أرخبيل العتمة: في البنية العميقة لفضائح النخبة وتحوّلات المساءلة المعاصرة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*الدكتور عبدُ الله شنفار

 

 

– من حادثة معزولة إلى نمطٍ بنيوي
    هل تكشف الفضيحة عن انحرافٍ فرديٍّ طارئ، أم تُزيح الستار عن انتظامٍ خفيٍّ يعيد إنتاج نفسه بأسماء مختلفة وأمكنة متباعدة؟
    حين انفجرت قضية جيفري إبستن (Jeffrey Epstein) في الفضاء العمومي، بدا المشهد، للوهلة الأولى، سقوطَ شخصٍ في هاوية جريمة أخلاقية وقانونية. غير أنّ التمحيص السوسيو-قانوني يتجاوز السردية الفردانية ليقترح قراءةً بنيوية: لسنا أمام «واقعة» معزولة، بل أمام بنية امتياز تسمح بتراكم السلطة وتحوزها داخل فضاءاتٍ معتمة، وتنتج شروط الإفلات بقدر ما تنتج شروط الانكشاف.
    لا تعود «الجزيرة» توصيفًا جغرافيًا، بل استعارةً إبستمولوجية لحيّزٍ مُحصَّن تُعطَّل فيه آليات الرقابة العادية، وتتراخى فيه الحدود بين الخاص والعام. الفضيحة، بهذا المعنى، ليست الحدث ذاته، بل لحظة انقطاع في استمراريةٍ خفية؛ نقطة تقاطع بين تسريبٍ عارض وصراعٍ داخل النخبة، ينكشف فيها جزءٌ مما كان يعمل بصمت، بينما تبقى البنية الحاضنة أقلَّ قابليةً للظهور.
– أولًا: اقتصاد الامتياز وإعادة إنتاج العتمة
    كيف يتحوّل النفوذ إلى حصانة غير مكتوبة، ويغدو المال والسلطة لغةَ تفاوضٍ مع القانون بدل أن يكونا موضوع مساءلة؟
    تكشف القراءة التركيبية أن فضائح النخبة لا تنشأ في فراغ، بل في سياق اقتصادٍ سياسيٍّ للامتياز، حيث تتشابك الشبكات المالية والرمزية والسياسية ضمن منظومةٍ تبادلية تحمي أطرافها. في هذا السياق، لا يعمل القانون بوصفه معيارًا مجردًا، بل كأفقٍ تفاوضي تُعاد صياغته تبعًا لموازين القوة.
    تبدو المفارقة جلية حين يُختزل الانحراف في «تفاحة فاسدة»، أو «سمكة فاسدة»، بينما تظل الشجرة أو الصندوق بمنأى عن التفكيك. هذا التشبيه؛ على وجاهته التداولية؛ يخفي سؤالًا أعمق: ماذا لو كانت شروط الفساد كامنة في طريقة تنظيم البستان أو في آلية توزيع الصيد ذاتها؟
    إنّ البنية التي تسمح بإنشاء فضاءات مغلقة؛ سواء كانت جزرًا فعلية أم صالونات نخبويّة؛ هي ذاتها التي تؤجّل المساءلة عبر التعقيد الإجرائي، وتسويات ما وراء الكواليس، واستثمار الغموض القانوني. وهنا يتكشّف المأزق: هل نمتلك مؤسسات تراقب السلطة فعلًا، أم مؤسسات تتحرّك داخل مدارها الجاذبي؟
– ثانيًا: الفضيحة كآلية ضبطٍ رمزي
    لماذا تتكرّر لحظة الانكشاف دون أن تتكرّر لحظة التحوّل البنيوي؟
    تؤدي الفضيحة وظيفةً مزدوجة: فهي تكشف من جهة، وتُعيد ترميم الشرعية من جهة أخرى عبر تقديم «قربانٍ رمزي» للرأي العام. يُستدعى السقوط الفردي لإثبات أنّ النظام يعمل؛ تُعلن التحقيقات، وتُشهر المحاكمات، ثم تُغلق الدائرة على شخصٍ أو اثنين، بينما تبقى الشبكات الأوسع خارج الضوء.
    بهذا المعنى، قد تتحوّل الفضيحة إلى صمّام أمانٍ لا إلى قطيعة تأسيسية؛ لحظة تطهيرٍ خطابي أكثر منها إعادة بناءٍ مؤسسية. ليست المشكلة في المحاسبة من حيث المبدأ، بل في حدودها: هل تُقاس العدالة بعدد المُدانين، أم بقدرة البنية على منع إعادة إنتاج النمط ذاته في صيغٍ أكثر تعقيدًا؟
    إنّ درّ الرماد في العيون لا يكون دائمًا إنكارًا للحقيقة، بل قد يكون إفراطًا في عرض جزءٍ منها على حساب كلّها.
– ثالثًا: بين السرية والشفافية: مفارقات الدولة الحديثة
    إلى أيّ مدى تستطيع الدولة الحديثة أن توازن بين حماية الخصوصية وضمان الشفافية دون أن تنقلب الأولى إلى ملاذٍ للإفلات؟
    تقوم الدولة القانونية على مبدأ العلنية والمساءلة، غير أنّ توسّع مجالات السرية؛ بدعوى الأمن أو حماية السمعة أو الخصوصية؛ يخلق مناطق رمادية تتراكم فيها المخاطر. وعندما تتداخل المصالح الخاصة مع الوظائف العامة، يصبح التمييز بين المجالين أقلّ وضوحًا؛ كسمكةٍ تسبح في الماء، يلتبس فعل تنفّسها بفعل ابتلاعها.
    يكشف التحليل السوسيو-قانوني أن الإشكال لا يكمن في غياب النصوص، بل في تموضعها داخل شبكة علاقات غير متكافئة. فالنص، مهما بلغت دقته، يظل رهين بيئة تطبيقه وموازين القوة التي تحيط به.
    وهنا يطفو سؤالٌ لا يقلّ إلحاحًا: هل تكفي الإصلاحات الإجرائية إذا لم تُمسّ البنية التي تُنتج الامتياز ذاته؟
– رابعًا: الإعلام والرأي العام وحدود الوعي النقدي
    كيف يتحوّل الإعلام من كاشفٍ للحقيقة إلى شريكٍ؛ ولو على نحوٍ غير مقصود؛ في اختزال الظاهرة؟
    يلعب الإعلام دورًا حاسمًا في تفجير الفضائح، لكنه قد يُسهم في شخصنة الأزمة وتحويلها إلى سرديةٍ درامية تُشبع الفضول الأخلاقي أكثر مما تُغذّي التحليل البنيوي. تتكاثر العناوين، وتتقلّص المساحات المخصّصة لتفكيك الشروط المؤسسية.
    في هذا السياق، يصبح الرأي العام ساحة صراع بين سرديتين:
    سردية ترى في الحدث انحرافًا شاذًا، وأخرى تعتبره عرضًا لمرضٍ بنيوي.
    الأولى تُعيد إنتاج الاستقرار عبر طمأنة الضمير الجمعي، والثانية تُقلق يقينه وتدفعه إلى مساءلة البنية ذاتها. غير أنّ الثانية تتطلب جهدًا معرفيًا لا ينسجم دائمًا مع إيقاع الاستهلاك الإعلامي السريع.
– خامسًا: من الجزيرة إلى الأرخبيل: نحو أفق مساءلة مركّبة
    إذا كانت «الجزيرة» استعارةً لفضاءٍ معزول، فإن «الأرخبيل» يحيل إلى شبكةٍ متصلة تتقاسم البنية ذاتها وإن اختلفت الأمكنة والأسماء. الانتقال من تصور الفضيحة كحادثة إلى فهمها كنمط يقتضي إعادة تعريف المساءلة: من مساءلة الأشخاص إلى مساءلة شبكة العلاقات؛ من تتبّع الوقائع إلى تفكيك الشروط التي أنتجتها.
    في هذا الأفق، تغدو بعض الواجهات—ومنها مزاعم العمل الإنساني أو الخيري—قابلةً لأن تتحوّل إلى «حصان طروادة» رمزي يمنح الشرعية لما ينبغي مساءلته. ليست المشكلة في العمل الخيري بذاته، بل في قابليته لأن يُستثمر كقناعٍ أخلاقي يخفي ما وراءه.
    غير أنّ هذا التحليل لا يدعو إلى عدميّة تُساوي بين الجميع، بل إلى أفقٍ مؤسسي يحدّ من تركز السلطة، ويُعزّز استقلالية آليات الرقابة، ويُعيد تعريف العدالة بوصفها بنيةً مستدامة لا حدثًا عابرًا.
    يبقى، مع ذلك، سؤالٌ يتجاوز الحالة المدروسة: هل يمكن لنظامٍ ينتج الامتياز بوصفه ضرورةً تشغيلية أن يُقوّض شروطه دون أن يُقوّض ذاته؟
* خلاصة تأملية: ما وراء الانكشاف
    الفضائح الكبرى ليست استثناءً في التاريخ الحديث، بل علامات توتّرٍ في علاقة السلطة بالمعيار. ما يظهر للعلن لحظةُ تقاطعٍ بين مصالح متصارعة، أما ما يبقى في الظل فهو نتاج استمراريةٍ بنيوية لا تتبدّل بسهولة.
    إذا كانت العدالة لا تُختبر في نصوصها بل في قدرتها على اختراق دوائر الامتياز، فإنّ الرهان الحقيقي لا يكمن في كشف «جزيرة» جديدة، بل في مساءلة التيار الذي يُنتج الأرخبيل.
    هناك، عند تخوم هذا السؤال، يبدأ التفكير المؤسِّس: لا في حادثةٍ بعينها، بل في الشروط التي تجعل العتمة ممكنة، وتجعل انكشافها حدثًا استثنائيًا في عالمٍ لم يحسم بعدُ علاقته بالسلطة والضمير.

*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...