غزة 2025: كيف تحولت الإبادة إلى وصاية دولية؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

ظاهر صالح
كاتب وناشط إعلامي فلسطيني، عضو الاتحاد العام للاعلاميين العرب

 

مع نهاية عام 2025، يطوي هذا العام صفحاته التي شهدت أحداثا غير مسبوقة في التاريخ الحديث. فغزة، التي دخلت هذا العام كمنطقة منكوبة، تخرج منه لتصبح رمزا عالميا يجسد الألم والصمود معا.

لم تكن أشهر هذا العام مجرد مرور للأيام، بل كانت محطة اختبار قاسية للروح الفلسطينية؛ إذ واجه أهالي غزة تحالفا وحشيا يجمع بين آلة القتل العسكرية، وسلاح التجويع الممنهج، ومخططات الوصاية التي تنسج في كواليس المحافل الدولية.

لقد تجاوز الاحتلال حدود القتل والمجازر وتدمير المباني، ليحاول هدم المعنى الأصيل للإنسانية. وفي نهاية 2025، يقف الفلسطيني شاهدا على عجز العالم، وحارسا لآماله التي تحطمت لكنها ترفض الاندثار.

بين ركام السيادة وفخ الوصاية
سياسيا، كان عام 2025 عام الالتفاف الكبير. فبعد أن استنفد الاحتلال كل أدوات الموت في شهر أغسطس/آب، محولا غزة إلى مسرح للمجاعة الرسمية، جاءت الخطة الأميركية ببنودها العشرين، وقرارها الأممي 2803، لتضع القطاع تحت مجهر الوصاية.

إن هذه الوصاية، ورغم تسويقها كحاجة إنسانية لإعادة الإعمار، تحمل في طياتها خطرا وجوديا؛ فهي تحاول تحويل القضية الفلسطينية من حق تقرير مصير إلى ملف إغاثي تديره قوى دولية.

وفي ظل استمرار خروقات الاحتلال وتدمير 90% من البنية التحتية، يبدو أن العالم قرر إدارة الكارثة بدلا من إنهائها، تاركا غزة تواجه شبح التهجير القسري الذي لم يعد مجرد تهديد، بل بات خطة بديلة تطرح في أروقة السياسة الدولية.

عاطفيا ووجدانيا، زلزل ختام عام 2025 الوعي الجمعي برحيل جنرالات الظل. لم يكن الإعلان عن استشهاد “أبو عبيدة” حذيفة الكحلوت، مجرد خبر عسكري، بل كان لحظة كشف إنسانية ممعنة في الألم.

لقد سقط اللثام أخيرا، لا بفعل استخبارات العدو، بل برغبة الشهادة التي اختارت أن ترينا الوجه الذي طالما سمعنا صوته في ذروة اليأس. كلمات شقيقه إبراهيم، التي قال فيها: “ما شبعنا منك”، تختصر مأساة جيل كامل من المقاومين الذين وهبوا حياتهم للعامة، وحرموا منها عائلاتهم.

إن استشهاد “أبو عبيدة”، ومعه محمد السنوار، مهندس الأركان والأنفاق، يضع المقاومة أمام استحقاق الانبعاث من جديد. هؤلاء الرجال لم يرحلوا كأرقام، بل كرموز وجدانية ستظل تطارد المحتل، محولين الهزيمة التكتيكية التي ينشدها الاحتلال عبر الاغتيال إلى نصر معنوي طويل الأمد.

أرقام تخجل منها الإنسانية
بالأرقام، ينتهي العام بأكثر من 77 ألفا و500 شهيد ومفقود، وميزانية إعمار خيالية تفوق 70 مليار دولار، وجيش من الأيتام والمبتورين. لكن القيمة الحقيقية لهذا النزيف تكمن في الوعي؛ فقد أصبح الاحتلال في 2025 كيانا معزولا أخلاقيا، مطاردا في لاهاي، ومنبوذا في شوارع العواصم التي كانت تدعمه.

إن ضريبة الدم التي دفعها 257 صحفيا، وآلاف الأطفال، لم تذهب سدى، بل رسمت حدودا جديدة للصراع، حيث لا عودة لمرحلة ما قبل “طوفان الأقصى”، مهما بلغت قسوة النتائج. نودع 2025 بقلوب مثقلة، لكن بآفاق مفتوحة على كل الاحتمالات. إن غزة اليوم ليست مجرد بقعة جغرافية محاصرة، بل هي ضمير العالم المستيقظ رغما عنه.

وإذا كان الاحتلال يظن أن اغتيال الرموز أو فرض الوصاية سيطوي صفحة القضية، فهو واهم. فالدماء التي سالت في 2025 زرعت في أرض غزة جيلا جديدا لا يعرف الانكسار. يرحل العام، وتبقى غزة واقفة بين الوصاية والسيادة، وبين “التهجير” والتجذر. هي اليوم في مخاض عسير، لكن التاريخ يعلمنا أن أعظم التحولات تولد من رحم أقسى الآلام.

ستبقى كوفية “أبو عبيدة”، وعصا السنوار، وشجاعة الصحفيين، هي المنارة التي تضيء ليل الغزيين الطويل، حتى يشرق فجر الحرية فوق أنقاض عام الإبادة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...