د. محمود الحنفي
أستاذ القانون الدولي وحقوق الإنسان.
أعلنت الولايات المتحدة أنها نفذت فجر الثالث من يناير/كانون الثاني 2026 ضربة عسكرية واسعة النطاق ضد فنزويلا، وأعلنت اعتقال رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى الأراضي الأميركية لمحاكمته.
وقد أصاب هذا التطور غير المسبوق الساحة الدولية بصدمة، إذ يعد اختراقا صريحا لمبادئ النظام الدولي الراسخة، لا سيما مبدأ سيادة الدول المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة. ويتطلب فهم هذا الحدث تحليلا دقيقا لموقفه من منظور القانون الدولي وحقوق الإنسان.
يعالج هذا المقال الحدث من الزوايا القانونية والحقوقية التالية: خرق سيادة الدولة، شرعية استخدام القوة، نقل الرئيس لمحاكمة خارج بلاده، المقارنات التاريخية، دور الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية، ردود الدول الكبرى والإقليمية، وانعكاسات الحادث على مستقبل القانون الدولي وحقوق الإنسان.
خرق مبدأ سيادة الدولة وفق ميثاق الأمم المتحدة
يعتبر مبدأ سيادة الدول حجر الزاوية في القانون الدولي. فقد أكد ميثاق الأمم المتحدة في مادته الثانية على “المساواة في السيادة بين جميع أعضائها”، كما حظر “استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي” لأي دولة. وبعبارة أخرى، لا يجوز لأي دولة أن تلجأ إلى القوة العسكرية لتغيير حكومة دولة أخرى أو التدخل في شؤونها الداخلية.
إن الإجراء العسكري الأميركي يشكل انتهاكا صارخا لهذا المبدأ، إذ دخلت القوات الأميركية- في هذه الحالة بحرا أو جوا- إلى أراضي دولة ذات سيادة، واعتقلت رئيسها بغير إذن أو موافقة من حكومة فنزويلا الشرعية، وهو ما يتنافى تماما مع نص الميثاق الذي يمنع جميع الأعضاء من التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة.
كما أن مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، المتفرع من الفصل السادس من الميثاق وغيره، يضفي حرمة إضافية على سيادة الدولة.
فمن الناحية القانونية، يعتبر الاعتداء العسكري الأميركي واختطاف الرئيس مادورو بمثابة اعتداء مباشر على سيادة فنزويلا واستقلالها السياسي، ما يشكل خرقا لقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
لا يوجد أي نص دولي أو قرار أممي يجيز مثل هذا الاعتداء. وفي حال وجود نزاع أو اتهامات جنائية ضد شخص مثل مادورو، كان ينبغي السعي إلى تسوية قضائية عبر آليات التسليم أو المحاكمة الدولية المقررة، وليس عبر استخدام القوة العسكرية.
ولذلك يعتبر هذا الأمر بمثابة خرق فج للشرعية الدولية دون أي غطاء قانوني. إن الدول الديمقراطية تفرض عليها القوانين الدولية احترام سيادة الدول.
وتزداد خطورة هذا المسلك في ضوء غلبة الرؤية الأميركية التي تقدم القانون الوطني على القانون الدولي، كما ظهر في رفض واشنطن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية في قضايا أفغانستان.
ويعكس ذلك إحدى ثلاث نظريات قانونية متباينة:
الأولى ترى أن القانون الدولي يسمو في التطبيق.
والثانية تعلي من القانون الوطني.
بينما الثالثة تقرر موازنة مرنة حسب الظرف السياسي.
في الحالة الأميركية، يبدو أن السيادة الوطنية تستخدم ذريعة دائمة لتجاوز الالتزامات الدولية، ما يقوض نظام الشرعية الدولية من أساسه.
شرعية استخدام القوة العسكرية ضد دولة ذات سيادة
يعد استخدام القوة في العلاقات الدولية محظورا بموجب ميثاق الأمم المتحدة، وتحديدا المادة الثانية التي تحظر التهديد أو استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة، باستثناء حالتين:
الدفاع عن النفس وفق المادة 51.
أو تفويض صريح من مجلس الأمن.
وتقيد المادة 51 حق الدفاع عن النفس بوقوع “هجوم مسلح فعلي”، كما أن الاستخدام الوقائي للقوة مشروط بوجود تهديد وشيك لا يمكن تفاديه.
الضربة الأميركية ضد فنزويلا لا تنطبق عليها أي من هذين الاستثناءين: لم يصدر هجوم مسلح من فنزويلا، ولم يصدر تفويض أممي. أما التبرير المتعلق بمكافحة المخدرات أو تصنيف فنزويلا كـ”دولة مخدرات”، فلا يعد سندا قانونيا لاستخدام القوة، بحسب فقه القانون الدولي.
وفي بيان كان قد صدر يوم 24 ديسمبر/كانون الأول 2025، اعتبر خبراء حقوق الإنسان التابعون للأمم المتحدة أن الحصار البحري الذي فرضته الولايات المتحدة على فنزويلا يمثل “استخداما محظورا للقوة” بموجب المادة 2/4 من الميثاق، و”عدوانا مسلحا غير قانوني” وفق تعريف الجمعية العامة لعام 1974. وأكدوا أن هذا الحصار ألحق أضرارا بالغة بحقوق السكان، شملت الحق في الحياة والتنمية والصحة.
وعليه، فإن هذه الخطوة الأميركية تمثل خرقا واضحا لميثاق الأمم المتحدة، وتفتقر لأي غطاء قانوني دولي. وقد خلص تحليل قانوني دولي إلى أن العملية “لا تستوفي بوضوح أي شرط من الشروط التي يجيزها القانون الدولي لاستخدام القوة”، ما يجعلها عدوانا بلا شرعية، ويقوض نظام الحظر الدولي المفروض على اللجوء إلى القوة المسلحة.
نقل ومحاكمة رئيس دولة دون إجراءات تسليم دولية: سابقة خطيرة
يشكل اعتقال ونقل رئيس دولة أثناء ولايته، أي في ظل تمتعه بحصانة رسمية، إلى دولة أخرى دون إجراءات تسليم قانونية خرقا مضاعفا: انتهاكا لسيادة الدولة التي اعتقل فيها، ومساسا بالقواعد الدولية الخاصة بحصانة كبار المسؤولين.
فوفق القانون العرفي، كما أكدت محكمة العدل الدولية في “قضية مذكرة الاعتقال” (الكونغو ضد بلجيكا، 2002)، يتمتع رؤساء الدول بحصانة مطلقة من الولاية القضائية الأجنبية خلال توليهم مناصبهم، تمنع ملاحقتهم أمام محاكم دول أخرى.
وبناء على ذلك، فإن اعتقال مادورو، ونقله لمحاكمة داخل الولايات المتحدة، بينما لا يزال يشغل منصب رئيس دولة، يشكلان انتهاكا جوهريا لمبدأ الحصانة السيادية.
وقد أوضحت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن هذه الحصانة تظل ثابتة للقادة أثناء توليهم مناصبهم. كما أن العملية تمت خارج أي إطار للتعاون القضائي أو إجراءات تسليم رسمية، بل فرضت بقوة عسكرية خلقت أمرا واقعا، وهو أسلوب محظور قانونيا لما ينطوي عليه من مساس مباشر بسيادة الدول وبمبدأ حكم القانون.
حقوقيا، يثير هذا النقل القسري تساؤلات جدية حول شرعية المحاكمة وضماناتها الأساسية، كحق الدفاع، والتمثيل القانوني، والمحاكمة العادلة، مما يجعل الإجراء كله عرضة للطعن من منظور القانون الدولي لحقوق الإنسان.
كما تجدر الإشارة إلى أن مادورو ليس مطلوبا أمام المحكمة الجنائية الدولية، ولم تصدر بحقه أي مذكرة توقيف دولية، مما يعني أن ما جرى لا يستند إلى ولاية قضائية دولية معترف بها، بل إلى إرادة أحادية من دولة أجنبية.
ومن الناحية التاريخية، يعد هذا الحدث استثنائيا في نوعه، وإن قورن جزئيا بغزو الولايات المتحدة لبنما عام 1989، واعتقال الجنرال مانويل نورييغا، الذي حوكم لاحقا في فلوريدا بتهم المخدرات. لكن حتى تلك الواقعة لم تتعلق برئيس دولة منتخب، كما لم تتم وسط هذا القدر من التنديد.
ولا يمكن تشبيه الحالة الفنزويلية إلا جزئيا بحالات استثنائية أخرى، كاختطاف إسرائيل أدولف أيخمان عام 1960، وهي أمثلة بقيت خارج إطار التعامل مع رئيس دولة في منصبه.
ولهذا، فإن ما جرى مع مادورو يعد سابقة قانونية غير مسبوقة، تنذر بإعادة رسم قواعد اللعبة الدولية، حيث يستخدم العمل العسكري لا لاعتقال مجرمين فقط، بل لتغيير أنظمة سياسية بكاملها.
مواقف الدول الكبرى والإقليمية والمؤسسات الدولية:
تلقت العملية ردود فعل حادة لكن متفاوتة في قوتها بالمحافل الدولية. إقليميا، أدانت عدة دول لاتينية الهجوم الأميركي، إذ وصفت كوبا ما جرى بـ”إرهاب دولة”، بينما عبرت كولومبيا والمكسيك عن قلقهما من التصعيد العسكري، دون خطوات ملموسة.
وأكدت فنزويلا أن ما حدث “عدوان عسكري مكتمل الأركان”. غير أن معظم الحكومات اللاتينية اكتفت ببيانات رمادية، ما عكس ترددا سياسيا في مواجهة واشنطن.
أما دوليا، فقد شدد الاتحاد الأوروبي على ضرورة احترام القانون الدولي دون إدانة صريحة، بينما اكتفت بريطانيا وألمانيا بتصريحات تحذيرية عامة. إيطاليا وحدها استخدمت لهجة أكثر وضوحا ووصفت التدخل بأنه “انتهاك صريح للقانون الدولي”.
روسيا، رغم تحالفها مع كراكاس، لم تتجاوز حدود الإدانة اللفظية، في حين دعت الصين إلى “ضبط النفس”، دون تسمية الجهة المعتدية، مما زاد من الشعور بأن المواقف الدولية الكبرى تتسم بالحذر، وربما الانكفاء أمام الهيمنة الأميركية.
أما على مستوى المؤسسات الأممية، فقد عبرت الأمم المتحدة في موقف سابق عن “قلق بالغ”، وأصدر فريق من خبراء حقوق الإنسان في 24 ديسمبر/كانون الأول 2025 بيانا اعتبر فيه الحصار الأميركي لفنزويلا “استخداما محظورا للقوة وعدوانا مسلحا غير قانوني”، داعيا الدول إلى الرد عبر وسائل دبلوماسية وسلمية، وتفعيل أدوات المحاسبة الدولية.
ومع ذلك، لم تصدر حتى الآن أي إجراءات ملموسة من مجلس الأمن، رغم دعوات لانعقاده، ما يعكس محدودية فاعلية المنظمة الأممية في كبح جماح الولايات المتحدة.
وهكذا، تكرس الانطباع بأن الولايات المتحدة كانت مدركة حجم الردود المتوقعة ومحدوديتها، فأقدمت على خطوتها بشكل أحادي وهي على يقين بأن “ارتعاش الأيادي” في المجتمع الدولي سيمنع أي ردع فعلي، على الأقل في المرحلة الحالية.
انعكاسات الحادث على مستقبل القانون الدولي وحقوق الإنسان
يسهم هذا الحادث في إثارة تساؤلات جوهرية حول مستقبل مبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان في عالم ما بعد “نظام ما بعد 1945”.
فقد تأسس ميثاق الأمم المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية خلال مؤتمر سان فرانسيسكو عام 1945، كمحاولة جماعية لوضع حد لاستخدام القوة في العلاقات الدولية، ولضمان ألا تعود البشرية إلى منطق الاحتلال والتوسع بالقوة.
وكان من المفارقات أن الولايات المتحدة، التي قادت صياغة هذا الميثاق، وكانت ولا تزال أكبر مساهم مالي في الأمم المتحدة، قد لعبت لاحقا أدوارا متناقضة في احترامه، خاصة في عهد الرئيس دونالد ترامب الذي لم يخفِ استياءه من المنظمة، وسعى إلى تقليص دورها والانسحاب من بعض أذرعها مثل مجلس حقوق الإنسان، ومنظمة الصحة العالمية.
وفي هذا السياق، فإن التدخل العسكري الأخير في فنزويلا، وما تلاه من اختطاف رئيس دولة قائم ونقله لمحاكمته في أراضٍ أجنبية، يمثل اختراقا للقاعدة الذهبية التي تأسست عليها المنظمة الدولية: ألا تستولي دولة على أخرى بالقوة.
وإذا تم التساهل مع هذا الحادث، فإن ذلك قد يشكل بداية تآكل تدريجي لمبدأ سيادة الدول واحترام الحدود السياسية. إن التغاضي عن هذه السابقة سيؤسس لنظام دولي، أو قل لفوضى عالمية جديدة.
كذلك، أثار الحادث تساؤلات خطيرة حول مبدأ مسؤولية الحماية (R2P)، والذي يفترض أن يفعّل فقط في حالات الإبادة الجماعية أو الجرائم الكبرى ضد الإنسانية.
غير أن الولايات المتحدة، في هذا التدخل، تجاوزت هذا الإطار، واستخدمت تبريرات أمنية واتهامات جنائية لتبرير العمل العسكري، مما يهدد بتفريغ مبدأ الحماية من مضمونه، وتحويله إلى أداة انتقائية لتبرير تدخلات إستراتيجية.
أما على صعيد حقوق الإنسان، فإن اعتقال رئيس دولة دون مسار قانوني واضح، ومن ثم نقله القسري إلى بلد آخر لمحاكمته، يقوض جوهر المحاكمة العادلة، ويفتح الباب لانتهاكات محتملة مثل الإكراه، وحرمان المتهم من التواصل الحر مع محامٍ، وتقييد حقه في الدفاع. إن هذا النموذج يقوض ما تبقى من حكم القانون.
في المحصلة، تعيد هذه السابقة رسم خريطة المفاهيم القانونية بين الدول، وتضعف الثقة بالنظام القانوني الدولي القائم على الميثاق والشرعية الدولية. وإذا لم يتم التصدي لها بمواقف قانونية ومؤسسية صارمة، فقد تتحول إلى نموذج يحتذى لدول أخرى تسعى لتصفية خصومها في الخارج بالقوة.
من هنا، فإن السؤال المركزي الذي يطرح اليوم ليس فقط حول شرعية ما جرى، بل حول مستقبل الشرعية نفسها: هل لا تزال قائمة؟ أم إننا دخلنا مرحلة ما بعد القانون، حيث تبدأ الدول الكبرى بفرض قوانينها الخاصة خارج الإجماع الدولي؟
إذا كانت الولايات المتحدة قد تواطأت في جرائم غزة بتوفير السلاح والدعم السياسي، فمن الطبيعي أن تتمادى في خرق القانون الدولي كما فعلت في فنزويلا.
فمن يغض الطرف عن الإبادة، لن يتردد في اختطاف رئيس دولة بالقوة. ومن المفارقة الصارخة أن ترامب يعتقل رئيس دولة بزعم ارتكاب جرائم، بينما يفرض عقوبات على قضاة المحكمة الجنائية الدولية؛ لأنهم لاحقوا مجرمي حرب من حلفائه!
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





