إدريس عدار
قبل أيام وقع سوء فهم كبير بين الجولاني وقناة “شمس”، التي يوجد مقرها في كردستان العراق، دفع إلى تخلي القناة عن بث حوار مع “رئيس الأمر الواقع” بدمشق.
قامت حكومة الجولاني ببثه عبر منصاتها، بمبرر حق الجمهور في الاطلاع على هذه المعلومات.
قناة “شمس” لديها ما يبرر التراجع عن بث هذا الحوار. حسب توضيح مدير القناة إيلي ناكوزي فإنه منذ السؤال الأول اكتشف لهجة تصعيدية ضد قسد (قوات سوريا الديمقراطية). ولكن ما المانع مادامت القناة تسأل والجولاني يجيب؟
غير أن القناة تقول إن مستشارين للجولاني هم من طلبوا الحوار، باعتبار أن رئيس الأمر الواقع أراد مخاطبة الأكراد عن طريق قناة كردية.
قناة شمس مقربة من الزعيم الكردي مسعود بارزاني.
وكان هنا اتفاق على أن تكون القناة جسرا يخاطب من خلاله الجولاني الأكراد بخطاب توافقي، وهو ما لم يلتزم به.

يبدو تبرير القناة منطقيا، إذ لا يمكن لقناة أن ترفض بث حوار يعتبر حصريا يخولها سبقا إعلاميا، تسعى إليه كل وسائل الإعلام. زعم المقربون من الجولاني أن هناك تقديرا سياسيا ناتجا عن تهديد قد تكون تعرضت له القناة. من سيهدد قناة في أربيل ومقربة من زعيم كردي من حجم بارزاني؟
الانقلاب في الخطاب، الذي كان مقررا أن يكون وسيلة للتهدئة، هو انقلاب يفوق حتى الجولاني نفسه.
اليوم تعلن هيئة تحرير الشام، المنتحلة لصفة الجيش العربي السوري، تحرير المناطق التي كانت توجد فيها قوات سوريا الديمقراطية. وواقع الحال أن الأمر يتعلق باتفاق تحت إشراف أمريكا، الحاضن للطرفين، بانسحاب قوات مظلوم عبدي إلى الحدود التي كانت تسيطر عليها قبيل سقوط “سوريا الأسد”.
عندما أعلنت فصائل الجماعات الإرهابية عمليات “ردع العدوان” وانسحاب الجيش العربي السوري من عدة مناطق تمددت قسد. اليوم عادت إلى ماكان عليه الوضع.
قبل أيام التقى الطرفان من أجل تنزيل اتفاق 10 مارس الماضي القاضي بإدماج قسد في الجيش الجديد المكون من بقايا الجماعات الإرهابية. غير أن الاتفاق الحالي لا يتحدث عن الشروع في الإندماج ولكن يعين حدودا للطرفين. الحدود تهم الدول. فماذا يجري في سوريا؟
بعد توقيع وثيقة باريس، التي اعتبرناها سابقا أخطر من وديعة رابين الذي رفض الأسد توقيعها، تبين أن “سوريا الجولاني” توجد في مرحلة التقسيم وأن المقص الأمريكي يشتغل على خارطة هذا البلد، وستكون الوحدة شكلية، تبقى للجولاني أو من يحل محله الشام ومحيطها بينما تسيطر قسد على المناطق الكردية وتركيا عن طريق الجماعات الإرهابية التابعة لها على حلب وإدلب و”إسرائيل” على جنوب سوريا فين حين يبقى مصير الشريط العلوي غامضا.
لم يعد الأمر يتعلق بعناصر لم تندمج في جيش الجولاني، ولكن برسم حدود بين طرفين دون تحديد الهدف. لكن في الحد الأدنى لن يكون أقل مما هو في العراق. قد يكون مريحا لأردوغان في هذه اللحظة.
نقرأ في قصاصة إخبارية اليوم:
“وصل إلى أربيل صباح السبت المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم باراك وقائد قوات سوريا الديموقراطية (قسد) مظلوم عبدي لعقد اجتماع بينهما، حسبما أفاد مصدر في رئاسة إقليم كردستان العراق.
وقال المصدر “وصل توم باراك ومظلوم عبدي صباح السبت إلى أربيل”. وأضاف “سيجتمع باراك أولا بالزعيم مسعود بارزاني، ثم سيجتمع على انفراد بمظلوم عبدي، وبعدها ستكون هناك لقاءات مع رئيس إقليم كردستان نيجرفان بارزاني”.
لماذا طار توم باراك بمظلوم عبدي نحو أربيل وليس دمشق؟ إنها لعبة بكل الأوراق في وقت متقارب من أجل إعادة رسم الخارطة الجديدة بعد تقطيعها وفق توزنات جديدة، الخاسر الأكبر فيها أردوغان، الذي كان يعتقد أن التمكين لتنظيم القاعدة من قيادة سوريا سيجعل أمريكا وإسرائيل تسلمان له بالهمينة على هذا البلد. لكن قيل له: شكرا على خدماتك.
ذهاب المسؤول الأمريكي رفقة قائد قسد إلى كردستان العراق هو تذكير بالامتداد الذي يمثله الأكراد في المنطقة، ووجود حلم لدى أجيال الأكراد بدولتهم، وهي رسالة موجهة لأردوغان.
فلا شيء يمنع أمريكا من توجيه الأمر للجولاني وعبدي للجلوس على طاولة المفاوضات والبدء في إدماج سوريا الديمقراطية في جيش الجولاني، لكن وحدة سوريا لنيست مشروعا أمريكيا، وهي التي تنبني عقيدتها على تقسيم الدول حتى تتحكم في ثرواتها، ناهيك عن خدمة قوية قدمها الجولاني وتنظيم القاعدة لإسرائيل بطرد أعدائها من سوريا.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





