محمد كندولة
انطلاقا من قوله تعالى:”﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَـٰكُم مِّن ذَكَرࣲ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَـٰكُمۡ شُعُوبࣰا وَقَبَاۤىِٕلَ لِتَعَارَفُوۤا۟ۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِیمٌ خَبِیرࣱ ١٣﴾ [الحجرات ١٣]
وقوله تعالى:”وَمِنۡ ءَایَـٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَـٰفُ أَلۡسِنَتِكُمۡ وَأَلۡوَ ٰنِكُمۡۚ إِنَّ فِی ذَ ٰلِكَ لَـَٔایَـٰتࣲ لِّلۡعَـٰلِمِینَ ٢٢﴾ [الروم ٢٢]
ان الذكر والأنثى هما اصلا الخليقة فمنهما تكونت الشعوب والقبائل للتعارف والتعاون ويبقى الكريم عند الله هو التقي النقي الذي فهم المراد من نشأته وحياته على وجه هذه البسيط رغم اختلاف الألسنة والألوان قال تعالى:” الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا” من هذه البوابة سنعالج موضوع جماليات الاحتفال برأس السنة الأمازيغية ومرجعيتها التاريخية فنقول في
مقدمة الموضوع أن الأعياد والمناسبات الثقافية تعد تجسيدًا حيًّا للهوية الجماعية، وتعبيرًا عن التراث والذاكرة التاريخية لأيّ شعب. ومن بين هذه المناسبات، يبرز “رأس السنة الأمازيغية” أو ما يُعرف بـ”يا نّاير” (Yennayer) كاحتفال عميق الجذور، غنيّ بالرموز والطقوس التي تجسّد رؤية الأمازيغ للعالم والحياة. ولئن كان هذا الاحتفال متجذّرًا في أعماق التاريخ، فإنّ جمالياته لا تنحصر في البُعد الاحتفالي فحسب، بل تمتدّ لتلامس البُعدين الرمزي والوجودي، معبّرةً عن علاقة الإنسان الأمازيغي بأرضه، بموسمه الزراعي، وبقيمه الروحية والاجتماعية. وفي هذه المقالة ، نستكشف جماليات هذا الاحتفال من زوايا متعدّدة: الرمزية، الطقوسية، الجمالية البصرية، والوظيفة الاجتماعية والثقافية.
أولًا: أصول رأس السنة الأمازيغية ومرجعيتها التاريخية:
يصادف “رأس السنة الأمازيغية” 14 يناير وفق التقويم الميلادي. ويُعتقد أنّ هذا الاحتفال يعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد، تزامنًا مع انتصار الملك الأمازيغي شيشونق الأول (Shoshenq I) على الفراعنة وتأسيسه الأسرة الثانية والعشرين في مصر الفرعونية (945 ق.م). ومن هنا، بدأ العدّ الأمازيغي الذي يُعرف بـ”العصر الأمازيغي” (Agraw Amazigh)، حيث يُضاف إلى السنة الميلادية 950 سنة. فمثلاً، سنة 2026 ميلادية تُقابل سنة 2976 أمازيغية.
ويُعتبر “يا نّاير” بمثابة السنة القمرية الزراعية عند الأمازيغ، ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بدورة الفلاحة، ويُعدّ مناسبة للاحتفال بانتهاء موسم الحصاد واستقبال موسم الزرع الجديد، ما يجعله عيدًا زراعيًّا بامتياز، يعكس ارتباط الإنسان الأمازيغي بالأرض ودورة الطبيعة.
ثانيًا: الجماليات الرمزية في احتفالات “يا نّاير”
تتجلّى الجماليات في احتفالات “يا نّاير” عبر شبكة من الرموز التي تحمل طبقات دلالية عميقة:
1. رمزية الطعام:
من أبرز مظاهر الاحتفال هو الوجبة التقليدية التي تُحضّر خصيصًا لهذه المناسبة، مثل “الكوسكوس الأمازيغي” أو “الإرفَن” (Irfen)، الذي يُعدّ من القمح الكامل، ويُقدّم مع اللحم والخضار. في بعض المناطق، يخبئ الأهل خاتمًا فضيًّا أو عملة نقدية داخل الطبق، ومن يجدها يُعتقد أنّه سيحظى بالحظّ والبركة طوال السنة.
كما يُعدّ اللبن والعسل والتين الجاف من الأغذية المقدّمة، وتعكس هذه المكونات رمزيات النقاء (اللبن)، والخصوبة والرفاه (العسل)، والصمود (التين).
2. رمزية النار والنور:
في بعض المناطق الجبلية، يُشعل الأمازيغ نارًا جماعية في الساحات أو أمام المنازل، تعبيرًا عن دحر الظلام واستقبال النور، وهي ممارسة تعود إلى الطقوس القديمة لعبادة الشمس، وتعكس رغبة الإنسان في التجديد والتطهّر.
3. الأسماء والتحايا:
يتبادل الأمازيغ التهاني بعبارات مثل: “أسكّاس أمقران، تازوريت!”
(عام سعيد، خير عميم!)
وتشكل هذه العبارات جزءًا من الجمالية اللغوية، إذ تعبّر عن الأماني الجماعية بالسلام والرخاء، وتعيد إنتاج الهوية عبر اللغة الأمازيغية، خاصة في ظلّ مساعٍ لتوحيد وتعزيز استخدام الخط التيفيناغي في المناسبات الرسمية والشعبية.
ثالثًا: الجماليات الطقسية والشعائرية:
تتميّز احتفالات “يا نّاير” بطقوس تجمع بين الطابع العائلي والجماعي، وتُؤدّى وفق تقاليد محلية تتباين من منطقة لأخرى، لكنّها تلتقي في جوهرها الإنساني والرمزي:
. الزيّ الأمازيغي التقليدي: ترتدي النساء والرجال أزياءهم التقليدية المطرّزة بألوان زاهية، تحمل رموزًا هندسية تعبر عن الانتماء القبلي والهوية الثقافية.
– الرقصات الشعبية: كالـ”أحيدوس” (Ahidous) في المغرب الأطلسي، أو “الإيزران” (Izran) في منطقة الريف، والتي تتميّز بإيقاعات جماعية تعبّر عن التضامن الاجتماعي.
– القصص والأساطير: يُروى للأطفال قصص عن أغادير (الحصون) أو عن أبطال أمازيغ، ما يُعيد إنتاج الذاكرة الجماعية عبر الأجيال.
– رابعًا: الجماليات البصرية والمكانية:
لا تقتصر الجماليات على الجانب السمعي أو الغذائي فحسب، بل تمتدّ إلى الفضاء البصري المحيط بالاحتفال:
– تُزيّن المنازل بالسجاد المطرّز، وتُعلّق الحليّ الفضية الأمازيغية كتعاويذ تجلب الحظّ.
– تُستخدم الألوان التقليدية: الأحمر (رمز الشجاعة)، الأزرق (رمز السماء والروح)، الأصفر (رمز الشمس والذهب).
– في بعض المناطق، تُنقش رموز مثل “زاوية” (ⵣ) أو “يا” (ⵢ) على الجدران أو الأواني، إشارة إلى الانتماء الأمازيغي.
خامسًا: البُعد الجمالي كأداة مقاومة ثقافية:
في سياق حديث، لم تعد جماليات “يا نّاير” تعبيرًا عن الفرح فقط، بل أصبحت وسيلة مقاومة ثقافية ضدّ سياسات التذويب والطمس الهوياتي التي طالت الأمازيغ طوال عقود. وقد ساهمت الحركات الثقافية الأمازيغية في إعادة إحياء هذا الاحتفال وإعطائه طابعًا رسميًّا، حتى إنّ الجزائر اعترفت رسميًّا بـ”يا نّاير” كعطلة وطنية رسمية منذ سنة 2018.
ومن هنا، يصبح الجمال في “يا نّاير” فعل مقاومة: مقاومة النسيان، مقاومة التهميش، ومقاومة فقدان اللغة والذاكرة. فالاحتفال ليس مجرد طقس، بل هو إعادة تأكيد للوجود.
سادسًا: التحديات والآفاق:
رغم ازدهار الاحتفالات، تواجه جماليات “يا نّاير” تحديات عدّة:
– التمدّد الحضري: الذي يُفقِد الاحتفال طابعه الريفي والجماعي الأصيل.
– الاستغلال التجاري الذي يحوّل الرموز الثقافية إلى سلع استهلاكية.
– الانقسامات الإقليمية: في طريقة الاحتفال، ما قد يؤثر على توحيد الخطاب الثقافي الأمازيغي ، ولذلك، يصبح من الضروري توحيد الرؤية الثقافية حول هذا الاحتفال، ودعمه عبر البرامج التعليمية والإعلامية، لتبقى جمالياته حيّة وفاعلة في صُلب المشهد الثقافي المغاربي.
خاتمة:
جاء الاحتفال برأس السنة الأمازيغية “يا نّاير” تجسيدًا لجماليات عميقة تجمع بين الطبيعة والإنسان، الرمز والواقع، الذاكرة والمستقبل. إنه احتفالٌ لا يُكتفى فيه بالفرح، بل يُبنى فيه المعنى، ويُغذّى فيه الانتماء، ويُعاد فيه تشكيل الهوية. فالجماليات هنا ليست زينة خارجية، بل هي روحٌ تنبض في كلّ تفصيل: في طبق الكسكوس، في صوت الطبل، في نقوش الفضة، وفي نظرة العين التي تقول: “نحن هنا، وما زلنا نحتفل”.
وإذ نحتفي بـ”يا نّاير”، فإنّما نحتفي بإنسانية متجذّرة في الأرض، واعية بتاريخها، ومتفائلة بمستقبلها.





