نبيل التّويول / إيطاليا تلغراف
رغم الحضور القوي والمتجدد للولايات المتحدة الأمريكية في الوجدان السياسي المغربي، باعتبارها أقدم شريك دبلوماسي للمملكة منذ اعتراف المغرب المبكر باستقلالها عن التاج البريطاني سنة 1777، و الزخم السياسي والإعلامي الاستثنائي الذي رافق قرار الرئيس الأمريكي السيّد دونالد ترامب الاعتراف الصريح بمغربية الصحراء وتكريسه في السجل الفيدرالي الأمريكي، بما شكّل لحظة فاصلة في مسار العلاقات المغربية–الأمريكية، فإن استحضار هذا المسار، بكل رمزيته وقوته، لا ينبغي أن يحجب حقيقة دبلوماسية أخرى أن: الجمهورية الإيطالية صديق قديم للمملكة المغربية، صديق صاغته طبقات ” آركيولوجية ” متراكمة من التاريخ والاحترام المتبادل.
ذلك أن العلاقات المغربية–الإيطالية الرّاسخة، لا تبدأ من مرحلة ما بعد الاستقلال، أو من ملفات الهجرة و التعاون الأمني في العقود الأخيرة، بل تمتد جذورها إلى معاهدة التجارة والملاحة الموقعة سنة 1825 بين المغرب ومملكة سردينيا، التي مثّلت النواة الأولى للدولة الإيطالية الحديثة، في زمن كان فيه المغرب يمارس دبلوماسية سيادية واعية، منفتحة على أوروبا، ومدركة لأهمية إيطاليا في البحر الأبيض المتوسط كمجال تواصل ومثاقفة وتمازج بين الحضارات، بعيدا عن الصراعات و الهيمنة.
ومنذ تلك اللحظة التأسيسية، تشكّل مسار دبلوماسي هادئ، تعزز في النصف الثاني من القرن التاسع عشر مع إرسال بعثات إيطالية إلى البلاط المغربي في عهد السلطان الحسن الأول، بعثات لم تحمل معها منطق القوة و مشاريع التوسع، بقدر ما سعت إلى تثبيت علاقة قائمة على المصالح التجارية والاعتراف المتبادل، وقد خلّفت هذه المرحلة شهادات إنسانية وثقافية نادرة، من بينها كتابات الدبلوماسي والأديب الإيطالي إدموندو دي أميريس، الذي قدّم للمجتمع الأوروبي صورة عن المغرب باعتباره دولة قائمة الذات، ذات عمق حضاري ومؤسساتي، لا مجرد هامش جغرافي جنوب المتوسط.

و قد تعمقت هذه العلاقة مع مطلع القرن العشرين، حين تحولت مدينة طنجة، في وضعها الدولي الخاص، آنذاك، إلى فضاء رمزي للتعايش الدبلوماسي والثقافي، حيث اتخذ الحضور الإيطالي طابعا ناعما وغير صدامي، تجسّد في المبادرات الثقافية والتعليمية، وفي مؤسسات مثل “كازا ديتاليا”، التي جسّدت تعبيرا عن رغبة إيطالية في الانخراط داخل النسيج المغربي، لا فرض الوصاية عليه.
ومع استقلال المغرب سنة 1956، أعيد بناء العلاقات بين الرباط وروما على أساس احترام السيادة الكاملة للمملكة، لتنتقل العلاقة من بعدها التاريخي إلى بعدها السياسي، ثم إلى أفقها الاستراتيجي الراهن، في سياق إقليمي متحول، أصبح فيه المغرب فاعلا مركزيا في معادلة الاستقرار جنوب المتوسط، وأصبحت فيه إيطاليا تبحث عن شركاء موثوقين خارج منطق الإرث الاستعماري، في إطار شراكة متكافئة مبنية على رابح – رابح.
غير أن العنصر الأكثر حيوية، والأقل استثمارا حتى الآن، يتمثل في الحضور البشري المغربي القوي داخل المجتمع الإيطالي، حيث لم تعد الجالية المغربية مجرد امتداد اجتماعي للهجرة، بل تحولت إلى جسر إنساني واقتصادي وثقافي قادر على تحويل هذه الذاكرة المشتركة إلى مشاريع حيوية، و فرص اقتصادية، والثقة المتراكمة إلى استثمارات متبادلة في مجالات الصناعة، والتعليم، والاقتصاد الأخضر، والثقافة، والإعلام.
ومن هذا المنطلق، تبرز اليوم الحاجة إلى انتقال نوعي نحو الاستثمار في هذه التراكمات التاريخية كرافعة استراتيجية، لفتح آفاق جديدة لشراكة مغربية–إيطالية أكثر طموحا، وأكثر تحررا من الحسابات الظرفية، وأكثر انسجاما مع روح المتوسط التي جمعت الرباط وروما على مرّ التّاريخ.
إن الرسالة الضمنية التي تحملها هذه الذاكرة الدبلوماسية الطويلة، مفادها أن ما يجمع البلدين أعمق من التقلبات، وأن الاستثمار في هذا الرصيد التاريخي والإنساني ليس خيارا رومانسيا، بل رهانا استراتيجيا على مستقبل متوسطي أكثر توازنا و إنصاف.






