مينيسوتا في وجه الشعبوية: حين تتحوّل المواطنة إلى فعل مقاومة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

محمد شعيب
باحث في الفكر الإسلامي، رئيس مركز بيان للأبحاث في أميركا

 

 

في لحظات الاستقطاب الحاد، لا تقاس قوة الدول بخطاب قادتها، بل بسلوك مجتمعاتها عندما تختبر القيم تحت الضغط.

ما جرى في ولاية مينيسوتا خلال الأسابيع الأخيرة “في ظل تصاعد الحضور الفدرالي واستهداف الجالية الصومالية بخطاب أمني وسياسي مشحون” تحول سريعا من ملف إداري إلى اختبار وطني لمعنى العدالة، وحدود السلطة، وقدرة الديمقراطية الأمريكية على حماية نسيجها الاجتماعي.

فبدل أن تنجح السردية الفدرالية في تصوير الحملة بوصفها معركة ضد الاحتيال والهجرة غير الشرعية، انقلب المشهد رأسا على عقب.

اصطف المجتمع المحلي “بمختلف أعراقه وأديانه” إلى جانب جيرانه الصوماليين، لا بدافع أيديولوجي، بل بدافع أخلاقي بسيط: رفض الاستهداف الجماعي، ورفض تحويل إنفاذ القانون إلى أداة ترهيب سياسي. هكذا، لم تعد المواجهة بين الدولة ومخالفي القانون، بل بين سلطة فدرالية مستعجلة، وولاية قررت الدفاع عن كرامتها المدنية.

في شوارع مينيسوتا، ظهرت أمريكا أخرى، نادرا ما تحظى بالاهتمام في زمن الشعبوية. مواطنون بيض- نساء ورجال- تطوعوا لحماية مساجد ومؤسسات اجتماعية، من الفجر حتى الليل، في صمت وهدوء.

لم ترفع شعارات، ولم تطلق هتافات، لكن الرسالة كانت واضحة: “هؤلاء جيراننا”. هذه المبادرات، التي وصفتها منظمات حقوقية بأنها شكل من “الحماية المجتمعية غير المسلحة”، لم تكن تحديا للدولة، بل تصحيحا أخلاقيا لمسارها.

وتكرر المشهد أيام الجمعة، حين اصطف سكان الولاية حول المساجد أثناء الصلاة، في برد قارس وثلوج كثيفة، في تقليد أمريكي قديم لحماية دور العبادة في أوقات التوتر. لم يكن ذلك دفاعا عن دين بعينه، بل عن مبدأ دستوري: أن العبادة حق، وأن الخوف لا ينبغي أن يحكم الفضاء العام.

هذا التحول أربك الإدارة الفدرالية سياسيا. فبدل إخضاع الولاية، وجدت نفسها في مواجهة تضامن شعبي واسع، ما أدى إلى تصدع داخلي في المعسكر الجمهوري نفسه.

تحذيرات من شخصيات بارزة- منها السيناتور تيد كروز- عكست إدراكا متأخرا بأن الجمع بين ضغوط الاقتصاد، وسياسات الهجرة القسرية، وقمع الاحتجاجات، قد يقود إلى خسارة سياسية واسعة في الكونغرس، لا إلى نصر انتخابي.

أما الجالية الصومالية، التي استقرت في مينيسوتا منذ أوائل التسعينيات هربا من الحرب، فلم ترَ في هذا التضامن استثناء غريبا. فقد بنت علاقتها بالولاية عبر المدارس، والنقابات، والمجالس المحلية، على قاعدة واضحة: سيادة القانون، وتكافؤ الفرص، والاحترام المتبادل.

لذلك، حين جاءت المحنة، لم تكن وحدها، ولم تتعامل معها بعقلية الضحية، بل بروح المواطنة المتبادلة، فبادرت بدورها إلى الوقوف مع ضحايا العنف من غير أبنائها، مؤكدة أن الانتماء مسؤولية مشتركة.

ما تكشفه تجربة مينيسوتا يتجاوز حدود الولاية. إنها تذكير بأن القانون بلا عدالة يتحول إلى قوة عمياء، وأن الأمن القائم على استهداف الجيران يقوض الثقة، ولا يبني دولة. في زمن تستخدم فيه أجهزة الدولة الثقيلة لإدارة الخوف، اختارت مينيسوتا أن تعيد تعريف القوة بوصفها قدرة على الاحتواء، لا الإقصاء.

من إنفاذ القانون إلى صدام الفدرالية: احتجاج الشارع ودعوى كيث إليسون
في سابقة لافتة في تاريخ ولاية مينيسوتا الحديث، أعلن المدعي العام للولاية كيث إليسون رفع دعوى قضائية ضد وزارة الأمن الداخلي الأمريكية؛ احتجاجا على ما وصفه بـ”التدفق غير القانوني وغير المبرر لعناصر إنفاذ القانون الفدراليين” إلى الولاية.

لم يكن بيان إليسون إجراء قانونيا تقنيا فحسب، بل حمل دلالات سياسية ودستورية عميقة، إذ اعتبر أن ما يجري يتجاوز حدود إنفاذ القانون إلى استهداف مباشر لولاية تعرف بتنوعها العرقي والثقافي، وبخيارها الديمقراطي، وباختلافها العلني مع سياسات الحكومة الفدرالية الحالية.

من وجهة نظره، فإن تحويل مينيسوتا إلى ساحة انتشار أمني كثيف، دون تهديدات محددة أو مبررات قانونية واضحة، يشكل خرقا صريحا للدستور، وتجاوزا لحدود السلطة الفدرالية، وتوظيفا للأمن في معركة سياسية وأيديولوجية.

بهذا المعنى، لم تعد القضية تتعلق بإجراءات أمنية مؤقتة، بل بسؤال جوهري حول توازن السلطات، وحدود الفدرالية، ومن يملك حق تعريف “الأمن” و”الخطر”.

جاء هذا التصعيد القانوني في سياق اجتماعي شديد التوتر، عبرت عنه جلسة الاستماع في بلدية مينيابوليس، التي تحولت إلى مرآة لقلق مجتمع بأكمله.

إحدى الممرضات الأمريكيات وقفت باكية أمام الحضور، قائلة إنها لم تعد تشعر بالأمان لا في منزلها ولا في مكان عملها، وإن الخوف بات يرافق أطفالها حتى داخل المدارس.

عبارتها كانت موجزة وصادمة: «أشعر برعب شديد؛ لأنني لست بيضاء، رغم أنني ولدت في مينيسوتا». لم تكن هذه شهادة فردية معزولة، بل تعبيرا مكثفا عن شعور آخذ في الاتساع، بأن الانتماء الوطني لم يعد يقاس بالمواطنة والقانون، بل باللون والاسم والخلفية.

في الشارع، كانت الصورة أكثر حدة. تواصلت الاحتجاجات الشعبية في مدن الولاية؛ رفضا لعسكرة الفضاء العام، واحتجاجا على الانتشار المكثف لعناصر الهجرة والجمارك القادمين من خارج مينيسوتا.

ومع كل دفعة جديدة من القوات الفدرالية، تعزز الإحساس بأن الولاية تعامَل كمنطقة “مشتبه بها”، لا كجزء أصيل من الاتحاد. هذا المناخ المشحون فتح الباب أمام محاولات عنصرية صريحة، استهدفت الجالية الصومالية على وجه الخصوص، بوصفها إحدى أكبر وأقدم الجاليات في الولاية.

بلغ هذا المسار ذروته بمحاولة حرق المصحف الشريف قرب مبنى بلدية مينيابوليس، في فعل رمزي بالغ الخطورة، لا يستهدف دينا بعينه فقط، بل يسعى إلى تمزيق النسيج الاجتماعي ودفعه نحو الاستقطاب والعنف. غير أن المفارقة اللافتة تمثلت في رد فعل المجتمع المحلي.

فالدعوة التي أطلقها المؤثر الأمريكي جيك لانغ، ذو الخطاب العنصري، فشلت فشلا ذريعا، بعدما حاصرها سكان مينيسوتا أخلاقيا وشعبيا، من مختلف الخلفيات الدينية والعرقية، وأجبروه على الانسحاب والفرار.

لم يكن هذا الإخفاق نتيجة تدخل أمني، بل ثمرة إرادة مجتمعية واعية، رفضت أن تختطف هوية المدينة أو تزج قسرا في مربع الكراهية. وهو مشهد أعاد التذكير بأن قوة مينيسوتا الحقيقية لا تكمن في كثافة الزي الرسمي أو انتشار السلاح، بل في رسوخ قيم التضامن المدني، وفي وعي مجتمعها بأن العنصرية، مهما علا صوتها، تبقى هامشا هشا حين تواجه أغلبية أخلاقية صلبة.

ما يجري اليوم في مينيسوتا يتجاوز حدود الولاية، ويطرح سؤالا أمريكيا أوسع: إلى أي مدى يمكن توظيف أجهزة إنفاذ القانون الفدرالية في صراعات سياسية وثقافية داخلية؟ وهل يسمح للدولة، باسم الأمن، أن تنتج الخوف بدل الطمأنينة، وأن تشعر مواطنيها بأنهم غرباء في بيوتهم؟

دعوى كيث إليسون ليست مجرد معركة قضائية، بل هي اختبار حقيقي لقدرة النظام الفدرالي الأمريكي على تصحيح مساره، وحماية التعددية التي طالما قدِمت بوصفها أحد أعمدة التجربة الأمريكية.

حين انقلبت الرواية: مقتل رينيه نيكول غود وأليكس بريتي

جاء مقتل رينيه نيكول غود ليقلب المشهد في مينيسوتا رأسا على عقب، وينزع عن الأزمة طابعها التقليدي بوصفها قضية “هجرة” أو “أقليات” فقط.

ففي 7 يناير/كانون الثاني 2026، قُتلت غود “امرأة بيضاء (37 عاما)، وأم لثلاثة أطفال” برصاص عنصر من إدارة الهجرة والجمارك (ICE) خلال عملية في جنوب مينيابوليس. خلال ساعات، تحولت قصتها إلى مرآة تعكس انقساما وطنيا أعمق: ليس حول ملابسات الحادثة فحسب، بل حول معنى السلطة، وحدود القوة الفدرالية، ومن يملك حق تعريف “التهديد”.

الرواية الفدرالية قالت إن الضحية حاولت دهس عناصر الأمن، لكن شهادات شهود عيان ومقاطع مصورة متداولة على نطاق واسع قدمت سردية مختلفة، تشير إلى محاولة انسحاب دون تهديد وشيك.

لم يكن هذا التناقض تفصيلا إجرائيا، بل لحظة كاشفة لانفصال متزايد بين خطاب واشنطن والسردية المحلية التي تتشكل داخل المدن والأحياء. وهنا انقلبت المعادلة السياسية: من ملف يقدَم بوصفه استهدافا لجاليات مهاجرة، إلى مواجهة مفتوحة بين ولاية كاملة والسلطة الفدرالية. مطالبة عمدة مينيابوليس وحاكم مينيسوتا بتحقيق مستقل لم تكن إجراء بروتوكوليا، بل تعبيرا صريحا عن تآكل الثقة في الرواية الرسمية.

ثم جاءت حادثة مقتل أليكس جيفري بريتي (37 عاما) في 24 يناير/كانون الثاني 2026 برصاص عملاء فدراليين أثناء احتجاجات ضد حملة إنفاذ الهجرة في مينيسوتا لتعمق هذا التحول الخطير.

فبريتي لم يكن مهاجرا غير نظامي، ولا شخصية هامشية، بل ممرض عناية مركزة في مستشفى شؤون المحاربين القدامى- أحد أكثر القطاعات حساسية وإنسانية في الدولة الأمريكية.

عند هذه النقطة، لم يعد ممكنا فهم ما يجري ضمن إطار “إنفاذ قوانين الهجرة” أو “مكافحة الاحتيال”. بل بات يتشكل نمط تصعيد فدرالي يعيد تعريف العلاقة بين الحكومة المركزية والولايات، وينقل المواجهة من خطاب يستهدف جاليات بعينها- وفي مقدمتها الجالية الصومالية- إلى استهداف مؤسسات الولاية نفسها، والعاملين في قطاعاتها الحيوية.

وهنا تتقاطع القضيتان بوضوح. فاتهامات الاحتيال المالي التي ظللت بها مينيسوتا سقطت رسميا بعد تقرير مراكز خدمات الرعاية الطبية (CMS) الذي أكد نزاهة برامج الولاية. لكن بدل أن يؤدي ذلك إلى مراجعة الخطاب، جاء التصعيد الأمني ليكشف عجزا سياسيا عن الاعتراف بفشل السردية الاتهامية، واللجوء بدلا من ذلك إلى منطق القوة والردع.

الدلالة الأعمق لا تكمن في حادثتين مأساويتين، بل في مسار بنيوي آخذ في التشكل: انتقال أدوات الدولة الفدرالية من الرقابة القانونية والمالية إلى الضغط الأمني المباشر، ومن مساءلة البرامج إلى مساءلة الولايات ذاتها.

في هذا السياق، تبدو مينيسوتا- بنموذجها القائم على الشفافية، والتدقيق الصارم، والشراكة مع المجتمع المدني- وكأنها تعاقَب على نجاحها لا على فشلها. وحين تثبت الأرقام نزاهة البرامج، يصبح الصدام سياسيا لا تقنيا، وتتحول الولاية إلى ساحة اختبار لحدود السلطة الفدرالية.

ما يجري اليوم يفتح نقاشا وطنيا لا مفر منه حول معنى العدالة، وحدود إنفاذ القانون، وخطر شيطنة مجتمعات كاملة عبر خطاب “الاحتيال” و”الأمن”. وفي قلب هذا الجدل، تبرز الجالية الصومالية- لا كمتهمة- بل كجزء أصيل من نسيج اجتماعي أثبت، بالمؤسسات والوقائع، أن مينيسوتا تدار بالقانون لا بالاشتباه، وبالبيانات لا بالسرديات الجاهزة.

سردية “الاحتيال” أمام الأرقام: ماذا قال تقرير CMS عن ميديكيد؟
كشفت المراجعة الفدرالية الأخيرة الصادرة عن مراكز الرعاية الطبية والخدمات الطبية (CMS) في 23 يناير/كانون الثاني 2026 معطى حاسما في الجدل الدائر حول نزاهة برامج الدعم في ولاية مينيسوتا، إذ أكدت أن معدل المدفوعات غير الصحيحة في برنامج ميديكيد لا يتجاوز 2.1%، وهو رقم يقل بكثير عن المتوسط الوطني البالغ 6.1%.

هذه النتيجة لم تصدر في سياق دفاع سياسي أو ضغوط إعلامية، بل جاءت ضمن تدقيق فدرالي إلزامي يستند إلى مراجعة تفصيلية للفواتير الطبية ومقارنتها بالسجلات الصحية للتحقق من دقتها.

والأهم أن البيانات التي بني عليها التقرير جمعت قبل بدء تنفيذ الإصلاحات الأخيرة في الولاية، ما يمنح النتائج مصداقية إضافية، ويؤكد أن منظومة الرقابة الداخلية في مينيسوتا كانت بالفعل أكثر صلابة من نظيراتها في معظم الولايات الأمريكية، رغم التهديدات الفدرالية بحجب تمويل سنوي يصل إلى ملياري دولار بذريعة نزاهة البرامج.

وفي مقابل هذا التقييم الإيجابي، لم تتعامل سلطات مينيسوتا مع التقرير باعتباره نهاية المطاف، بل اعتبرته نقطة انطلاق لتعزيز منظومة النزاهة والحوكمة.

فقد أكدت المفوضة المؤقتة لإدارة الخدمات الإنسانية، شيرين غاندي، أن أي نسبة خطأ- مهما كانت ضئيلة- غير مقبولة، وأن الولاية ماضية في تحويل مينيسوتا إلى نموذج وطني في منع الاحتيال واكتشاف الأخطاء.

ومن هذا المنطلق، شرعت الولاية منذ خريف 2024 في تطبيق حزمة واسعة من الإجراءات الوقائية والتصحيحية، شملت تحديد خدمات عالية المخاطر:

تشديد شروط الترخيص.
إجراء تدقيقات ميدانية.
وقف برامج ثبت سوء استخدامها.
مراجعات قبل الدفع.
وإعادة اعتماد مزودي الخدمات.
ويعد هذا التقرير أول دليل رقمي موثوق خلال العام الماضي يحدد نطاق الأخطاء الفعلية في برنامج ميديكيد، ضمن مراجعات دورية تفرضها قوانين أقرها الكونغرس عام 2019، ما يجعل منه أداة مركزية ليس فقط للدفاع عن نزاهة الولاية، بل لترسيخ ثقافة مؤسسية تقوم على الشفافية والتطوير المستمر بدل الاكتفاء برد الاتهامات.

انتخابات 2026: كيف تتحول الأزمة إلى استفتاء على الدولة والمواطنة؟
تدخل الولايات المتحدة انتخابات 2026 النصفية وهي عند مفترق سياسي واجتماعي نادر في تاريخها الحديث. فهذه الانتخابات لم تعد مجرد سباق لتجديد نصف مقاعد الكونغرس أو اختيار حكام ولايات، بل تحولت إلى لحظة محاسبة وطنية شاملة: محاسبة للاقتصاد كما يعيشه الناس يوميا، ولطريقة إدارة الانقسام الحاد، ولصلابة المؤسسات أمام الشعبوية، بل ولمعنى المواطنة ذاته في بلد يتأرجح بين الخوف من المستقبل والحنين إلى ماضٍ متخيل.

ولهذا، لا تبدأ انتخابات 2026 فعليا في نوفمبر/تشرين الثاني، بل من 3 فبراير/شباط القادم مع انطلاق الانتخابات التمهيدية، في ماراثون سياسي طويل يعكس عمق أزمة بنيوية أكثر مما يعكس حيوية ديمقراطية تقليدية.

خلال هذا الامتداد الزمني، يتراجع تأثير البرامج الانتخابية المكتوبة، ويحل محلها معيار أكثر مباشرة: التجربة المعيشية. ما يدفعه المواطن في متجر البقالة، وما يثقل كاهله من إيجار وتأمين صحي، وما يسمعه من نبرة سياسية مشحونة، باتت كلها عوامل تصويت أقوى من أي خطاب أيديولوجي.

انتخابات 2026 هي، قبل كل شيء، انتخابات الاقتصاد والمعيشة. فالناخب لا يصوت لمؤشرات مجردة، بل لذاكرته اليومية، ولسؤاله البسيط: هل الدولة تقف إلى جانبي أم تراقبني من بعيد؟

في هذا السياق، يدخل الحزب الجمهوري السباق متماسكا خطابيا لكنه منقسم فكريا. الجناح الشعبوي يهيمن على السردية، مركزا على الهجرة والهوية والتشكيك في المؤسسات، لا بوصفها ملفات سياسات عامة، بل كقصص تهديد وجودي تستخدم لحشد الغضب وربط الأزمات الاقتصادية والاجتماعية بجاليات وولايات بعينها.

حتى القضايا الأخلاقية والقضائية، مثل ملف إبستين، يعاد توظيفها سياسيا لا بهدف العدالة، بل لتقويض الثقة في النظام برمته. الخطر هنا لا يكمن في حدة الخطاب فحسب، بل في تحويل أدوات الدولة: “التحقيق، إنفاذ القانون، والمؤسسات” إلى وسائل تعبئة انتخابية، في منطقة رمادية يتآكل فيها الخط الفاصل بين القانون والسياسة.

في المقابل، لا يعاني الحزب الديمقراطي من غياب الرؤية، بل من تعددها. الجناح التقدمي يدفع نحو العدالة الاقتصادية والاجتماعية وضبط استخدام القوة وتوسيع شبكة الأمان الاجتماعي، معتبرا أن أزمة 2026 نتاج تراكمات طويلة من عدم المساواة البنيوية. أما الجناح الوسطي فيراهن على الاستقرار المؤسسي والبراغماتية السياسية.

هذا التباين يعكس تنوع القاعدة الديمقراطية، لكنه يفرض معضلة انتخابية حقيقية: كيف تخاطب القواعد الغاضبة دون نفور الناخب المتردد؟ وكيف توازن بين خطاب القيم الكبرى ومتطلبات الإدارة الواقعية في زمن يخشى فيه كثيرون الانزلاق إلى مواجهة مؤسسية مفتوحة؟

وعلى غير المعتاد في انتخابات نصفية، تلعب السياسة الخارجية دورا مؤثرا في المزاج العام. أوكرانيا، الشرق الأوسط، الصين، فنزويلا، إيران، وغرينلاند، كلها ملفات تختزل داخليا بسؤال واحد: هل لا تزال الولايات المتحدة قادرة على قيادة العالم دون أن تستنزف نفسها؟

الجمهوريون يوظفون هذه الملفات لإبراز ما يصفونه بقوة القيادة، بينما يدافع الديمقراطيون عن التحالفات والنظام الدولي. لكن المواطن يعود في النهاية إلى معادلته البسيطة: ما كلفة ذلك على جيبي وعلى عائلتي؟

في قلب هذا المشهد، تبرز مينيسوتا بوصفها ساحة اختبار مركزية في انتخابات 2026. فالولاية تدخل الاستحقاق وهي تحمل أربعة مقاعد سياسية بالغة الحساسية: منصب الحاكم المفتوح بعد إعلان تيم والز عدم الترشح لولاية ثالثة، كما يبرز مقعد المدعي العام كيث إليسون، الذي يعد من أكثر المواقع استقطابا سياسيا وقضائيا في الولاية. ويضاف إلى ذلك مقعد مجلس الشيوخ الأمريكي الذي سيصبح مفتوحا بعد إعلان السيناتورة تينا سميث عدم ترشحها لولاية جديدة، فضلا عن مقعد النائبة إلهان عمر، الذي بات محور استهداف متكرر من التيارات الشعبوية اليمينية، ما يجعله بدوره جزءا من معركة سياسية تتجاوز حدود الولاية إلى الساحة الوطنية.

في واشنطن، لا تقرأ هذه الاستحقاقات باعتبارها سباقات منفصلة، بل كحزمة سياسية واحدة: صمودها يعني صمود نموذج ولاية ديمقراطية متنوعة، قادرة على حماية خياراتها الانتخابية ومؤسساتها؛ واختراقها يعني فتح ثغرة إستراتيجية في قلب الغرب الأوسط.

ومن هنا، يصبح استهداف الجالية الصومالية “عبر الترهيب، والتخويف، وتشويه السمعة” ليس مجرد خطاب شعبوي، بل أداة سياسية تهدف إلى إعادة مينيسوتا إلى خانة «الولايات المتأرجحة» بعد أن كانت راسخة نسبيا في معسكر الديمقراطيين.

في هذا السياق، يبرز اسم السيناتورة إيمي كلوبوشار كمرشحة لمنصب الحاكم، بوصفها نموذجا لقيادة هادئة وقانونية وتفاوضية، أقل صخبا، لكنها أكثر قدرة على إدارة الصدامات المؤسسية، واحتواء الاستقطاب، والحفاظ على توازن الولاية في لحظة اختبار حاد لهوية الدولة وحدود السلطة.

ضمن هذه المعادلة، لم تعد الجالية الصومالية مجرد موضوع في الخطاب السياسي، بل باتت فاعلا انتخابيا حقيقيا. فرغم أن عددها لا يتجاوز 100 ألف نسمة، فإن تركزها الجغرافي يمنحها وزنا انتخابيا مؤثرا.

والمفارقة أن الجالية التي تستهدف شعبويا بوصفها عبئا، هي في الواقع جزء فاعل من الاقتصاد المحلي والحياة المدنية. التحدي الحقيقي ليس في الأرقام، بل في تحويل الحضور الاجتماعي إلى فعل سياسي منظم: تسجيل واسع، تثقيف انتخابي مهني، ومشاركة هادئة وكثيفة.

في هذا السياق الحساس، جاءت رسالة وزارة العدل الفدرالية الأخيرة إلى حاكم مينيسوتا، مطالِبة ببيانات انتخابية واسعة تحت عناوين “سلامة الانتخابات”.

توقيت الطلب وطبيعته أثارا تساؤلات قانونية عميقة داخل الولاية، خصوصا بعد سقوط سردية الاحتيال المالي أمام تقارير رسمية. هنا لم تقرأ الرسالة كإجراء تقني معزول، بل كجزء من مسار ضغط متدرج ينقل المواجهة من الرقابة المالية إلى السيادة الإدارية والانتخابية للولايات- وهو مسار يختبر جوهر الفدرالية الأمريكية.

في عالم تختبر فيه حدود الدول والمؤسسات والجاليات، تتحول المواطنة من شعار إلى ممارسة. انتخابات 2026، لأمريكا عموما ولمينيسوتا خصوصا، ليست مجرد سباق سياسي، بل لحظة تعريف حاسمة: تعريف بمعنى الدولة، وحدود السلطة، وقدرة المجتمع على الدفاع عن نفسه عبر الأدوات المدنية والمؤسساتية، لا عبر الخوف أو الانكفاء.

وفي زمن لا ينتظر المترددين، تصبح المشاركة الواسعة في التصويت فعل مسؤولية، واستثمارا في المستقبل، لا مجرد رد فعل على الاستقطاب. فحين يتضح أن التشهير بالجاليات واستهداف الولايات يستخدمان كأدوات في معارك انتخابية، يصبح الإقبال الكثيف على صناديق الاقتراع دفاعا عن فكرة المواطنة ذاتها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...