*ربيع العايدي
بداية أشكر مدير ملتقى المؤتمر التاسع في تركيا ، سماحة الدكتور الحسيب النسيب محمد عجان الحديد ، واللجنة العلمية على قبول ورقتي في الملتقى المبارك .
إذا أردنا التخلص من أي ظاهرة تؤرق المجتمعات ، وتهلك الحرث والنسل وخاصة كظاهرة التطرف ، لا بد ان نمتلك الشجاعة العلمية الكافية في نقدها وغربلتها ، ومواجهتها ، إن التطرف له جذور ضاربة في التاريخ الإسلامي منهم من يرجعه الى عهد الخوارج ، وآخرون يعودون به الى أبعد من ذلك ، وقد حاول أتباع هذا الفكر أن يؤسسوا لفكرهم مبادئ وينسبوها للإسلام ظلما وزورا وسأحاول ان أسلط الضوء على بعض هذه المبادئ والمشتركات لاتباع هذا الفكر المتطرف الى يومنا هذا !! باختصار واترك التفصيل الى حينه :
أولا : إهمال البعد الإنساني ، فتراهم لا قيمة للإنسان عندهم ، مع أن النفس البشرية محترمة في التشريع الاسلامي خاصة والأديان عامة ، قال تعالى ( من قتل نفسا فكأنما قتل الناس جميعا ) “نفسا” بعيدا عن لونها أو شكلها أو دينها .
وبهذا فقد أظهرت هذه الفئات المتطرفة الإسلام دين غلطة ، وقمع ، وقتل .
ثانيا : استبدال العقل ، بالعنف ، نعم ! كل من يختلف معهم مهدور الدم ، يعملون على تهميش العقل حتى يمكنهم إحكام سيطرتهم على أتباعهم . ونحن نعلم كعلماء في الشريعة أن العقل هو مناط التكليف ، وان العقل هو أداة لفهم النص، ولا يمكن فهم النصوص الشرعية دون العقل ، سواء كانت هذه النصوص في الإيمان أو التشريع .
ثالثا: دعواهم أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة ، يعتقدون انهم يمتلكون الحق ، وعليه فهم أصحاب وصاية على إيمان الناس جميعا .
والله تعالى قد بين بطلان اعتقادهم عندما خاطب نبيه عليه الصلاة والسلام بقوله تعالى ( لست عليهم بمسيطر ) وقوله تعالى ( أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) .
فأصحاب الفكر المتطرف ينفرون من الحوار العلمي ، كما انهم لا يقبلون بالانفتاح على الآخر ، بل يَرَوْن ذلك أي ” الحوار ” مداهنة في الدين لا تجوز .
رابعا : التكفير ، سرعان ما يرفعون عن المخالف لهم الهوية الدينية ، وعندهم جرأة في ذلك عجيبة ، إذ قد أسقطوا الهوية الدينية عن مولانا أمير المؤمنين ” علي بن أبي طالب” .
وهم لا يفرقون بين الضروري والقطعي من الدين ، والظني الاجتهادي ، وهو ما يؤدي الى مخالفة العلم في رفع الظني الى القطعي .
وقد حذرت النصوص من التسرع في تكفير الناس قال تعالى ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ) .
خامسا : التمسك الحرفي في فهم النصوص وتفسيرها بعيدا عن إعمال النظر في مقاصدها ، وبهذا يكونون قد فرغوا الشريعة من هدفها الأساسي وهو إقامة مصالح العباد في الدنيا لنجاتهم في الآخرة .
سادسا : قصر الدين على الشكليات ، فصار الإسلام شكل دون روح ، كالأرض المجدبة ، فإن حياة الإسلام في روحه ، التي بها يتحرك في الكون كله ، ومن هنا اهتم علماء التزكية بالروح وتنميتها ، إذ كل تنمية لا تعمل على تنمية الروح فهي لا قيمة لها .
سابعا : لا يقبلون بالتعايش السلمي في المجتمعات ، فإنهم يَرَوْن أن علاقتهم مع الآخر قائمة على الحرب والقتال .
وهذا المبدأ يناقض أصول التشريع الاسلامي الذي يقوم على السلم مع الآخر وليس الحرب .
وقد جاءت الوثيقة النبوية في المدينة المنورة تؤيد حالة السلم والوئام مع التنوع الذي كان موجودا هناك .
وفِي الختام : إن تفنيد أصول الفكر المتطرف بعلمية ، تصب في بناء مجتمعات آمنة مستقرة ، في الشرق والغرب .
*مفكر إسلامي ومتخصص في الفلسفة والعقيدة الإسلامية / المملكة الأردنية الهاشمية





