عبد القادر الفرساوي
في مساء شتوي كثيف، كان الأفق ملبدا بغيوم لا تمطر، كأنها تحبس شيئا في صدرها. عند تخوم آدموز، حيث تمتد السكة مستقيمة كقسمٍ قُطِعَ على الدقة، كان الزمن يمضي واثقا من نفسه… إلى أن تعثر فجأة. هناك، لم يتوقف القطار فقط، بل توقفت فكرة الأمان ذاتها.
داخل العربات، كانت الحياة تمارس عادتها الصغيرة: يد تعبث بالهاتف، رأس يستند إلى الزجاج، طفل يسأل عن موعد الوصول، وامرأة تُعد الأنفاس بين محطتين. لم يكن أحد يعرف أن الثواني المقبلة ستُسقط الأشياء من أسمائها، وأن الرحلة ستتحول من خط مستقيم إلى فوضى من الصراخ والحديد.
ثم وقع الاصطدام.
صوت لم يشبه أي صوت آخر؛ مزيج من هدير مكتوم وانكسار مفاجئ، كأن الأرض نفسها ارتجفت. اندفع الحديد على الحديد، لا رحمة في السرعة حين تفلت من عقلها، ولا مجال للتفكير حين تتشابك العربات كأجساد فوجئت بالموت. في عشرين ثانية فقط، تهشمت الطمأنينة، وانقلب الداخل خارجا، وصار السقف أرضا، والمقاعد حطاما، والوجوه بلا اتجاه.
في العتمة، تعالت الأصوات: أنين خافت، صراخ حاد، نداءات بأسماء لم يجبها أحد. دم على الزجاج، حقائب مفتوحة كأسرار انكشفت فجأة، وأحذية بلا أصحاب. كان الخوف كثيفا لدرجة يمكن لمسها، وكانت الدقائق تمر بطيئة، ثقيلة، كأنها لا تريد أن تصل إلى النهاية.
وحين وصل أهل آدموز، لم يحملوا معهم تفسيرا، بل حملوا قلوبهم. خرجوا من بيوتهم كما يخرج المرء إلى صلاة طارئة: بلا أسئلة، بلا تردد. نساء يلففن الجرحى بالبطانيات، رجال يكسرون الصمت بالمصابيح والنداءات، وأيد ترتجف وهي تقدم الماء لمن لم يعد يعرف إن كان حيا أم في الطريق إلى الغياب.
مع انبلاج الصباح، بدا المشهد أكثر قسوة. عربات مقلوبة على خاصرتها كحيوانات نحرت فجأة، سكة ملتوية كأنها اعتذرت متأخرة، ومسافة ستمئة متر بين قطارين… لكنها كانت مسافة عمر كامل بين ما كان يجب أن يحدث وما حدث فعلا. الأرقام التي أعلنتها الأخبار لم تكن أرقاما، بل بيوتا ستبقى أبوابها نصف مفتوحة، وهواتف ستظل ترن بلا جواب.
هنا، لا يكفي أن نسأل عن السبب التقني، ولا أن نكتفي بلغة التحقيق الباردة. فالحادث لم يكشف خللا في الحديد فقط، بل في وهم السيطرة ذاته. لقد علمنا أن السرعة حين تُقدَّم على الحذر، تحول التقدم إلى كمين، وأن الإنسان، مهما أحاط نفسه بالأنظمة، يبقى هشا أمام خطأ واحد لا يدار كما يجب.
ستُصلَح السكة، وستزال العربات، وستعود القطارات إلى الجري بثقة جديدة في البيانات. لكن ثمة ما يجب ألا يُزال: صورة تلك الوجوه في العتمة، وصوت النداء الأول، وسؤال ثقيل يرافق كل رحلة قادمة:
هل تعلمنا حقا من تلك العشرين ثانية؟
في آدموز، انكسرت الرحلة…
ولا يليق بنا أن نصلح الحديد ونترك الوعي مكسورا.





