سجون تنظيم الدولة وورقة قسد الأخيرة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

وائل علوان
باحث مختص في الشأن السوري.

 

 

وصلت المعارك بين الحكومة السورية و”قسد” إلى مدينة الشدادي، لتعيد فتح ملف لم يطوَ، وتذكر بأمر بالغ الخطورة والأهمية لا يمكن أن ينسى، وهو ملف السجون والمخيمات التي تضم عناصر تنظيم الدولة “تنظيم الدولة” وعائلات قادته وعناصره من نساء وأطفال.

هرب المئات من عناصر التنظيم، بينهم مقاتلون جهاديون أجانب من سجن الشدادي، وقد يصل عدد الهاربين إلى 1500 عنصر، بحسب رواية المسؤولين في “قسد” الذين حملوا المسؤولية في ذلك للحكومة السورية، بينما أكدت الحكومة السورية أن عدد الهاربين من سجن الشدادي 120 عنصرا فقط، ألقي القبض على 81 عنصرا منهم في عملية أمنية واسعة نفذتها القوات الأمنية في المنطقة يوم 19 يناير/ كانون الثاني 2026.

في نفس اليوم الذي أثير الحديث فيه عن سجن الشدادي وهروب من فيه أثارت “قسد” إنذارا بإمكانية هروب العشرات من عناصر التنظيم وقادته من سجن الأقطان شمال مدينة الرقة، بعد أن استعصت فيه مجموعات من “قسد” ومن فلول النظام البائد ورفضوا نقل السجن لحماية الحكومة السورية، كما ينص على ذلك الاتفاق الجديد الذي أعلنه الرئيس السوري أحمد الشرع، يوم 18 يناير/ كانون الثاني 2026.

ملف السجون والمخيمات كان الورقة الأهم التي تضمن لـ”قسد” الأهمية والدعم والدور في الخريطة السورية، وكان الحديث عن إدارة هذا الملف حاضرا في المفاوضات التي استمرت بين الحكومة السورية و”قسد” منذ اتفاقهما في مارس/ آذار 2025 حتى انتهاء فترة تنفيذ الاتفاق دون أن ينفذ نهاية 2025.

خلال المفاوضات التي كانت ترعاها وتديرها الدبلوماسية الأميركية كانت “قسد” تتحفظ على ملف نقل إدارة السجون والمخيمات، وتضع العراقيل أمام تنفيذ هذا البند تحديدا، في مقابل الاهتمام الأميركي الكبير بالتقدم خطوة فيه.

فهل كانت “قسد” تعلم أن ملف السجون والمخيمات سيكون الورقة الأخيرة في يدها حين تفقد باقي الأوراق؟

سجون عناصر تنظيم الدولة ومخيمات عوائلهم
مع معارك التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة، وتحديدا بعد معركة الباغوز في الربع الأول من عام 2019، وهي المعركة الأهم والكبرى والأخيرة، أقامت “قسد”، وهي الشريك المحلي لقوات التحالف الدولي مجموعة من السجون والمعتقلات لمن ألقي القبض عليه من عناصر التنظيم وقادته، وأعادت ترتيب الحماية الأمنية للمخيمات التي تضم العائلات من النساء والأطفال.

مخيمان رئيسيان، كان كل منهما مجتمعا للحفاظ على حاضنة التنظيم واستمرار نشاطه، بعلم “قسد” وإدارتها ذلك، فضلا عما ضمه المخيمان من شبكات الفساد والتهريب والاتجار بالبشر، وإعادة إنتاج الإرهاب والاستثمار به.

الأول؛ مخيم الهول قرب الحدود السورية العراقية، وبالتحديد عند المدخل الجنوبي لبلدة الهول جنوب شرق مدينة الحسكة، وهو التجمع الأكبر -ربما على مستوى العالم- الذي يضم عائلات تنظيم الدولة، وهم موزعون في 9 أقسام (تسمى محليا “فيزات”)، من الأول حتى السابع تضم جنسيات سورية وعراقية، ثم “الفيز” الثامن، وهو الأخطر، يضم شخصيات أجنبية من مختلف الجنسيات، ويسمى “فيز المهاجرات”، وفي المخيم قسم للخدمات يضم ما يقارب 100 محل تجاري.

يبلغ عدد قاطني مخيم الهول عام 2023 أكثر من 51 ألف شخص، نسبة 59% منهم أطفال، و32% منهم نساء، و9% منهم رجال، بينما تشير الإحصائيات إلى أن العدد انخفض بشكل كبير عام 2024 وعام 2025؛ بسبب عمليات نقل وتسلم العائلات وخاصة العراقية، وهروب الكثير، ونقل من يبلغ من الأطفال للمعتقلات.

الثاني؛ مخيم روج قرب المدخل الشمالي لقرية تل أسود بريف المالكية شمال شرق مدينة الحسكة، أصغر حجما من مخيم الهول، ويقسم إلى قسمين منفصلين عن بعضهما:

الأول للفارين من السوريين والعراقيين من تنظيم الدولة والذين استقروا في المخيم منذ تأسيسه عام 2015.
والقسم الآخر لعائلات التنظيم من النساء والأطفال والذين قدر عددهم عام 2023 بما يقارب 3 آلاف شخص، 65% منهم أطفال، و35% منهم نساء، ويتم نقل الأطفال عند بلوغهم سن 12 عاما إلى أماكن احتجاز في محيط المخيم، أو إلى مركز احتجاز خاص يطلق عليه اسم “هيمو” ويقع قرب مدينة القامشلي.
بشكل عام فإن عدد أفراد العائلات في المخيمين (الهول وروج) يقدر منتصف عام 2025 بما يقارب 43 ألف شخص.

عناصر التنظيم وقادته موزعون على سجون ومعتقلات بعضها سري، ويقدر عددهم بما يقارب 9 آلاف سجين، ويقدر عدد السجون الخاصة بعناصر تنظيم الدولة وقادته بـ 24 سجنا، تديرها القوات الخاصة التابعة للأسايش “HAT”، ووحدات مكافحة الإرهاب التابعة لـ”قسد” “YAT”، وأشهر هذه السجون:

سجن غويران: في المنطقة الصناعية ضمن مدينة الحسكة، وهو أكبر السجون، واشتهر بحالات استعصاء السجناء، والهروب والمنظم الجماعي.
سجن الشدادي: يقع شمال شرق مدينة الشدادي في ريف الحسكة الجنوبي، وهو من السجون الرئيسية والكبيرة.
سجن جركين: يقع في مدينة القامشلي، وهو قسمان: الأول السجن القديم في مركز الأعلاف في المدينة، والثاني الجديد، وهو سجن كبير تحت الأرض في نفس الموقع.
سجن ديريك: ويطلق عليه اسم السجن الأسود، ورغم أنه من أكثر السجون حماية وتأمينا فقد اشتهر بعد محاولة الاستعصاء والفرار التي قام بها عناصر تنظيم الدولة في أبريل/ نيسان 2019.
بينما تنتشر باقي السجون الأخرى وهي أقل حجما في الرقة والحسكة ومنها اثنان كانا في دير الزور، وهذه السجون غير مختصة بسجناء تنظيم الدولة، لكنها تحوي أقساما لهم.
وفي عام 2024 وعام 2025 نقلت القوات الأميركية بالتنسيق مع “قسد” السجناء من قادة الصف الأول في التنظيم من السجون العامة أو التي حصلت فيها حوادث، أو يتوقع أن تشهد حوادث مثل سجون الرقة ودير الزور، إلى سجون غالبا هي داخل سوريا، لكنها تخضع لإشراف مباشر من قبل القوات الأميركية.

حارس الوحش: دور “قسد” الذي حاولت الحفاظ عليه
حاولت “قسد” الاستفادة من الوحش الذي تحرس سجونه بمقدار ما يشكل هذا الوحش قلقا إقليميا ودوليا، وهي رغم استثمارها بتنظيم الدولة وعناصره وخلاياه؛ تجنيدا وتوظيفا وتوجيها، ضد خصومها -تماما كما كانوا يفعلون أيضا- فإنها كانت حريصة على دورها في حماية السجون والمخيمات على حد سواء.

الدول المعنية جميعا كانت تزور السجون وبشكل أكبر المخيمات، لا سيما الولايات المتحدة الأميركية، وكانت تكتب لجانها التقارير التي لم تخلُ من التحذيرات، حيث كان واضحا الإهمال المتعمد للسجون والمخيمات بما يجعل التنظيم حيا وقائما فيها.

ومع ذلك لم تكن الدول ذات الصلة قادرة على التعامل مع هذا الملف إلا بما هو عليه، وكانت قوات التحالف الدولي تغض البصر أو ربما فعلا لا تبصر حالة الفلتان التي تتعمدها “قسد” في السجون، فحصلت العديد من حالات الهروب والاستعصاء والمواجهات، الأمر الذي كانت تحظى به “قسد” من خلال زيادة دعمها والاعتماد عليها لضبط الأمر ومنع تكراره.

ويبدو الأمر أخطر في المخيمات التي باتت مجتمعات مغلقة، عاد فيها التنظيم إلى النشاط، مع قدرة عالية على الاتصال الخارجي والتنقل والانتقال داخل سوريا وخارجها عبر شبكات من الفساد التي تشكلت ضمن صفوف القوات المسؤولة عن حماية المخيمات وإدارتها.

الورقة الأخيرة قد تكون اللغم القاتل
بعد سقوط نظام الأسد نهاية عام 2024، استمرت “قسد” باستخدام ورقة حماية السجون والمخيمات التي تضم عناصر التنظيم وقياداته، إلى جانب أوراق أخرى كانت تستقوي بها وهي تفاوض الحكومة الجديدة في دمشق منها سيطرتها على السدود المائية ومرافقها شمال البلاد، ومنها السيطرة على معظم حقول النفظ والغاز في محافظات الرقة ودير الزور والحسكة، ومنها الاستقواء العسكري والأمني بالواقع الميداني الذي كانت ترسمه خرائط النفوذ والسيطرة خلال عام 2025.

لم تستفد “قسد” من أوراق القوة هذه سياسيا، ولم تفهم حقيقة الموقف الأميركي بشكل خاص وحقيقة الموقف الإقليمي والدولي بشكل عام، والذي وجد الانتقال السياسي في سوريا فرصة عظيمة للانتقال من استقرار سوريا إلى استقرار المنطقة بما يحقق مصالح الغرب وحلفائه الإقليميين.

مضى عام 2025 دون أن تنفذ “قسد” اتفاق مارس/آذار، ودون أن تبدي أي مرونة ليس فقط مع الحكومة السورية، وإنما مع الولايات المتحدة الأميركية التي تقود التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة، والتي كانت تريد أن تضمن تنسيق “قسد” مع الحكومة السورية على الأقل في ملف مكافحة التنظيم أو أنه في صدارة الأولويات، خاصة بعد انضمام سوريا بحكومتها الشرعية للتحالف الدولي، الأمر الذي كانت واشنطن بحاجة إليه، ولم يكن ممكنا فترة نظام الأسد.

في المقابل عملت “قسد” على احتواء فلول نظام الأسد وإيجاد مساحة تحرك ونشاط لهم في شمال شرق سوريا، بما يقوض الاستقرار الذي تعمل عليه الحكومة السورية، وتدعمه الإدارة الأميركية.

ومع انتهاء المدة المقررة لتنفيذ اتفاق مارس/آذار واستفزاز “قسد” الحكومة السورية مما اضطرها لخيار لم تكن تريده، تسارعت الهزائم التي منيت بها “قسد”، وظهر الخلل الداخلي في صفوفها تماما كما حصل مع نظام الأسد بعد معارك ردع العدوان.

فقدت “قسد” كل أوراق القوة التي كانت تعتمد عليها، وخسرت مكتسباتها السياسية بالانهيار الميداني، لتلوح بالورقة الأخيرة التي ظنتها لا تزال بيدها، وهي ورقة حماية السجون والمخيمات، وعمليا هذه الورقة نجحت الحكومة السورية في أخذها نظريا وكانت تنسق مع الولايات المتحدة لاستلامها، بيد أن التهديد بها من قبل “قسد” بهذا الشكل سيأتي بعكس ما ترجوه “قسد” وتتوقعه.

فإطلاق عناصر التنظيم الخطر لن يجعل قوات التحالف تقنع بضرورة الحفاظ على “قسد” حاميا لهذا الوحش المكبل، بل سيجعل قوات التحالف تتدخل بشكل مباشر لأخذ المفاتيح وتسليمها للجهة الشرعية التي لا يتوقع منها استغلال هذا الملف بهذه الطريقة المزعجة.

وخلاصة القول: إن ملف حماية سجون عناصر تنظيم الدولة ومخيمات عائلاتهم لم تقم به “قسد” بالشكل الأفضل بالنسبة للفاعلين الإقليميين والدوليين، لكن مع نظام الأسد المارق لم يكن أمام هؤلاء الفاعلين بديل، ومع الانتقال السياسي في سوريا وتسلم حكومة موالية للتحالف الدولي، بل أصبحت جزءا منه، فإن هذا الدور لـ”قسد” قد انتهى، ومحاولة الضغط به ستفقدها دور المساهم أو الشريك مع الحكومة السورية في إدارة هذا الملف.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...