حسن أوريد
أكاديمي وسياسي مغربي، وأستاذ للعلوم السياسية بجامعة محمد الخامس بالرباط.
من أول يوم للحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، بعد مسار دبلوماسي للتضليل، يبدو المآل العسكري محسوما، بعد استهدافهما قيادات الحرس الثوري والعسكري والاستخباراتي، وليس انتهاء باغتيال المرشد الإيراني آية الله علي خامنئي.
هي ضربة مؤلمة، بل أكبر ضربة موجعة تلقتها الثورة الإيرانية منذ قيامها. ولم تستطع قوة الرد الإيراني، أن تحد من اختلال التوازن، واتسمت بتخبط إستراتيجي بتوجيه أهدافها إلى دول الجوار: الإمارات، وقطر، والسعودية، والبحرين، والكويت، وكذلك الأردن، وهو خطأ إستراتيجي سيثقل كاهل النظام الإيراني في علاقته بهذه الدول، وبعضها خاض وساطة مضنية من أجل تجنب الحرب، كما فعلت قطر، أو سلطنة عمان التي لم تشملها شظايا المواجهة.
ومن جهتها، اعتبرت إسرائيل أن العملية العسكرية التي شنتها على إيران، بتنسيق مع الولايات المتحدة، هي أكبر عملية تخوضها في تاريخها.
الهجمات الأمريكية الأخيرة هي فصل من سلسلة في المواجهة الأمريكية الإيرانية في ظل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، منذ استهداف الجنرال قاسم سليماني يناير/كانون الثاني 2020، إلى ما يسمى حرب الـ12 يوما في يونيو/حزيران 2025، وقبلها الهجمات التي قادتها إسرائيل ضد وكلاء إيران، وبالأخص حزب الله، من خلال استهداف عناصره وأطره، في عملية البيجر، إلى اغتيال أمينه العام حسن نصر الله.
تبدو الحرب الأخيرة التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل، المعركة الحاسمة، مع رفع هدف تغيير النظام في إيران.
لم تعد الأهداف المسطرة تقتصر على وقف البرنامج النووي، والقضاء على الصواريخ الباليستية، وتحجيم ما تسميه الولايات المتحدة، وكلاء إيران في المنطقة، وإنما تغيير النظام، وهو المعطى الجديد في الحرب القائمة.
أسهم التمرد الشعبي الإيراني في ديسمبر/كانون الأول 2025، الناجم عن تآكل القوة الشرائية لفئات واسعة، ومع تساقط جدار الخوف وارتفاع منسوب التذمر، في إضعاف النظام. وزاد البطش والعنف اللذان واجه بهما النظام الاحتجاجات، من تآكل شعبيته وتعميق عزلته.
ما قد تقدم عليه إيران عسكريا، بعد أول يوم من الحرب، كرد لن يغير موازين القوة، ولن تستطيع تدارك الضربات التي تلقتها، سواء من خلال إغلاق مضيق هرمز، أو إرسال صواريخ إلى إسرائيل، أو عمليات انتحارية.
أسفرت الحرب من يومها الأول، عن نتائج جيوسياسية، على مستوى المنطقة والعالم، أولاها سطوة القوة الاستخباراتية والعسكرية للولايات المتحدة، وهي رسالة تتجاوز إيران إلى كل من غريمي الولايات المتحدة: الصين وروسيا، وبدرجة أقل إلى أوروبا.
وتحمل هذه العملية العسكرية أسلوب ترمب، فهو ليس في حاجة لغطاء أممي، أو للقانون الدولي، واستعمل الدبلوماسية غطاء تمويهيا للخطط العسكرية، كما في حالة فنزويلا، مع عنصر أساسي- مثلما قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو- هو أن الرئيس الأمريكي، يقوم بما يتوعد به.
فمن النتائج الأولى للعملية العسكرية، تعزيز موقف الرئيس الأمريكي داخليا، وبروز الولايات المتحدة بصفتها القوة العسكرية العالمية الأولى، والفاعل الأساسي على الساحة الدولية.
كما من النتائج اللافتة للحرب، أنه لا الصين، ولا روسيا هبّتا للتعبير عن تضامنهما مع إيران، على مستوى القوى الدولية، أو حتى باكستان، على المستوى الإقليمي.
أما على مستوى إيران، فقد بدا من أول يوم للحرب، ضعفها في الرد، عسكريا، وعزلتها، داخليا، وخارجيا.
فهل سيثبت النظام أمام كل هذه المعطيات العسكرية والإستراتيجية؟
لم يُخفِ الأمريكيون والإسرائيليون هدفهم، وهو إسقاط النظام، وما كان يبدو صعب المنال، بعد حرب الـ12 يوما، أصبح ممكن التحقيق، من دون انخراط القوات الأمريكية في عمليات برية، لضعف النظام وتآكل شرعيته، واحتمال حدوث انشقاق في قيادته العسكرية والأمنية.
والاحتمال الوارد، هو تنسيق الولايات المتحدة، مع عناصر من داخل النظام، ومن الجيش خاصة، في مواجهة الحرس الثوري، كما ورد في تصريح لترمب على منصته “تروث سوشيال”، مع تأجيج الغضب الشعبي.
وحتى إن استطاع النظام الصمود، مرحليا، فسيكون بكلفة عالية، تعمق من عزلته وتضعف شعبيته، وبتعبير آخر، دخل النظام الإيراني مرحلة سقوط مبرمجة.
لم يعد انهيار النظام الإيراني مجرد افتراض، بل هو احتمال وارد، وهو الأمر الذي سيغير خارطة الشرق الأوسط الذي عاش زهاء خمسين سنة، على تأثير الثورة الإيرانية، والقوس الشيعي، وثورة المستضعفين في الأرض ضد قوى الاستكبار، وكثير من الأدبيات التي أثّرت في المخيال الجماعي، وطريقة العمل السياسي، والثقافة السياسية في المنطقة.
إنه تحول إستراتيجي لا يقل أهمية عن سقوط الاتحاد السوفياتي والذي تناسلت عنه تداعيات عدة على مستوى الجوار، في أوروبا الشرقية.
ومن المنظور نفسه، سيكون للتغيير المحتمل على مستوى قيادة إيران، انعكاسات جمة على المنطقة، تتطلب رؤية استباقية، بغض النظر عن الاعتبارات الأخلاقية، أو مدى مطابقتها للقانون الدولي.
من الضروري حسن التعامل مع التحولات المحتملة، حتى لا تنعكس سلبا على المنطقة، وتعيد السوابق المشينة لتدخلات عسكرية أمريكية ناجحة، مع نتائج جيوستراتيجية كارثية، كما في حرب الخليج 1991، أو الصومال 1993، أو أفغانستان 2001، أو حرب العراق 2003.
العالم، والمنطقة بدرجة أولى، مدعوان ليس لخفض التوتر فحسب، بل إلى تصورات جديدة لأمن المنطقة واستقرارها، تجنبا لما أسماه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش- في اجتماع مجلس الأمن، بعد اندلاع الحرب- هاوية تتهدد المنطقة والعالم.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





