المختار عنقا الادريسي
مفتش ممتاز للتعليم متقاعد
و خبير دولي في التربية على حقوق الانسان
، والمدير المؤسس لمجلة ” أمل ” للتاريخ والثقافة والمجتمع
كلام للبدء : في الرابع عشر يناير من كل عام أستقبله عامي الجديد ، فلا أجدني ملزما بكتابة هذه الصفحات ، تحت دافع السنين ولا اعتبارا لأنها تأتي من باب التوقف لجرد مامضى من الذكريات ، ولا حتى بحثا عن أي معنى قد يكون متأخرا لما يمكن أن يستعاد . وانما يدفعني لهذا التوقف / الكتابة هنا والان ما هو الا ذاك الاحساس الهادئ والعميق ، بأن الزمن كلما تقدم لا يطلب منا أن نقول أكثر أو نعبر أقل بل أن نصغى أفضل، ولا أن نكثر من الشرح بل أن نجيد التوقف لنحسن الفهم .
وعليه فان هذا الدفتر – الذي أنا بصدد فتح صفحاته – لا ينتمي الى السيرة الذاتية بمعناها التقليدي ولا الى كتابة الاعتراف ولا حتى الى أدب الوصايا . بل هو أقرب الى وقفات تأملية خطرت لي وأنا ببلاد الأندلس – التي حللت بها للاستمتاع – خاصة وأني أقف عند عتبة عمرية تسمح لي بالرؤية من مسافة قريبة من الذات …من التجربة… وحتى من اللغة نفسها . مسافة لا تُقْصِي لكنها تُنَقِّي ولا تلغي ، وتحرص على اعادة الترتيب .
فبعد سبعة عقود ونيِّف من العيش في قلب العمل التربوي التعلمي … الاهتمام بالشأن العام … الالتزام بالواجب الحقوقي والعلاقات الانسانية المتشابكة …التقلب في دنيا العمل الجمعوي والمجلاتي … قد يكتشف المرء أن كثيرا مما قيل ، كان يمكن أن يقال بأقل مما قيل . وأن بعض الصمت
كان أصدق من كل قول طويل ، ويكتشف أن المعنى لا يسكن في كثرة الكلام ، بل في ضرورته . وأن التجربة حين تنضج ، تطلب من صاحبها أن يخفف من حمولته اللفظية لا أن يضاعفها ، كما هو سائد عند الكثيرين.
ولذلك أجدني قد اخترت أن يكون الصمت أحد الخيوط الناظمة للدفتر الذي اعتزمت فتحه أمامكم ، لا بوصفه انسحابا من الحياة أو تراجعا عن المواقف ، بل باعتباره شكلا راقيا من أشكال الوعي . صمت لا يعادي الكلمة بل يحرسها … يوجهها ، ولا يتهرب من دوامة السؤال ، بل يمنحه وقته،
ولا يخفي المعنى بل يتيح له أن يتكشف دون قسر . فالصمت في هذه المرحلة المتقدمة من العمر لم يعد نقصا ، بل هو نتاج طبيعي لخبرة مكتسبة وفضيلة تمارس عن قناعة واقتناع لا عن عجز .
وبذلك يأتي هذا الدفتر في زمن يفيض بالكلام ، ويعاني في المقابل من فقر في الاصغاء . زمن تُستهلك فيه الكلمات بسرعة وتفقد قدرتها على الاقتناع والتأثير ، لأنها لا تقال قبل أن تفهم وتُتَداول قبل أن تُمحص.
لذلك . لا تطمح هذه الكتابة / التوقف لاضافة صوت جديد الى أنشودة الضجيج،
بقدر ماتسعى الى استعادة علاقة أكثر انسجاما مع اللغة وأكثر تواضعا مع الحقيقة . ومن خلاله – التوقف – سيجاور الصمت الذاكرة ، لا لاستدعاء النوستاجيا والحنين،
بل لانصاف التجربة وعقلنتها ، وسيحضر خلاله العمر لا بوصفه عبئا أو امتيازا ، بل لكونه انتقالا طبيعيا من كثافة الفعل ، الى
كثافة المعنى . ويستحضر العلاقات والاختيارات ، لا بروح المحاكمة أو التبرير
أو التشفي ، بل بروح الفهم والمصالحة مع الذات أولا وأخيرا . وخلال كل ذلك سيكون الكلام مسؤولية أخلاقية ، ويغدو الصمت النقدي أحيانا أبلغ بكثير من أي تصريح متعجل . وبالتالي لا ولن يتجه هذا الدفتر التواصلي الى الماضي وحده ، بل أحس على أنه سينفتح بوعي متواضع على ماتبقى من أعوام العمر ، باعتبارها سنوات
لا تستقبل بوهم الوعد الكبير ، ولا بخوف النهايات ، بل برغبة صادقة في أن تعاش ببطء وبانتباه وبحضور أكثر صفاء ، وأمل أوسع في أن الغد سيكون أحسن بكثير .
فالحياة حين تضيق مسافتها الزمنية ، تتسع امكانياتها الوجودية ، شريطة أن نحسن الاصغاء الى ما قاله العمر وستقوله السنين .
وأخيرا فهذا الدفتر ليس خاتمة مسار ، بل هو اعادة ضبط لايقاعاته . وليس اعلان حكمة ، بل اعتراف بأن الحكمة ان وجدت فهي غالبا ماتسكن بين الأسطر … أو في صمت قصير بعد اخر كلمة يمكن أن تقال ،
لأن ماتبقى من العمر لا يسمح بأي استعجال ، بقدر ما يحتاج الى الانصات والتأني .
[ يتبع ]
مدينة Malaga
14 يناير 2026





