر عمقاً وتعقيداً، خصوصاً عندما تؤديها البجعة البيضاء، فلا تكون الوثبة مجرد استعراض لقدرات الراقصة، وإنما تحمل شحنة تعبيرية كبيرة، فالقفزة الطويلة الممتدة تبدو وكأنها تحاول الإفلات من اللعنة التي تطاردها، وتخلق صورة بصرية ترمز إلى الرغبة في الحرية ومقاومة قسوة المصير. وفي باليه «جيزيل» عندما نكون أمام روح الباليرينا بعد موتها، تأخذ الحركة شكلاً ووظيفة تعبيرية مختلفة تماماً، حيث تؤدى القفزة بنعومة طيف الفتاة التي قتلها الحب، وتركز الباليرينا على انسياب الجسد وشفافيته أكثر من الارتفاع المبهر، فالوثبة هنا وثبة الروح التي تعبر عن الحب المتسامح الذي يتجاوز الخيانة والموت.

لا تقتصر حركة «الجراند جيتيه» على الراقصات، حيث نراها في رقصات الرجال بأداء ذكوري، يعتمد على القوة وإظهار القوة العضلية للساقين، والقدرة على دفع الجسم عالياً، والحفاظ على التوازن أثناء التحليق. نجد الحركة في باليه «سبارتاكوس» على سبيل المثال وقد اكتسبت الطابع البطولي الملحمي، للتعبير عن إرادة الثائر المقاوم الباحث عن الحرية. بينما نراها في باليه «دون كيشوت» معبرة عن المرح والحيوية واندفاع الشباب.
وهناك من وثبات الهواء ما يعرف باسم الوثبة البالونية، وهي من الوثبات النابضة بالحيوية التي تتميز بالخفة الفائقة وتتطلب مرونة القدمين، حيث تؤديها الراقصة على ساق واحدة أو على طرف قدم واحدة، مع التحرك في اتجاه الساق المتحركة التي تمتد وتعود للانثناء لتلمس رسغ الساق الأخرى. وتعرف «وثبة القطة» التي تؤديها الراقصات بأنها قفزة ترتفع فيها إحدى القدمين إلى مستوى ركبة الساق المقابلة، وفي نهاية القفزة تتقاطع القدمان عند الرسغين في الهواء. وكذلك ما يعرف باسم الوثبة الرجراجة، وفيها يرفع الراقص القدم اليسرى خلف ركبة الساق اليمنى الثابتة، ثم يثب إلى الأعلى مع ثني الركبة ثنية خفيفة عاقداً إحدى القدمين أمام الأخرى عند رسغها، ثم يعود إلى الأرض فوق القدم اليسرى ليكرر الحركة مع مد الساق الأخرى. وهناك أيضاً ما يعرف باسم وثبة الساقين المرتطمتين، وهي حركة تتعاقب فيها الساقان إحداهما أمام الأخرى بسرعة خاطفة عندما يكون الراقص محلقاً في الهواء، وتبدأ الحركة بانفراج الساقين وتنتهي إلى الوضع المنغلق، وهناك الوثبة التي تتخذ فيها الساقان وضع المقص.


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...