فنزويلا بين الانفجار والسيطرة: كيف سُلبت السلطة بلا قتال مباشر

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

عبد القادر الفرساوي

 

 

في فجر 3 يناير 2026، استيقظت كاراكاس على صوت انفجار بعيد، يليه آخر أقرب، حتى اهتزت نوافذ المباني، وشعر سكان العاصمة أن شيئا غير مألوف يحدث. لم يكن مشهدا لحرب مفتوحة، ولم تُسقَط الدولة في ساعات، لكنه كان كافيا لإشاعة الرعب والارتباك.

في تلك اللحظات، كان الرئيس نيكولاس مادورو في القصر الرئاسي مع زوجته سيليا فلوريس. الهواتف ترن بلا توقف، الحراس يتحركون بسرعة مفرطة، والوجوه الرسمية مليئة بالقلق، لكن لا أحد يملك صورة كاملة لما يجري. الانفجارات، على ما يبدو، كانت غطاء زمنيا ونفسيا لتحريك أحداث أكبر.

بحسب المصادر الأمنية والإعلامية، بدأ تفعيل بروتوكول الطوارئ الرئاسي. الهدف: إخراج الرئيس وزوجته من مناطق الخطر إلى مكان يفترض أنه آمن. خرج مادورو مع فلوريس محاطين بعناصر الحرس والمسؤولين الأمنيين، في مشهد يبدو للوهلة الأولى كعملية حماية.

لكن السياسة لا تقاس بالمظاهر. بعد دقائق، بدأ الانقطاع التدريجي للاتصالات، وتوقفت الأوامر عن الوصول لمراكز القرار. الرئيس لم يكن موقوفا رسميا، لكنه فقد السيطرة الفعلية على مؤسسات الدولة.

في هذه المرحلة، يظهر الاحتمال الأشد خطورة: أن يكون بعض من رافقوه متعاونين مع القوات التي نفذت العملية، أو اختاروا الصمت. في الحروب الحديثة، لا يحتاج الفاعل الخارجي إلى اختراق الجيش كله؛ يكفي أن يكون هناك حلقة حساسة واحدة داخل النظام لتسهيل المهمة.

الانفجارات لم تكن لتدمير الدولة، بل لإثارة الذعر،أنها انفجارات الرعب لا الحرب. في لحظات الرعب، يصبح كل شيء مقبولا للتبرير: تحركات غير عادية، قرارات سريعة، وأوامر يُنفّذها الجميع دون تردد. هذا هو السر وراء كيفية إخراج الرئيس وزوجته بلا مقاومة تذكر، بينما تبدو العملية وكأنها حماية طبيعية.

بعد ساعات، يبدأ الإدراك المتأخر: لم يكن خروج مادورو وفلوريس مؤقتا، ولم يكن للحماية أي أثر حقيقي. لقد أصبح الرئيس معزولا فعليا عن السلطة، العاصمة تحت الصدمة، وردود الفعل الداخلية مقطوعة أو منقسمة.

هذا السيناريو ليس حالة فردية، بل نموذج للحروب التي تُدار اليوم: هجينة، رمادية، ناعمة. في هذه الصراعات، تُسلب السلطة بلا دبابات، بلا معارك، وبأدوات تبدو قانونية أو إجرائية، لكن نتيجتها سياسية كاملة.

من الصعب فهم ما جرى بمعزل عن السياق السياسي. العلاقة بين فنزويلا والولايات المتحدة متوترة منذ أيام هوغو تشافيز:

– عقوبات اقتصادية متكررة

– محاولات مستمرة لعزل القيادة الفنزويلية

– تدخلات غير مباشرة في السياسة الداخلية.

ما جرى يبدو استمرارا لهذا العداء، لكنه في نسخة متطورة: إنها إدارة الحدث من الداخل تحت غطاء خارجي.

بعد اكتمال العملية الميدانية، تبدأ السيطرة الإعلامية:

– إعلان خارجي عن اعتقال الرئيس ونقله

– بيانات مختصرة ومختارة بعناية

– تأخير أو غموض داخلي

– صمت استراتيجي أو تضارب تصريحات

الهدف ليس مجرد نقل مادورو وفلوريس، بل تثبيت أمر واقع سياسي. من يروي القصة أولاً، يربح السيطرة على التفسير.

إنها رسالة إلى العالم

ما حدث في فنزويلا ليس مجرد حدث محلي. إنه درس عالمي:

الدول لم تعد تُسقط بالقصف فقط

الرؤساء لا يُزالون بالقوة العسكرية وحدها

بل الثقة، والتعاون الداخلي، وإدارة المعلومات أصبحت أسلحة أخطر.

الدول الأخرى ستلاحظ: في عالم الحروب الهجينة، قد تُسلب السلطة بلا طلقة، ويُحقق الردع الدولي عبر الذكاء النفسي والإستراتيجي أكثر مما يُحقق عبر الدبابات والمدافع.

 ليست القصة عن الانفجارات، ولا عن الاعتقال، بل عن عملية مركبة أُنجزت تحت غطاء الحماية، في زمن تغيّرت فيه قواعد الصراع. في هذا العالم، الثقة قد تكون السلاح الأخطر، والانفجار مجرد إشاعة رعب يفتح الطريق للسيطرة.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...