من قلب ميلانو.. “إيطاليا تلغراف” ترصد ميلاد ميثاق السلام الأولمبي بين أروقة حكومة لومبارديا

إيطاليا تلغراف

 

 

 

عبد الله مشنون
كاتب صحفي ومحلل سياسي مقيم في إيطاليا
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة والاسلام.

 

 

في موعد اتسم بالرصانة الدبلوماسية والروح الإنسانية العالية، احتضن “قصر لومبارديا” (Palazzo Lombardia) صباح اليوم، مؤتمراً صحفياً استثنائياً خصص للإعلان عن “رسالة السلام للهدنة الأولمبية”. هذا الحدث الذي واكبناه عن قرب، لم يكن مجرد بروتوكول رسمي، بل هو ثمرة شهور طويلة من الحوار والعمل الدؤوب داخل المجلس الإقليمي لتعزيز ودمج الحوار بين الأديان.

شهد اللقاء حضوراً وازناً لشخصيات قيادية، في مقدمتهم السيد أتيليو فونتانا، رئيس إقليم لومبارديا، والسيد رافاييل كاتانيو، وكيل الوزارة للعلاقات الدولية والأوروبية. وقد عكس هذا الحضور الرفيع مدى الأهمية التي توليها السلطات الإيطالية لإشراك المكونات الدينية في صناعة السلم المجتمعي، واعتبار “الهدنة الأولمبية” المرتبطة بألعاب “ميلانو كورتينا 2026” فرصة ذهبية لترسيخ قيم التلاقي بين مختلف الطوائف.

وقد سجلت الكونفدرالية الإسلامية الإيطالية (CII) حضوراً لافتاً ومميزاً في هذا اللقاء، حيث اعتبرت مشاركتها ركيزة أساسية في صياغة هذا الميثاق. ومن خلال دورها الفاعل داخل المجلس الإقليمي، أكدت الكونفدرالية أن انخراط المكون الإسلامي في مبادرة “الهدنة الأولمبية” ليس مجرد دعم رمزي، بل هو تجسيد لالتزام المسلمين في إيطاليا بالمساهمة في استقرار المجتمع وتقديم رؤية دينية معاصرة تنبذ الانغلاق وتدعو إلى السلام الشامل.

ما لفت انتباهنا خلال هذا المسار الحواري، هو الاستناد إلى مرجعيات روحية دينية عميقة تؤسس لمفهوم “التعارف” الكوني. وقد كان لافتاً استحضار الآية الكريمة من سورة الحجرات: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا…}.

إن استحضار هذا النص القرآني في قلب مؤسسة رسمية إيطالية، يبعث برسالة حضارية مفادها أن الاختلاف ليس قدراً للتصادم، بل هو دعوة إلهية للمعرفة المتبادلة. فالتعارف هنا يتجاوز مجرد اللقاء ليصبح مسؤولية جماعية لبناء سلام يومي ومستدام، يحترم الخصوصيات ويجعل من التنوع ثروة لا تنضب.

من خلال متابعتنا لهذا العمل، لمسنا إيماناً راسخاً بأن تعزيز الحوار ليس مجرد مهمة إدارية، بل هو التزام شخصي ورهان على كسب معركة الوعي. إن جوهر ما تم عرضه اليوم في ميلانو يرتكز على رفض منطق المواجهة، وتثمين الفوارق باعتبارها جسوراً للعبور نحو الآخر، لا جدران للإقصاء.

لقد أكدت المناقشات التي رصدناها أن الهدنة الأولمبية ليست مجرد توقف مؤقت عن الصراع، بل هي فرصة ملموسة لتعميق الروابط بين كافة المجتمعات الدينية في إقليم لومبارديا، وتقديم نموذج يحتذى به في إيطاليا وأوروبا.

خرجنا من “Palazzo Lombardia” بانطباع قوي: ميلانو لا تستعد فقط لحدث رياضي عالمي، بل تستعد لتقديم درس في دبلوماسية الأديان. إنها دعوة للجميع لبناء السلام بروح المسؤولية، وتكريس مبدأ أن أكرم الناس وأقربهم للحق هم أكثرهم سعياً للخير وصيانةً لكرامة الإنسان، بغض النظر عن انتمائه.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...