جورج كعدي
كاتب وناقد فني وصحفي وأستاذ جامعي لبناني
لكلّ من الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين أسبابه ودوافعه استهدافاً للاتحاد الأوروبي، إلّا أنهما يتقاسمان منافع مستقلة بفرط هذا الاتحاد، ويبدوان حليفين ضمناً في تحقيق الهدف نفسه. فالرئيس ترامب يفضّل التعامل مع أوروبا دولاً متفرّقة لا اتحاداً كبيراً قادراً على تطوير قوته بالاعتماد على اقتصاد مشترك يتجاوز 30 تريليون يورو، مع إمكانات تقنية وبشرية هائلة، علماً أن الاتحاد الأوروبي يندفع نحو “اقتصاد التسلّح” منفقاً نحو 800 مليار يورو على تطوير ترسانته، مستقطعاً هذه الأموال من الرفاه الاجتماعي والتعليم والاستشفاء. وقياساً بعقيدة ترامب الحمائية، وشعاره المرفوع “أميركا أولاً”، فإنّ التكتلات الاقتصادية المندمجة تمثّل تحدّياً كبيراً لقدرة الاقتصاد الأميركي التنافسية. ويلقي الرئيس الأميركي، على ضوء سياسته الحمائية الصارمة، نظرة ازدراء إلى النظام الاجتماعي في أوروبا التي يعتبرها رمزاً للبيروقراطية وللهجرة المفتوحة واليسار الليبرالي، بينما هو ينسجم مع القادة الأوروبيين اليمينيين الشعبويين. كما أن أوروبا الأطلسية هي في نظره “راكب مجاني” ضمن حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فالولايات المتحدة تتحمّل الجزء الأكبر من تمويل الدفاع الغربي، وتعتمد أوروبا على واشنطن أمنياً وتنافسها اقتصادياً، ولذلك قرّر ترامب التخلّي عن دور الضامن والمموّل للحلف، رافعاً غطاء الحماية الأمنية والدفاعية عن القارّة العجوز، بل ومعتمداً سياسة جمركية تلحق ضرراً جسيماً بالاقتصادات الأوروبية. وحيال هذه التحوّلات الجذرية، بات الاتحاد الأوروبي ينظر إلى الإدارة الأميركية الحالية “عدوّاً صريحاً”، وبالأخص مع انسحاب ترامب، على عكس سلفه بايدن، من الالتزام بدعم أوكرانيا في وجه روسيا ومحاولته الجدّية إنهاء هذا الصراع لمصلحة صديقه (حليفه؟) بوتين، مهدّداً بوقف دعم أوكرانيا تسليحياً واستخباراتياً إذا لم تنجح خطته للسلام، ومتهماً المسؤولين الأوروبيين بأن لديهم توقعات غير واقعية بشأن الحرب الروسية ـ الأوكرانية، وهم يقفون في وجه السلام.
الاتحاد الأوروبي، في نظر ترامب، ضعيف ومعرّض للانقسامات الداخلية، بسبب هيمنة بيروقراطيين على القرار في بروكسيل، وقد كشف نائبه جي دي فانس، في مؤتمر ميونخ للأمن، التفضيل الأميركي لنوعية الحكام في أوروبا، إذ قال إن النفوذ المتزايد للأحزاب الأوروبية الوطنية (يقصد القومية أيضاً) يمنح بالفعل سبباً للتفاؤل. وكلا الطرفين الأميركي الذي يمثله ترامب والروسي الذي يمثله بوتين يحتقر الديمقراطية الليبرالية، ويُؤثر عليها الأحزاب اليمينية القومية المتطرّفة، ولا بأس إن كانت فاشية، كي تتعزّز النزعات القومية لدى الشعوب الأوروبية، فتزول مشاريع الوحدة التي تجمعها. ترامب وبوتين لا يريدان أوروبا متحدة، كلٌّ لحساباته.
يتّسم المشهد الأوروبي الراهن بضبابية كثيفة وتعقيدات جمة بسبب التحوّلات الجيوسياسية والجيواستراتيجية والاقتصادية المتلاحقة
من الزاوية الروسية، وبالإضافة إلى “الخطر الآتي دوماً من الغرب” تاريخياً، ومنذ حروب الشمال والغزوة السويدية في القرن الثامن عشر إلى حملة نابليون عام 1812 التي تسببت بتدمير أجزاء واسعة من روسيا وإحراق الروس مدينة موسكو لمنع جيش نابليون الكبير من الاستفادة منها في أثناء حملته العسكرية، بلوغاً إلى الغزوات الألمانية في الحربين العالميتين، وبخاصة هجوم الجيش النازي، رسخ في الوعي الروسي أن الخطر يأتي من الغرب، وأن الحدود الغربية هي دوماً مصدر تهديد، ويجب أن يكون هناك “عمق استراتيجي” يحمي موسكو.
هذا في التاريخ. أما اليوم، وبعد انفتاح نظام بوتين على التعامل الاقتصادي، وفي مجال الطاقة والغاز وسواهما مع فرنسا وألمانيا، العدوّين السابقين، عادت حالة العداء المتبادل لتشتدّ عقب اندلاع الحرب بين موسكو وكييف، واستيقظ مجدّداً الشعور الاستراتيجي الروسي بالحاجة إلى عمقٍ وأمنٍ حدوديين. وقد حصلت هذه اليقظة أيضاً من قبل في جورجيا. “النقزة” الروسية من الغرب ماثلة على الدوام في وجدان الشعب الروسي. لذا ترمي سياسة بوتين الحالية إلى إبقاء نفوذ روسيا حاسماً في جوارها القريب، ومنع تحوّل الاتحاد الأوروبي إلى قوة جيوسياسية متماسكة قادرة على العمل الفاعل أمنياً واقتصادياً ضد موسكو، وتقويض النموذج الليبرالي الأوروبي إذا اقترب من الداخل الروسي، أو هدّد استقراره، والحفاظ على قنوات اقتصادية حيثما أمكن، إنّما من موقع قوة، لا من موقع تبعية أو خضوع. ولا ننسى الخصومة الأيديولوجية والقيميّة مع أوروبا “المنحلّة” أخلاقياً وعائلياً وجندريّاً، وهذا كلّه مرفوضٌ رفضاً قاطعاً في روسيا بوتين. والمفارقة المثيرة أن هذه الخصومة الأخلاقية والقيميّة بين بوتين والغرب الأوروبي، هي نفسها خصومة ترامب للآفات الاجتماعية والأخلاقية والقيمية نفسها (رغم أن ترامب ليس نموذجاً أو مثالاً يُحتذى في الأخلاق)، فالرئيس الأميركي يؤمن بالحفاظ على العائلة وعلى القيم الدينية المسيحية، الإنجيلية تحديداً التي ينتمي إليها، ويرفض المثلية الجنسية والإجهاض، إلى ما هنالك من قضايا أخلاقية مثارة في المجتمع الأميركي. الشبه بين ترامب وبوتين في هذا الجانب القيمي المحافظ مثير ومدهش.
استيقظت أوروبا فجأة على سياسة رئيس أميركي كثير الحسابات والصفقات وشديد البخل في بذل الأموال للآخرين
يتّسم المشهد الأوروبي الراهن بضبابية كثيفة وتعقيدات جمة بسبب التحوّلات الجيوسياسية والجيواستراتيجية والاقتصادية المتلاحقة، وبخاصة لألمانيا وفرنسا غير الراغبتين في فقدان المظلة الأوروبية التي تمكّنهما من مواجهة الابتزاز الأميركي، لو جرى الاستفراد بهما سياسياً واقتصادياً. وأوروبيون كثر باتوا ينظرون إلى رغبة ترامب في تحسين علاقته ببوتين بكثير من التوجّس، فهم لا يريدون قارّتهم محاصرة بين قيصر الشرق وإمبراطور الغرب، وبالأخص دول الكتلة الشرقية السابقة التي تخشى الوقوع مجدّداً بين سندان التاريخ الدموي لأوروبا ومطرقة الجغرافيا السياسية الجديدة في العالم.
نامت أوروبا هانئةً على الوسادة الأميركية، ظانّة أن التحالف الغربي الأطلسيّ ثابت وأبديّ، لكنّها استيقظت فجأة على سياسة رئيس أميركي كثير الحسابات والصفقات وشديد البخل في بذل الأموال للآخرين، لا يتردّد في مخاصمة “الكيان المتداعي”، بحسب تعبيره، أي الاتحاد الأوروبي، نافضاً يديه من كل الالتزامات الأميركية السابقة التي حافظ عليها أسلافه، تاركاً “الناتو” في مهبّ الريح، ومتبنياً المنافسة الاقتصادية بدلاً من الوحدة والتكامل، ومعبّراً عن عدم إعجابه بـ”الاتحاد الأوروبي” الذي يتكفل صعود اليمين المتطرف بإنهائه. ويلاقيه الرئيس الروسي عند منتصف الطريق، متباهياً في تصريح له في يونيو/ حزيران 2024 بالقول: “إننا نشهد انهيار النظام الأمني الأوروبي الأطلسي. اليوم، لم يعد هذا النظام قائماً”. المعولان الأميركي والروسي ينزلان تهديماً بالاتحاد الأوروبي فهل يفلحان؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





