فضل عبد الغني
مؤسّس الشبكة السورية لحقوق الإنسان
تُشكّل العملية العسكرية التي نفّذتها القوات الأميركية في 3 يناير/ كانون الثاني 2026، وشملت ضربات جوّية داخل الأراضي الفنزويلية، أعقبتها عملية برّية انتهت باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، إحدى أكثر الوقائع إشكاليةً من زاوية النظام القانوني الدولي الذي ترسَّخ بعد الحرب العالمية الثانية، فالجمع بين القصف الجوّي وإنزال قوات برّية واعتقال رئيس دولة بالقوة يضع في صلب النقاش مسائل جوهرية تتعلّق بالاستخدام المشروع للقوة، والحصانة السيادية، والسلامة الإقليمية، ومبدأ التسوية السلمية للنزاعات.
وبحسب السياق الذي قدّمته إدارة ترامب لتفسير هذه العملية، لم تكن التطوّرات منفصلةً عن مسار ضغوط متصاعدة، من بينها لائحة اتهام اتحادية صادرة عام 2020، تتهم مادورو بالإرهاب المرتبط بالمخدّرات، ونشر نحو 15 ألف جندي أميركي في منطقة الكاريبي عام 2025، وفرض حصار بحري على ناقلات النفط الفنزويلية. ويقود الفحص القانوني للأطر الدولية ذات الصلة إلى ترجيح أنّ العملية، بصورتها المُعلَنة، تنطوي على تعارض مع مبادئ تأسيسية في القانون الدولي، وفي مقدّمتها حظر استخدام القوة المنصوص عليه في المادة 2 (4) من ميثاق الأمم المتحدة، وقواعد القانون الدولي العرفي بشأن حصانة رؤساء الدول، إضافة إلى التزامات إقليمية ذات صلة، بما في ذلك ميثاق منظمة الدول الأميركية.
تمثّل السيادة الإقليمية أحد الأعمدة المُؤسِّسة للنظام القانوني الدولي، ويُترجمها حظر استعمال القوة وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية
حظر استخدام القوة وقصور المبرّرات القانونية
تُعدّ المادة 2 (4) من ميثاق الأمم المتحدة حجر الزاوية في تنظيم العلاقات الدولية المعاصرة، إذ تُلزم الدول بالامتناع عن التهديد باستعمال القوة أو استعمالها ضدّ السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأيّ دولة. ولا يقتصر هذا الحظر على مرجعه في الميثاق، بل جرى التأكيد في الاجتهاد القضائي الدولي على مكانته قاعدةً عرفيةً ذات وزن معياري رفيع في النظام الدولي. وعليه، تندرج الضربات العسكرية داخل فنزويلا، من حيث الوصف العام، ضمن نطاق ما تحظره المادة 2 (4)، خصوصاً أنها أفضت (كما قيل) إلى انفجارات في منشآت عسكرية، وانقطاع واسع للتيار الكهربائي بما مسّ البنى التحتية المدنية، فضلاً عن إصابات وأضرار في مناطق مأهولة في عدّة ولايات فنزويلية.
ولا يعترف القانون الدولي، في الأصل، إلا باستثناءَيْن رئيسيَّيْن لهذا الحظر: تفويض صادر عن مجلس الأمن بموجب الفصل السابع، أو ممارسة حقّ الدفاع عن النفس الفردي أو الجماعي وفقاً للمادة 51. ووفقاً للصورة التي عرضتها إدارة ترامب للعملية، لا يبدو أن أيّاً من الاستثناءَيْن متوافر. فلم يصدر عن مجلس الأمن قرار يُجيز استخدام القوة ضدّ فنزويلا، ولم تُطرح (بحسب ما ورد) مساعٍ جدّية للحصول على تفويض. كما أن الإشارة إلى اجتماعات طارئة لمجلس الأمن أواخر عام 2025 لا تغيّر من جوهر الأمر، ما لم تُفضِ إلى قرار مُلزم يُجيز استخدام القوة.
أمّا ادّعاء الدفاع عن النفس الذي نُسب إلى مسؤولين أميركيين، فيبدو قاصراً من وجوه متعدّدة؛ فالمادة 51 تُجيز الدفاع عن النفس حصراً في حال وقوع هجوم مسلّح. ويظلّ توصيف تهريب المخدّرات (حتى عندما يُرتكب على نطاق واسع ويُحدث أضراراً اجتماعيةً واقتصاديةً جسيمةً) بعيداً عن معيار “الهجوم المسلّح” بالمعنى المعتمد في القانون الدولي. كما أن تطلّبات الضرورة والتناسب، بوصفها قيوداً ملازمة للدفاع عن النفس، لا تُستوفى عادةً في سيناريوهاتٍ يُستعاض فيها عن أدوات إنفاذ القانون والتعاون القضائي بتدخّل عسكري واسع النطاق. فإذا كان جوهر المبرّر يرتبط بأفعال جنائية عابرة للحدود، فإنّ الإطار الطبيعي لمعالجتها يتمثّل في التعاون الشرطي والقضائي وطلبات التسليم وآليات المساعدة القانونية المتبادلة، لا في استخدام القوة المسلّحة في أراضي دولة ذات سيادة.
وحتى على فرض إمكان الدفع نظرياً بارتباط أفعال إجرامية منظّمة بتهديدات أمن قومي، يظلّ شرط الإسناد عائقاً جوهرياً: فاتهام مسؤولين أو جهات داخل دولة بارتكاب جرائم لا يُحوّل تلقائياً تلك الأفعال إلى عمل منسوب للدولة بالمعنى القانوني، ولا يُنشئ بحد ذاته حالةَ دفاع عن النفس ضدّ الدولة كياناً. كما أن نطاق عملية تتضمّن ضربات جوّية واسعة واقتحاماً برّياً واعتقال رأس الدولة، بما يُفهم منه مسعى لتغيير النظام، يتجاوز منطق الردّ الضروري والمتناسب، حتى ضمن أكثر القراءات توسّعاً لحقّ الدفاع عن النفس.
الإطار الطبيعي لمعالجة أفعال جنائية عابرة للحدود يتمثّل في التعاون الشرطي والقضائي لا في استخدام القوة المسلّحة في أراضي دولة ذات سيادة
وتتعثر كذلك المبرّرات الأخرى المتداولة؛ فالتدخّل الإنساني يظلّ موضع خلاف عميق من حيث الاعتراف به استثناءً مستقلّاً عن تفويض مجلس الأمن، وحتى ضمن الأطروحات المؤيّدة له يُحصر عادةً في سياقات فظائع جماعية راهنة ذات طبيعة قصوى مع انسداد تام لآليات مجلس الأمن، وهي شروط لا تظهر بوضوح في السياق الفنزويلي كما قُدّم في الرواية المصاحبة للعملية. كما أن حماية المواطنين في الخارج، حيث تُطرح أحياناً تبريراً محدوداً، تفترض تهديداً وشيكاً ومحدّداً وعدم توافر بدائل معقولة، وأن يظلّ استخدام القوة في أضيق نطاق ممكن، وهو ما يصعب التوفيق بينه وبين عملية عسكرية ذات نتائج بشرية ومادّية كبيرة. والأهمّ من ذلك أن إنفاذ القانون، مهما اتّسعت الولاية القضائية الادّعائية، لا يساوي ولايةَ تنفيذ بالقوة المسلّحة داخل إقليم دولة أخرى خارج أطر التعاون الدولي أو التفويض الجماعي.
حصانة رئيس الدولة
تُعدّ حصانة رئيس الدولة من القواعد الراسخة المرتبطة بمبدأ المساواة السيادية، وبالضرورة العملية التي تقتضي تمكين أعلى ممثّلي الدولة من أداء وظائفهم من دون تدخّل قضائي أو قسري أجنبي. ويُميّز الفقه والممارسة الدولية بين الحصانة الشخصية المرتبطة بالمنصب في أثناء شغله، والحصانة الموضوعية المرتبطة بالأفعال الرسمية بعد انتهاء الولاية. وفي هذا السياق، يستقرّ الاتجاه العام على أن رئيس الدولة الحالي يتمتّع بحصانة شخصية وحرمة تمنع إخضاعه للولاية القضائية الجنائية الوطنية لدولة أجنبية طوال مدة ولايته، وتشمل هذه الحصانة (بحسب التصوّر التقليدي) الأفعال الرسمية والخاصّة على السواء خلال تلك المدّة.
وبناءً عليه، يثير اعتقال رئيس دولة قائم لمقاضاته أمام محكمة وطنية أجنبية تعارضاً مباشراً مع هذه القاعدة، ما لم تتوافر ظروف استثنائية مُعترَف بها. والاستثناءات المتداولة في هذا الباب محدودة ومُقيَّدة؛ فالتنازل الصريح من الدولة المعنية عن الحصانة يظلّ شرطاً حاسماً، وهو ما لا يظهر في السياق الموصوف، بل تفيد المؤشّرات المُعلَنة بالعكس. كما أن الحصانة لا تحتج عادةً أمام المحاكم الجنائية الدولية أو المحاكم الخاصة ذات الطبيعة الدولية، غير أن المسار المشار إليه هنا يتعلّق بمحاكمة أمام محكمة اتحادية أميركية، وهي جهة وطنية تخضع من حيث الأصل لقواعد الحصانات الدولية. وفي غياب مسار دولي ذي ولاية قضائية مقبولة ومتخصّصة، يظلّ تجاوز الحصانة في الإطار الوطني الأجنبي محلَّ إشكال قانوني جوهري.
وتزداد الإشكالية حين يُستند إلى حجة عدم الاعتراف السياسي لإسقاط الحصانة. فالحصانة الشخصية، في أصلها، وظيفة قانونية مرتبطة بصفة الشخص الرسمية وبممارسته الفعلية لمهام رئيس الدولة، وليست امتيازاً سياسياً مشروطاً باعتراف دولة بعينها بشرعية الحكومة. ولا يترتب على موقف عدم الاعتراف (مهما كانت دوافعه) إعفاء الدولة الممتنعة عن الاعتراف من التزاماتها الأساسية بموجب القانون الدولي تجاه الدولة الأخرى أو ممثّليها الرسميين، ما داموا يباشرون وظائف الدولة على نحو فعّال. كما أن معيار الحصانة لا يقوم على تقييم شرعية النظام السياسي من قبل دولة أجنبية، بل على تحقّق الصفة الوظيفية واستمراريتها. وعليه، فإن اعتقال مادورو، وفق الصورة المُقدَّمة، ينطوي على انتهاك للحرمة والحصانة اللتَيْن يتمتّع بهما رئيس الدولة بمقتضى القانون الدولي العرفي، فضلاً عن أنّه يُعمِّق خلطاً مقلقاً بين الخلافات السياسية وآليات المساءلة الجنائية المشروعة دولياً.
يُربك اعتقال مادورو التمييز بين مكافحة الجريمة المنظّمة العابرة للحدود وبين النزاعات المسلحة التي تُنظمها قواعد مختلفة
انتهاك السيادة والأطر القانونية الإقليمية
تمثّل السيادة الإقليمية أحد الأعمدة المُؤسِّسة للنظام القانوني الدولي، ويُترجمها حظر استعمال القوة وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية. وانطلاقاً من ذلك، فإن دخول قوات عسكرية إلى المجال الجوي أو الإقليم البري لدولة من دون موافقتها، وشنّ ضربات على منشآت تابعة لها، وإخراج رئيسها بالقوة من أراضيها، يُعدّ (من حيث المبدأ) مساساً صريحاً بالسلامة الإقليمية والاستقلال السياسي. وقد أُعلن استخدامُ وسائل قتالية وإطلاق صواريخ من منصّات مروحية داخل الإقليم الفنزويلي؛ فإنّ ذلك يُعزّز توصيف الفعل بوصفه عملاً قسرياً موجّهاً ضدّ سيادة الدولة.
وتكتسب هذه الوقائع بعداً إضافياً في الإطار الإقليمي الأميركي؛ إذ ينصّ ميثاق منظمة الدول الأميركية على حماية حرمة الإقليم وعدم جواز احتلاله عسكرياً أو اتخاذ تدابير قسرية أخرى بالقوة من قبل دولة أخرى لأيّ سبب كان، كما يُقرر التزاماً بعدم اللجوء إلى استعمال القوة إلا في حالة الدفاع عن النفس وفق شروطه. وبالنظر إلى أن مبرّراتٍ مثل مكافحة المخدّرات أو دعم الديمقراطية لا تندرج، في حدّ ذاتها، ضمن مفهوم الدفاع عن النفس بالمعنى القانوني، فإن الاستناد إليها لإضفاء الشرعية على تدخّل عسكري واسع يظلّ متعارضاً مع جوهر الالتزامات الإقليمية. كما أن مواقف تحالفات إقليمية سابقة عالجت الأزمة الفنزويلية عبر أدوات سياسية ودبلوماسية، مع استبعاد خيار التدخّل العسكري، تعزّز من فكرة أن المسار السلمي كان هو الإطار المرجّح إقليمياً لمعالجة الخلافات.
خاتمة
تتجاوز الآثار القانونية والسياسية لهذا النمط من العمليات الحالة الفنزويلية بذاتها؛ فهي تُنتج سابقة مقلقة تقوم على إمكان توظيف القوة العسكرية لتحقيق أهداف إنفاذ قانوني أو تغيير سياسي خارج أطر الشرعية الدولية، بما يُضعف القيد المعياري لحظر استخدام القوة، ويُقوّض فكرة الأمن الجماعي، ويُربك التمييز بين مكافحة الجريمة المنظّمة العابرة للحدود وبين النزاعات المسلحة التي تُنظمها قواعد مختلفة. كما أن فتح الباب لتسويغ غزو دولة بذريعة تهريب المخدّرات من شأنه أن يُغري قوى أخرى بتبنّي مبرّرات مشابهة لتسوية خصوماتها الإقليمية بالقوة، بما يهدد الاستقرار وحقوق الإنسان ويزيد هشاشة النظام القانوني الدولي.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





