أولمبياد ميلانو كورتينا 2026: الكونفدرالية الإسلامية الإيطالية ترسم ملامح “الهدنة الأولمبية” وتعزز قيم التعايش
عبد الله مشنون
كاتب صحفي ومحلل سياسي مقيم في إيطاليا
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة والاسلام.
في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم نحو إيطاليا ترقباً لدورة الألعاب الأولمبية والبارالمبية الشتوية “ميلانو كورتينا 2026″، تبرز الكونفدرالية الإسلامية الإيطالية (CII) كفاعل مدني وحضاري وازن، ليس فقط من خلال مباركتها لهذا الحدث الرياضي الكوني، بل عبر تقديم رؤية فلسفية وأخلاقية تعيد الاعتبار لمفهوم “الهدنة الأولمبية” وقيم السلام العالمي.
لم تقف الكونفدرالية عند حدود الترحيب البروتوكولي، بل جسدت انخراطها المؤسساتي من خلال المساهمة الفعالة في “المجلس الإقليمي لتعزيز ودمج الحوار بين الأديان”، عبر تمثيلية وازنة جسدتها السيدة غفران هجراوي. هذا الحضور يكرس نهج الكونفدرالية في بناء جسور التواصل المستدام مع المؤسسات الإيطالية، ويسهم في خلق فضاءات للحوار العقلاني الذي يقي المجتمع من مخاطر سوء الفهم أو الاستغلال الأيديولوجي، محولاً التعددية الدينية إلى رافعة للاستقرار والتماسك الاجتماعي.
من خلال هذا الموقف الحصري، تبعث الكونفدرالية الإسلامية الإيطالية برسالة واضحة مفادها أن السلام (Salam) في التقليد الإسلامي ليس مجرد “شعار” عابر، بل هو “مسؤولية أخلاقية” يومية تفرض صيانة العلاقات وحماية كرامة الجميع. إن الربط بين انضباط الرياضة وقيم الإسلام يبرز وجهاً مشرقاً للمسلمين في إيطاليا؛ فالرياضة في جوهرها هي تدريب على احترام القواعد، والاعتراف باستحقاق الآخر، وإدارة التنافس بروح لا تعرف العنف أو الاستعلاء.
لقد نجحت الكونفدرالية الإسلامية الإيطالية في التأصيل لفكرة أن “القوة” لا تعني الغطرسة، وأن “المنافسة” لا تبرر إهانة الخصم، وهي بذلك تقدم خطاباً إسلامياً معاصراً يتناغم مع قيم الهدنة الأولمبية، ويؤكد أن كرامة الإنسان هي المبدأ الأسمى الذي تلتقي حوله كل الأديان والحضارات.
في خطوة تتسم بالشجاعة والوضوح، شدد بيان الكونفدرالية الإسلامية الإيطالية على التصدي بحزم لأي محاولة لاستغلال اسم الدين لتغذية العداوات أو شرعنة الكراهية. هذا الموقف يضع النقاط على الحروف، ويعزل الأصوات المتطرفة، مؤكداً أن كل فعل يدعو للإقصاء باسم الدين هو تحريف صريح للرسالة الإلهية وجب رفضه بوضوح تام.
هذا النفس المسؤول في خطاب الكونفدرالية يعزز من صورتها كواجهة مشرفة للمسلمين في أوروبا وايطاليا بالخصوص، وقوة ناعمة تدفع نحو التهدئة ونبذ العنف، لا سيما في الأوقات التي تمر فيها المجتمعات بحالة من الاستقطاب الإعلامي والسياسي، داعية إلى ضرورة استخدام لغة “موزونة” تخدم التماسك الاجتماعي.
خاتمة:إن الرهان الذي تخوضه الكونفدرالية الإسلامية الإيطالية بمناسبة “ميلانو كورتينا 2026” يتجاوز حدود الملاعب؛ إنه رهان على “المواطنة الإيجابية”. فمن خلال دعوتها لإحياء روح الهدنة الأولمبية، تأمل الكونفدرالية أن تترك هذه الألعاب أثراً إيجابياً في الوجدان المدني الإيطالي والأوروبي، لتكون نموذجاً حياً على أن الاختلاف لا يعني الانقسام، وأن العيش المشترك هو الثمرة الناضجة للاحترام المتبادل.
بهذه المبادرة، تؤكد الكونفدرالية مرة أخرى أنها شريك أساسي في بناء إيطاليا المستقبل، إيطاليا التي تتسع للجميع تحت سقف القيم الإنسانية المشتركة والتعاون البنّاء.





