نبيل التويول – إيطاليا تلغراف
رغم ما راكمه المغرب، خلال ربع قرن من العهد الجديد، من مكتسبات استراتيجية كبرى يصعب إنكارها، سواء في ما يتعلق بتثبيت السيادة الوطنية على الأقاليم الجنوبية وما رافق ذلك من اختراقات دبلوماسية نوعية أعادت تموقع المملكة داخل المنتظم الدولي، أو في ما يرتبط بإطلاق أوراش مهيكلة كبرى غيرت ملامح الاقتصاد الوطني والبنيات التحتية، أو في مجال الرقمنة والإصلاحات المتقدمة في الحقل الديني، فضلا عن الطفرة الرياضية التي توجت بتألق عالمي غير مسبوق، فإن قطاع الصحافة والإعلام، لا يزال يمثل الحلقة الأضعف داخل مسلسل التحديث الشامل الذي يقوده جلالة الملك محمد السّادس نصره الله، ويئن، في كثير من مفاصله، تحت وطأة اختلالات بنيوية عميقة يتداخل فيها المهني بالمؤسساتي، والقانوني بالمصلحي، والأخلاقي بالسّياسي.
فالصحافة المغربية، التي كان يفترض أن تكون رافعة موازية لهذه التحولات الكبرى، وجهازا نقديا يقظا يواكبها ويؤطرها ويمنحها العمق المجتمعي الضروري لاستدامتها، وجدت نفسها رهينة ممارسات تسيء إلى روح المهنة أكثر مما تخدمها؛ من فساد أخلاقي في هيئات التنظيم الذاتي دون فعالية حقيقية، إلى غموض في معايير الاستفادة من الدعم العمومي، مرورا بتسييس النقاشات المهنية، وضعف استقلالية القرار التحريري، وغياب الشفافية في تدبير الخلافات الأخلاقية، وصولا إلى تآكل الثقة بين الصحافي ومؤسساته التمثيلية، وبين الإعلام والجمهور، وهو أخطر ما يمكن أن يصيب جسدا إعلاميا في سياق التحولات الكبرى.
ولا يتعلق الأمر هنا بنفي ما تحقق من مكتسبات قانونية وتنظيمية، ولا بتبخيس جهود الحكومة المغربية في تحديث الإطار التشريعي المنظم للصحافة والنشر، وإنما بتشخيص واقعي يقر بأن النص القانوني، مهما بلغت جودته، يفقد روحه إن لم يفعّل داخل مناخ مهني ديمقراطي، قائم على المحاسبة الذاتية، والاستقلالية، واحترام ذكاء الرأي العام، وهي شروط لا تزال، للأسف، غير مكتملة في التجربة المغربية الراهنة.
ومن هذا المنطلق، يصبح من المشروع، بل من الضروري، أن ينفتح المغرب بجرأة ووعي على التجارب الصحافية الرائدة التي سبقته في بناء صحافة مؤسساتية رصينة، وفي مقدمتها التجربة الإيطالية، التي راكمت، عبر عقود، نموذجا إعلاميا قائما على الرصانة و الإبداع، والتعدد، واحترام القارئ، والفصل بين الصحافة والسلطة، دون السقوط في الشعبوية أو الابتذال، حيث لا ينظر إلى الصحافي كموظف تابع، بل كفاعل ثقافي يتحمل مسؤولية أخلاقية جسيمة تجاه المجتمع، وتجاه الدولة في آن واحد.
إن التجربة الإيطالية لا تختزل في تقنيات التحرير أو أشكال الملكية الإعلامية، بل في فلسفة كاملة تعتبر الصحافة جزءا من الأمن الديمقراطي، ومن الذاكرة الوطنية، وهو ما يحتاجه المغرب اليوم، خاصة وهو مقبل على تنظيم استحقاقات عالمية كبرى، وفي مقدمتها كأس العالم، الذي يعدّ اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة على التنظيم اللوجستي، و نضج صورتها الإعلامية، وقدرتها على مخاطبة العالم بلغة مهنية موثوقة.
وفي هذا السياق، يبرز الدور الاستراتيجي الذي يمكن أن يلعبه مغاربة العالم، ولا سيما المقيمون بالجمهورية الإيطالية، الذين تمكنوا من التألق داخل واحدة من أكثر البيئات الإعلامية الأوروبية تعقيدا وتنافسية، واكتسبوا خبرة مهنية ومعرفية تجعلهم مؤهلين للمساهمة في نقل خبرتهم، وتكييفها الذكي مع الخصوصية المغربية، من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه داخل منظومة إعلامية تحتاج اليوم إلى نفس إصلاحي شجاع.
غير أن تحقيق هذا المبتغى لا يمكن أن يتم بمنطق الترقيع أو عبر إدماج قطاع الصحافة في برامج دعم عامة لا تراعي حساسيته وخصوصيته، بل يقتضي من الحكومة سن برامج دعم مخصصة لإصلاح منظومة الإعلام، تقوم على معايير الشفافية، والجودة، والاستقلالية، وربط الدعم بالمردودية المهنية لا بالولاءات و ” بّوتيط مو ” ، تماما كما هو معمول به في الديمقراطيات الإعلامية الراسخة. كما أن البرلمان مدعو، بدوره، إلى دمقرطة القوانين التنظيمية المؤطرة للقطاع، وملاءمتها مع المعايير الدولية لحرية الصحافة والتنظيم الذاتي، بعيدا عن منطق التحكم أو التضييق غير المبرر على الصحافيين و المدونين.
وفي الآن ذاته، لا يمكن إعفاء المهنيين أنفسهم من مسؤوليتهم التاريخية، إذ يظل تنظيم مناظرة وطنية شاملة حول الإعلام والنشر، بمنطق تشاركي، وبمساهمة كل الفاعلين دون إقصاء، خطوة مركزية لبلورة رؤية جماعية تنقذ المهنة من استنزافها الذاتي، وتعيد الاعتبار لأخلاقياتها ودورها المجتمعي.
وفي هذا الإطار، يبرز موقع إيطاليا تلغراف كمنبر أوروبي دولي أصبح، مع مرور الوقت، مرجعا يحتذى به في مقاربة القضايا المغربية من زاوية مهنية رصينة، قادرة على الجمع بين الدفاع الصريح عن الوحدة الترابية للمملكة، والتحليل العميق للتحولات السياسية والإعلامية، دون مزايدة أو انفعال. ويعد الأستاذ عبد الله مشنون، مدير نشر موقع إيطاليا تلغراف، نموذجا لنجاح مغربي في الأوساط الإعلامية الإيطالية، بفضل حضوره المهني المتميّز، و دوده الدّائم على القضايا الوطنية، إلى جانب نخبة من الكفاءات المغربية الدولية بالخارج، وهو على استعداد كامل لنقل هذه الخبرة الأوروبية إلى أرض الوطن، إذا ما توفرت الإرادة السياسية والمؤسساتية لاحتضانها.
إن إصلاح الصحافة المغربية ليس ترفا فكريا بقدر ما يمثل شرطا بنيويا لاستكمال مشروع تحديث الدولة، لأن دولة بلا صحافة قوية، مستقلة، ومسؤولة، تظل معرضة للفراغ، مهما بلغت قوة إنجازاتها المادية. ومن هنا، فإن الرهان اليوم ليس فقط على إنقاذ قطاع مأزوم، بل على إعادة بناء الثقة بين الإعلام والدولة والمجتمع، في أفق بناء صحافة في مستوى الطّموحات.





