من ادب الرحلات على ضفاف الخابور تبدأ الحكاية: رحلة إلى زاخو زاخو… وردة كوردستان النابضة بالشعر والتاريخ والحياة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

بدل رفو

النمسا

 

 

 زاخو الجميلةَ

يا وَردةَ الزمانِ

قلعةً للنضالِ

يا فخرَ كوردستان

كل الطرق المؤدية إلى زاخو تأخذك في رحلة عبر الزمن، نحو مدينة لا تعيش في الماضي ولا تذوب في الحاضر، بل تجمع بينهما في قلب واحد، حيث تتراقص الأشجار فوق النهر، وتتناغم أصوات الطيور مع همسات الشوارع، حيث يلتقي الجمال بالحكمة، والحداثة بالأصالة، والقصيدة بالحقيقة

وكلما اقترب المسافر منها، تهتف ذاكرته بصوت الشاعر
زاخو الجميلة… يا وردة الزمان
فهي مدينة تشبه وردة لا تتوقف عن التفتح مهما مرّ عليها الزمن، وتحتفظ بعطر الحياة الذي يملأ الأرواح ويحيي الذاكرة.

مدينة زاخو.. مدينة كوردية تقع في إقليم كوردستان العراق، ويبلغ عدد سكانها نحو 500 الف نسمة ،ترتفع عن سطح البحر بحوالي 440 متراً ، وتتميّز زاخو بوفرة معالمها الأثرية وموقعها الحيوي. تجاور الحدود التركية التي  تبعد عنها اقل من 10 كيلومترات، كما تبعد عن دهوك 53  كيلومترًا، وعن الموصل 114 كيلومترات ،

مدينة تتعانق فيها الأديان

تعايش الاديانِ                  

يُعطرُ المكان

زاخو ليست مدينة للناس فحسب إنها مدينة للروح أيضًا.
هنا تتعانق المآذن مع الكنائس كما تتعانق الأنهار، وأصوات الأدعية تتداخل في أفق المدينة كألوان من الضوء، تعكس التسامح والسلام.

تجول في أزقتها القديمة، وستسمع صدى القرون الماضية في كل حجر، بينما تشعر بأن المدينة تحتضن الجميع مهما اختلفت انتماءاتهم.
زاخو ليست مجرد مكان للعيش إنها فضاء للطمأنينة والسكينة، حيث تتنفس الروح في كل نافذة، ويتحدث الماضي إلى الحاضر همسًا.

كورنيش الخابور… رحلة في قلب الليل والنهر وليل لا يهدأ ونغم لا يتعب

على ضفاف نهر الخابور، يبدو الكورنيش الجديد وكأنه شريطٌ من فضّةٍ يربط الليل بالفرح. ما إن تطأ قدماك الأرصفة المضيئة حتى ينساب في الهواء هدوءٌ ساحر، تتخلله أصوات خافتة وضحكات الأطفال، وهمسات الأحبّة، كأن المدينة تغنّي لزائرها قبل أن يعرف نفسه فيها.

يمتدّ النهر بانسيابية رائعة، وعلى ضفافه تصطف الأشجار، تهمس أوراقها في نسيم الليل، في مشهد يعبق بالدهشة والجمال. وعند جسر  دلال تتلاشى المسافات بين الضوء والماء، ليصبح كل انعكاس وكل لمعة دعوة لاكتشاف المدينة بطريقة مختلفة.

مع منتصف الليل، يبدأ السحر الحقيقي. يعلو صوت الموسيقى المحلية، وتمر أوتار العود كأنها همسات النهر نفسه، فتتراقص القلوب قبل أن تتحرك النسائم. يصبح الكورنيش مسرحًا مفتوحًا للروح، حيث يختلط الماضي بالحاضر، ويصبح الليل رحلة في الجمال والمدينة تجربة لا تُنسى.

كورنيش الخابور ليس مجرد مكان للنزهة، بل وجهة لكل من يبحث عن لحظة صفاء بين ضوء النجوم وانعكاس النهر، وللحالمين بأمسية تنبض بالحياة والهدوء في آنٍ واحد.

مدينة الطرب… أياز زاخويي وأردوان زاخويي

أبدعكِ الرحمنُ

بالماءِ والجنانِ

يا صدَى أغانِي

 أياز وأردوان

زاخو ليست مدينة تغني فقط، بل مدينة تنبض بالفن.
إنها موطن المطربين الراحلين أياز زاخويي وأردوان زاخويي، اللذين غادرا في أوج عطائهما، لكن صوتهما بقي يرفرف في وجدان كوردستان، كنسيمٍ يداعب الروح في ليالي الصيف الطويلة.

في كل زاوية من كورنيشها وأسواقها ومقاهيها، تسمع أصداء أغانيهما تنبعث من مكبرات بسيطة، لكنها تصل إلى القلب كأنهما ما زالا يغنيان.
زاخو تحتفي بفنانيها، وتحتفظ بذاكرة الطرب متوهجة، لتظل أنغامها متجددة في كل لحظة.

السوق القديم… ذاكرة العطر والتاريخ

في قلب المدينة، يمتد السوق القديم مثل شريط من الزمن
تم تجديده بلمسات ساحرة مع الحفاظ على حجاراته وأزقته العريقة، كأن كل حجر يهمس بحكاية عاشق أو تاجر قديم
تمشي بين دكاكينه، فتشم رائحة البهارات والعود، وتسمع صدى الباعة القدامى في أصوات جديدة، وكأن الماضي والحاضر يرقصان في رقصة متجددة.

هنا تتجلى زاخو بأبهى صورها… مدينة تحافظ على هويتها، وتُحدث نفسها في الوقت ذاته، كقصيدة تُكتب من قلب الحياة.

کباب فهمي ..نكهة زاخو التي لاتنسى

في زاخو، تتنفس المطاعم الشعبية عبق المكان، وتواجه بثبات أصالةُ مذاقها موجةَ الحداثة التي تجتاح المدينة. وفي قلب هذه الأصالة يلمع اسم مطعم كباب فهمي، كجوهرة متوارثة يعرفها القاصي والداني. فليس من عاد إلى زاخو ولم يمرّ بهذا المطعم إلا وقيل له: لم تذق روح المدينة بعد.

ذاع صيت المطعم منذ عقود، وازدادت مكانته رسوخًا مع الزمن. وكلما حللتُ ضيفًا على زاخو، قادتني قدماي قبل رفاقي إلى ذلك الركن العتيق من شوارع المدينة القديمة، حيث تختلط أصوات السكان بإيقاع الحياة اليومية، وتفوح رائحة الفحم واللحم المتبل كأنها تحكي تاريخًا طويلًا من الذاكرة والذوق.

في زاخو، لا يكون المطبخ مجرد طعام، بل هو مرآةٌ لثقافة المدينة، وامتدادٌ لحضارة شعبها، ودفءُ هويةٍ لا تخطئها الروح.

شوارع جديدة… ورؤية نحو المستقبل

شوارع زاخو الحديثة تمنح الزائر إحساسًا بالفخامة والراحة
إنارة ناعمة كهمسات القمر، نظم مرورية دقيقة، توسعات تُسهّل الحركة، وهواء نظيف يلامس وجوه المارة كنسيم أول الربيع.
هنا يلتقي هندسة اليوم بروح الأمس، لتتشكّل لوحة حضرية متكاملة، تجعل زاخو أجمل مدن كوردستان بلا منازع.

أهل زاخو… طيبة وكرم لا يضاهى

شعبُكِ أصيلٌ

هو الحبٌ والحنانُ

كريمٌ حليمٌ.

بوابةَ الأمانِ

إن زاخو ليست مدينة فقط، بل أهلها يشكلون روحها.
الزائر هنا يلتقي بالابتسامة قبل أن يلتقي بالباب، والكرم قبل أن يطلب شيئًا.
عائلات تستضيف الغريب كما تستضيف الشمس، وأطفال يشاركونك الفرح بلا تحفظ، وكبار السن ينثرون الحكايات والذكريات كأنها عطايا من الزمن.

في زاخو، يتحول الكرم إلى عادة، والطيبة إلى قانون غير مكتوب… وبهذه النفوس، تتجسد المدينة حقًا مدينة للقلوب قبل الحجر، حيث يصبح كل لقاء قصيدة حب للحياة.

مدينة الشعراء… حيث تتحول الكلمات إلى حياة

ليست زاخو مدينة الفن فقط، بل مدينة الشعراء أيضًا.
من هذه الأرض خرجت أصوات نسجت بالكلمات جسورًا بين الحب والنضال، بين الجمال والانتماء.
القصيدة هنا ليست ترفًا، بل جزء من الهواء، من اللهجة، ومن ذاكرة المدينة، كأنها نهر ينساب في شوارعها ويغسل قلوب المارة.

فلا غرابة حين قلت بفخر
يا قبلة الشعراء… يا رمز كوردستان

جسر دلال… يبتسم منذ قرون وهمس التاريخ بين أحجار النهر

وعلى جسر دلال تكتمل الحكاية.
تقف أمامه فتشعر بأنك أمام قطعة من التاريخ لا تنحني كأن كل حجر فيه يروي قصة عاشق، أو عابر، أو محارب.

يقف جسر زاخو شامخًا، كحارس صامت لقرون من الحكايات والذكريات، كل قوس من أقواسه الحجرية يروي قصة عابرة للزمن. مع كل خطوة، تشعر وكأن الماضي يهمس لك، والحاضر يتنفس مع كل نسمة عابرة فوق النهر

عند الغروب، تتحول مياه النهر إلى مرآة تنعكس فيها ألوان السماء، فتبدو الأقواس كلوحات فنية متحركة تتراقص بين الضوء والظل. الجسر هنا ليس مجرد طريق عبور، بل رحلة حسية تأخذك في قلب المدينة، بين عبق التاريخ وروعة الطبيعة الساحرة

زيارة جسر زاخو تجربة شعرية بامتياز، حيث يتلاقى الماضي والحاضر في لحظات تترك في النفس أثرًا لا يُنسى

أيا جسر دلال… يا تاج الزمان.

زاخو… قصيدة تتجدد كل يوم

حين غادرت المدينة، أدركت أن زاخو ليست مكانًا يُزار مرة واحدة
إنها قصيدة تُكتب باستمرار
بالنهر الذي لا يتوقف،
بالكورنيش الذي لا ينام،
بالسوق الذي لا يشيخ،
بشوارعها التي تجمع بين النظام والجمال،
وبأهلها الذين يجعلون كل زيارة شعورًا بالانتماء

وبأصدقائي الطيبين الذين يدعوني دائماً لتناول اكثر من وجبة من كباب فهمي الشهير .

زاخو
وردة لا تخشى الزمن،
مدينة تُغني، تُصلّي، وتكتب الشعر،
وتفتح أبوابها لكل قلب يبحث عن السلام،
تظل لكل زائر قصيدة تُروى في صمت الليل ونسيم الصباح

وأما انا ساردد دائما قصيدتي زاخو :

زاخو ..

أغنيةَ الحريةِ للوطنِ والإنسان
انتِ زهوُ الدنيا ودفءُ كوردستانَ
زاخو… زاخو، للأعداءِ بركانٌ
زاخو الجميلةَ… يا وردةَ الزمانِ

ملاحظة: سبق أن كتبتُ قصيدة بعنوان ‘زاخو وردة الزمان’، حيث تتخلل أبياتها روح الموضوع الذي أتحدث عنه هنا حول زاخو.

ونشرت القصيدة في الصحف العربية ومواقع الشبكة العنكبونية بالاضافة قام بتلحينها الفنان الكوردي المغترب في هولندا محفوظ أكره يي  ولم تر النور على شكل فيديو كليب بعد لتغدو نشيدا لمدينة زاخو والتي تستحق الاكثر والاكثر !!


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...