ثنائي مودي – نتنياهو والخليج

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

حسن مدن
كاتب وباحث من البحرين

 

 

الهند اليوم ليست الهند التي عرفناها في القرن العشرين، بعد تحرّرها من هيمنة الإنكليز الذين كانوا يعتبرونها “درة تاج” إمبراطوريتهم، حين نجح قادتها الأوائل، وفي مقدّمتهم المهاتما غاندي وجواهر لآل نهرو وسواهما، من تحقيق استقلال بلادهم، التي انتهجت، بعد الاستقلال، نهجاً وطنياً، وسياسة خارجية مستقلة، وكانت واحدة من ثلاث دول وازنة، مع مصر جمال عبد الناصر، ويوغسلافيا جوزيف تيتو، في تأسيس حركة عدم الانحياز والحياد الإيجابي. ومنذ البداية، ناصرت الهند قضية الشعب العربي الفلسطيني، فعارضت خطة تقسيم فلسطين عام 1947، وصوّتت ضد قبول إسرائيل عضواً في الأمم المتحدة عام 1949، ولم تقم علاقات دبلوماسية مع تل أبيب، إلا بعد أن شرعت دول عربية في تطبيع العلاقات معها.

دوام الحال من المحال، حين تتغيّر الشروط والتوازنات. بسقوط الاتحاد السوفييتي وانهيار الثنائية القطبية دوليّاً، تضاءلت بالتدريج مساحة السياسة المستقلة التي عُرفت بها الهند، خاصة أنّ ذلك ترافق مع صعود الموجة الشعبوية المتطرفة داخلها، التي انتهت بوصول ممثليها إلى الحكم، وتراجع مكانة حزب المؤتمر الذي حكم البلاد طويلاً بسياسته المتوازنة، على الصعيدين الداخلي والخارجي، وتبدّل الخطاب تدريجياً، إلى أن بلغنا مرحلة الانقلاب التام عليه، مع إحكام قبضة حزب بهاراتيا جاناتا بقيادة ناريندا مودي على السلطة محمولاً على الموجة الشعبوية إياها، التي لا تزال تمنحه الدعم، وسعّر من كراهية المواطنين المسلمين الذين يبلغ عددهم نحو مائتي مليون نسمة، بل أقدم على إصدار عدة تشريعات مؤدية إلى ذلك، بينها إلغاء الوضع شبه المستقل لكشمير ذات الأغلبية المسلمة في عام 2019، ثم تمرير قانون الهجرة الذي يُسرّع منح الجنسية لغير المسلمين من ثلاث دول مجاورة، ذات أغلبية مسلمة كبيرة.

لا يمكن النظر إلى زيارة مودي الأسبوع الماضي إسرائيل، وخطابه أمام الكنيست، وأوجه المديح المبالغ فيه المتبادل بينه ونتنياهو، بمعزل عن هذا كله، ففضلاً عن شبكة المصالح الاقتصادية والتجارية وأوجه التعاون العسكري بين نيودلهي وتل أبيب، فإنّ للتقارب الأيديولوجي بين القومية الهندوسية (الهندوتفا) والصهيونية دوراً في ذلك، وظهر هذا في “إدانة” مودي الفظّة لما جرى في 7 أكتوبر (2023)، فيما لم ينطق بحرفٍ واحد عما ارتكبته إسرائيل، ولا تزال في قطاع غزّة من حرب إبادة أدت إلى مقتل نحو 75 ألف فلسطيني، معظمهم من النساء والأطفال، إضافة إلى ما ارتكبته من تدمير للمنازل والمستشفيات والمدارس، وتهجيرللسكّان، وكلّها ممارسات كانت محطّ إدانة غالبية الدول، بما فيها بعض حلفاء دولة الاحتلال، بل أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحقّ نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت.

من المؤشرات الدالة على مدى التلاقي بين الصهيونية والشعبوية الهندوسية ما نقله تقرير نشره موقع “فرانس 24″، حول كشف منصة إكس (X)، قبل فترة وجيزة، أنّ حسابات عديدة بارزة مؤيدة لإسرائيل تُدار من الهند، ما يشير إلى مدى “نجاح قوى الهندوتفا الهندية في تأجيج الإسلاموفوبيا من خلال تصوير فلسطين على أنها معادية للهندوس”.

لا يصحّ لبلدان الخليج العربية ومجتمعاتها أن تنظر بلا مبالاة تجاه هذا التحالف الإسرائيلي – الهندي، فعدد الجاليات الهندية في بلداننا يفوق تسعة ملايين نسمة، كما أنّ الرأسمال الهندي متغلغلٌ في الاقتصادات الخليجية، ما يمنح الهند أدوات تمكّن ونفوذ وحتى ضغط، كونه (التحالف) يُيسّر للهند زيادة حضورها الأمني في بحر العرب وخليج عدن عبر تقنيات دفاعية إسرائيلية، ويعيد تموضع الهند فاعلاً أمنياً مؤثراً في المنطقة، كما أنّه يعزّز قدرات المراقبة البحرية وتبادل المعلومات الاستخبارية، ما ييسر لإسرائيل إمكانات أكبر لاختراق المنظومات الأمنية في بلدان المنطقة، ويفتح لها فرص إيجاد ممرّات تجارية جديدة في مجالات التكنولوجيا، الطاقة وغيرها.

من وجهة نظر استراتيجية تتصل بأمن المنطقة ومصالح شعوبها ومستقبلها، يتعين الوقوف مليّاً أمام التحديات المتزايدة جرّاء هذا التطوّر، خصوصاً مع تنامي مشاعر الاستعلاء على كل ما هو عربي وإسلامي، تناغماً مع الخلفية الأيديولوجية لمن يحكمون الهند اليوم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...