حسن داوود
كاتب لبناني
يبدأ ألان باديو انشغاله باللون الأسود، من تلك الليلة التي كان فيها عريفا أول في الجوقة النحاسية للفرقة الجويّة الثالثة. كان عليه أن يشرف على ليل الفرقة، أي على تهيئتها للنوم، حيث ينبغي أن لا يبقى أثر لالتماع النحاس من آلات العزف، ولا أثر لضوء يأتيه من أي مكان. كان عليه لذلك أن يطفئ الفحم القليل التوهّج في الدلو، وأن يؤمّن ما يكفي من البطانيات ليتقي الجنود العازفون، البرد. كان يهيّئهم ليبدأوا نومهم الأرِق في ذاك السواد. كل شيء انطفأ، والكل تحت الأغطية، وها يَطلع الصوت ناعما وقويّا بأغنية جوني هوليداي الشهيرة: «سواد، سواد في كل مكان، لا أمل بعد اليوم».
في النصّ الثاني من الكتاب، يرينا الراوي، الذي هو الكاتب أيضا، عن لعبة اخترعها ينبغي فيها سدّ كل المنافذ عن الغرفة التي سيلتقي فيها طفلان، يأمران طفلا ثالثا أن يفعل، في ذاك العتم، أيّ شيء يطلبانه. الظلام ينبغي أن يكون شاملا هناك، في الغرفة، إلى حدّ أن ثقب مفتاح الباب يُسدّ بمادّة ما. ولا يذكر الكاتب الراوي للأطفال الخمسة المنتظرين في الخارج بماذا يؤمَر ذاك السجين، أو السجينة، وذلك من أجل أن تعمل مخيّلاتهم على هواها. هذه اللعبة اسمها «أزوف منتصف الليل».
ومتماديا في وصف الليل، يروي كاتبنا عن خوفه من الكلب الأسود، الذي يعترض طريقه كل ليلة في الظلام. لن يعضّه الكلب هذه المرّة، لكنه فعل ذلك في مرّات سبقت، ولم يكن ذلك موجعا، لكنه الخوف من سواد الليل ومن سواد الكلب ونباحه. هو، الصبيّ، يعرف كيف تولّد فيه هذا الخوف الذي «يرجع بلا شكّ إلى ماض بعيد من التخلّي الليلي عن الرضيع الذي كنته». في المدرسة ينازع السوادُ البياضَ على ورقة الامتحان، يحاول أن يملأ تلك الورقة، لكن من دون أن تحصل أخطاء تلطّخها، وإلا ما سينتح منه «ورقة متسخة»، تحول دون أن يظل الأبيض محتفظا بنقائه، ودون أن يظل الأسود منتصرا بسواده. يتذكر الراوي ذاك النزاع الذي كابده أيام دراسته، وهذا لن يحصل لأولاد أتوا من بعده، أولئك الذين يبدأون مع لون رمادي داكن على شاشات الكمبيوتر الرمادية الباهتة». مع العلم أن الكاتب سيثبت لنا في حكايات لاحقة أن الأسود الكامل، الأسود المطلق، ليس له وجود. حين تنظر من زجاج النافذة لتقول للجالسين في الداخل، إن الغيم أسود، نكون نستخدم لغة الإنشاء، أو لغة الشعر، مشيرين إلى لحظات الانحباس الذي يوهَم به كاملا. ذاك لأن لا شيء كامل السواد إلا الفحم. وقد أصاب المثل التشبيهي العربي في قوله «أسود كالفحم»، أو «أسود مثل الغراب»، وها هو الكاتب ينصحنا: «ليس علينا أن نسير خلف الرمادي الداكن في ادعائه المستمرّ بكونه أسود».
متدرّجا في ما سيلي، تبعا لذهابه قدما في العمر، يكتب راويتنا عن انسياقه إلى الفادح أو الشيطاني، أو إلى ما يسميه «القارة السوداء». عن تفتحه الجنسي، وإن ما قبل التفتح الكامل، يحكي عن شراء المجلات المشبوهة، تلك التي ينبغي تغطيتها بجريدة ليحجب غلافها عن نظرات الآخرين. وها هو يذكر بعضا من أسماء تلك المجلّات، «ارتعاشات»، «نشوات» وبدقّة أكبر، وبتأثير متزايد للغة الإنكليزية، «Sexy Girls». «كنا نرى صورا لنساء متعرّيات إلى حدّ كبير أو قليل» ودائما باجتماع الأبيض والأسود أو افتراقهما، «كان العري في الصور مقبولا شريطة ألا يشمل النقاط، أو المواد التي تتمتّع من منظور الرقابة بقيمة استراتيجية: فقد سُمح لنا برؤية الثديين، ولكن من دون الحلمتين. كما لم يُسمح لنا، في أي حال من الأحوال رؤية شعر عانة المرأة أو شعر إبطها. كانت الرقابة تحجب ذاك السواد بتغطيته بالبياض، حاجبة بذلك مجال التخيّل أيضا، وذلك ما تؤدي إليه فداحة العري في زمن بات فيه ذاك السواد محلوقا. ذاك التدرّج التخيّيلي بين الأسود والأبيض أزاله الميل الجديد إلى إباحة مشاهد العري بسهولة أن يضغط الشاب على زرّ لتنهال عليه أعداد لا تحصى من صور العري.وكما هو الشاب المتخيّل، كذلك هو الفنان الذي لا يعرف إلا الاستمرار والمضي في البحث، لا عن الأسود فحسب، بل عما وراء الأسود.
ليصل الكاتب إلى ما وراء الأسود، بحثا في كل شيء، في ألوان الأزياء وفي الدراما والأعمال الفنية والرسم على الجدران، وكذلك الألوان التي تصبغّ أعلام الدول، وأيضا في التناقض في عالم النبات، بين الأخضر الناصع في ورق النبتة، وجذرها الترابي الميّت لكن الصانع هو الحياة. إنه الديالكتيك بين الأضداد، كما بين الخفاء والظهور، وما هو في الأعلى وما هو في الأسفل. كذلك هو حال الكتّيب الجميل الذي مما هو مرئي ومما هو غير مرئي يقيم تنازعا بين كل ضدّين.
*كتاب «الأسود- فلسفة الألَون» لألان باديو نقله جلال بدلة إلى العربية لدار الساقي في 110 صفحات لسنة 2024.





