توفيق شومان
كاتب وصحافي لبناني.
يضربون الأخماس بالأسداس في بيروت، ويتساءل أهل السياسة عن تبعات مرحلة ما بعد إسدال الستار عن قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في شمال شرقي سورية، وما نصيب لبنان منها، وكيف سيكون شكلها ونوعها؟ وعلى عادة اللبنانيين في الانقسام حيال كل حادثة وواقعة، فقد تعدّدت قراءاتهم لاختلاف الزوايا التي تنطلق منها هذه القراءة أو تلك، إلا أن تعدّد مشارب القراءات ونتائجها لم يُلغِ التقاطعات المشتركة التي فرضت نفسها على من يصنع القرار السياسي في لبنان أو يصوغ الرأي العام.
التقاطع الأول عنوانه الفيدرالية؛ إذ بعدما اشرأبَّت أعناقٌ سياسيةٌ مطالبةً بالفيدرالية في سورية إثر التحوّلات العميقة بعد 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، ابتداءً من الجنوب السوري ومروراً بطروح “قسد” ووصولاً إلى الساحل، داعبت تلك المطالبة أحلاماً قديمةً في لبنان، فأخرجتها من سبات نومها إلى السجالات العلنية في الأندية السياسية والثقافية ووسائل الإعلام المختلفة، حتى بدت الفيدرالية مشروعاً مستحسناً لدى فئات وأطراف لبنانية كانت، إلى وقت قريب مضى، تسلك مسلك الغلاة في مواجهة الطرح الفيدرالي الذي نادت به على استحياء أحزابٌ مصنّفةٌ في دائرة اليمين السياسي عقب اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية العام 1975.
ومع النوازل العسكرية التي أحاقت بـ”قسد”، تراجعَ الرجاءُ الفيدرالي لدى أصحابه في لبنان، وعلا منسوب الخيبة. فالنموذج السوري “المفدرل” كان يمكن أن يتحوّل مرآةً عاكسةً لمصير لبناني مشابه. وبما أن النموذج المذكور قد انتكس (ونكص)، فشظايا انتكاسه أصابت المشروع نفسه في لبنان. وحين يقال انتكاسة وليس سقوطاً، فلأن العين السياسية تبقى محدّقة بمصير محافظة السويداء السورية، وعمّا إذا كان التحاقها بدمشق، بالمفاوضات والتسويات المحلّية والإقليمية والدولية، يُبعد مشروع الفيدرالية عن سورية، أم أن هذه المحافظة ستمضي نحو سبيلها الفيدرالي الخاص (أو انفصالها)، ممّا لا يؤدّي إلى قطع شرايين الأمل لدى الفيدراليين اللبنانيين.
النموذج السوري “المفدرل” كان يمكن أن يتحوّل مرآةً عاكسةً لمصير لبناني مشابه
والتقاطع الثاني مضمونه يقوم على احتمال دخول دولة الاحتلال الإسرائيلي في خطّ المواجهة بين الإدارة السورية الجديدة وقوات “قسد”. وهذا الاحتمال ارتفعت وتيرته القلقة بعد تصريحات للقيادية في “قسد”، إلهام أحمد، قالت فيها إن تنظيمها منفتح على تلقّي الدعم من إسرائيل (راجع أيضاً مواقف قديمة لإلهام أحمد: “العربي الجديد”، 2/2/2025)، فيما طالب رفيقها سيبان حمو تلَّ أبيب بأن تستنصر “قسد” وتغيثها كما فعلت في محافظة السويداء. ولو تحوّل هذا الاستنجاد واقعاً، فالتداعيات التي قد تضرب لبنان تكمن في قدرته على أن يتحمّل أثقال المواجهة الإسرائيلية – التركية، مهما كان نوعها؛ ذلك أن الدخول الإسرائيلي إلى خطوط الاشتباك بين دمشق و”قسد” يعني انتقال الصراع على سورية بين إسرائيل وتركيا إلى حدود الصدام المباشر. ومثلما يقول الإسرائيليون إن الأتراك غدوا على “حدودهم” بعد المتغيّرات في المشهد السوري قبل عام وقليل، سيقول الأتراك إن الإسرائيليين باتوا على حدودهم من خلال مساعدة “قسد”.
وعند هذا التحديد، يتساءل بعض أهل السياسة في لبنان: لو غامرت إسرائيل وتمدّدت بطريقة من الطرق إلى شمال شرقي سورية، ألا تصطدم رؤيتها القائمة على حماية الأقليات السورية مع الرؤية التركية المتناقضة مع أشكال الحماية تلك، خشية تسلّلها أو عبورها إلى الداخل التركي الذي يماثل جاره السوري في بعض مكوّناته الأهلية؟ وإذ تتفاوت الإجابات اللبنانية على هذا التساؤل المحلّي، إلا أن جامعاً يجمعها هو القلق، ويليه الخوف، ولذلك يستعيذون بالله.
يبقى التقاطع الثالث، ولا يختلف حوله المتخاصمون ولا المتنازعون، ولو أن كل فئة تنظر إليه من منظورها الخاص. وخلاصته أن الماحقات النازلة على بنية “قسد” العسكرية وطموحاتها السياسية هي، بصورة ما، من ثمار التقاربات والمقاربات الإقليمية والدولية التي أعطت سلفاً دمشق أوراقاً رابحة وميزة تفضيلية حاسمة في المناطق التي كانت خارجة عن سلطتها. فما المقابل الذي ستعطيه دمشق؟
الدخول الإسرائيلي إلى خطوط الاشتباك بين دمشق و”قسد” يعني انتقال الصراع على سورية بين إسرائيل وتركيا إلى حدود الصدام المباشر
وعلى هذا التساؤل، تأتي الإجابة المحصورة والمقيّدة بالجنوب السوري، ولكنّها مرتبطة عضوياً في سلسلة اللقاءات السورية – الإسرائيلية الهادفة إلى التوصّل إلى تفاهمات أو ترتيبات أمنية واقتصادية وسياسية بين دمشق وتل أبيب. وبمعزلٍ عن حواصل تلك اللقاءات، فقطار التفاوض السوري – الإسرائيلي لا تبدو مكابحه ضاغطة على عجلاته بغية إيقافه، كما هو ظاهر. ولذلك يرجّحون في بيروت استمرار مضي القطار حتى يبلغ شوطه الأخير. ومن هذه الخلاصة يطلُّ هذا التساؤل: هل من علاقة بين الدهر الذي دار على “قسد” وبين تسوية مُحاكة أو قيد الحياكة في المسار السوري – الإسرائيلي؟ وبما يفضي في النهاية إلى إنتاج تسوية ثنائية عنوانها “النموذج السوري”؟
في الماضي، قيل كثيرٌ عن “وحدة المسار والمصير” بين لبنان وسورية. وعلى ما يقال حالياً في بيروت، إن متابعة الآثار الناجمة عن إخراج “قسد” من المعادلة السورية تفترض عدم عزلها عن الجنوب السوري وتطوّراته المرتقبة، فالسياسة لا تعرف المجانية ولا الهبات ولا النثريات. وذلك كلّه يستدعي تساؤلاً لبنانياً عما إذا كانت المرحلة المقبلة (وربما العاجلة) ستشهد إعلان تسوية سورية إسرائيلية ما، يسميها اللبنانيون “النموذج السوري”، وبعده سيُطلب من بيروت أن تحاكي هذا النموذج: فإما أن تتقبّل ما يأتيها من الناحية الدمشقية أو تواصل إسرائيل جنونها المفرط.
وبين هذين الخيارين يقف اللبنانيون عند منعطف الانتظار ويسألون: ماذا بعد “قسد”؟ ما مستقبل محافظة السويداء؟ هل فعلاً ثمة “نموذج سوري” قيد الظهور والبروز؟ ولو ظهر وبرز، كيف ستكون تداعياته على لبنان؟… من يجيب على التساؤلات اللبنانية؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





