الجزر بين الفوائد المؤكدة والمبالغات الشائعة: كيف نقرأ المعلومات الغذائية بوعي؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

عبد الله مشنون
كاتب صحفي ومحلل سياسي مقيم في إيطاليا
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة والاسلام.

 

 

يُعدّ الجزر من الخضروات الأكثر حضورًا في الأنظمة الغذائية حول العالم، ليس فقط لسهولة الحصول عليه، بل لما يحتويه من عناصر غذائية تجعله مكوّنًا مهمًا في التغذية الصحية اليومية. غير أن انتشار المحتوى الصحي على مواقع التواصل الاجتماعي حوّل الجزر، في كثير من الأحيان، إلى مادة تُنسب إليها فوائد مطلقة تتجاوز ما يؤكده العلم، وهو ما يستدعي قراءة أكثر توازنًا ووعيًا.

من الناحية الغذائية، يتميّز الجزر بغناه بمركبات الكاروتينويد، وعلى رأسها البيتا-كاروتين، التي يحوّلها الجسم إلى فيتامين (أ)، وهو عنصر أساسي لصحة البصر والمناعة والجلد. وتؤكد الدراسات أن إدخال الجزر ضمن نظام غذائي متوازن يساهم في دعم صحة العين، خاصة في ما يتعلق بالتكيّف مع الإضاءة والحفاظ على سلامة الشبكية، دون أن يعني ذلك أنه علاج مباشر لمشاكل ضعف النظر أو بديل عن الرعاية الطبية.

أما في ما يخص الأمراض المزمنة، فيُظهر البحث العلمي أن مضادات الأكسدة الموجودة في الجزر تلعب دورًا مساعدًا في تقليل الإجهاد التأكسدي داخل الجسم، وهو عامل مرتبط بأمراض القلب وبعض أنواع السرطان. لكن من المهم التوضيح أن الجزر عامل وقائي داعم ضمن نمط حياة صحي، وليس مادة علاجية قادرة بمفردها على منع أو شفاء هذه الأمراض كما يُروّج أحيانًا.

وفي ما يتعلق بصحة القلب، يساهم الجزر، بفضل محتواه من الألياف ومضادات الأكسدة، في دعم التوازن الصحي للدهون في الدم عند استهلاكه بانتظام، خصوصًا في إطار نظام غذائي منخفض الدهون المشبعة. غير أن أي ادعاءات حول قدرته على “علاج” أمراض القلب أو خفض ضغط الدم بشكل مباشر تظل مبالغات غير دقيقة.

كما يرتبط الجزر بصحة الجهاز الهضمي والفم، إذ تساعد الألياف الغذائية فيه على تحسين حركة الأمعاء، بينما يساهم مضغه في تحفيز إفراز اللعاب، ما يدعم نظافة الفم بشكل غير مباشر. أما الحديث عن “تنقية الكبد من السموم”، فيجب التعامل معه بحذر، لأن الكبد عضو يقوم بوظيفته الحيوية ذاتيًا، ولا توجد أطعمة تقوم بتطهيره بالمعنى الشائع، وإن كانت بعض الأغذية، ومنها الجزر، تدعم وظائفه العامة ضمن نظام غذائي صحي.

وعلى مستوى الجلد، يوفر فيتامين (أ) ومضادات الأكسدة الموجودة في الجزر دعمًا لصحة البشرة، ويساهم في الحفاظ على نضارتها، لكن ربط استهلاك الجزر بحماية كاملة من أشعة الشمس أو علاج مشاكل جلدية معقدة يبقى غير علمي، ولا يغني عن وسائل الوقاية الطبية المعروفة.

في المحصلة، يظل الجزر غذاءً صحيًا مهمًا، وسهل الإدماج في الوجبات اليومية، لكن قوته الحقيقية تكمن في كونه جزءًا من نظام غذائي متوازن، لا في تحويله إلى وصفة سحرية. ومن هنا، تبرز أهمية التحقق من المعلومات الغذائية المتداولة، وعدم الانسياق وراء منشورات أو مقالات تَعِد بنتائج طبية مطلقة دون سند علمي موثوق.

فالصحة لا تُبنى على غذاء واحد، بل على وعي، توازن، ومصادر معلومات موثوقة.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...