حين تخدعنا البيانات.. تحيّز الوفرة في زمن صحافة المصادر المفتوحة

إيطاليا تلغراف متابعة

في عصر المصادر المفتوحة والأقمار الصناعية التجارية، قد يبدو للصحفيين والمحققين أن الحروب أصبحت أكثر شفافية من أي وقت مضى. بضغطة زر يمكن الوصول إلى صور فضائية، وبيانات ملاحية للطائرات والسفن، ومقاطع فيديو من عشرات المنصات الاجتماعية. لكن هذه الوفرة في المعلومات قد تخدعنا أحيانا، إذ تخلق إحساسا زائفا بأن المشهد كامل وواضح.

هنا يظهر أحد أخطر التحيّزات الإدراكية في العمل الصحفي “تحيّز الوفرة”، وهو الميل إلى الاعتماد على المعلومات المتاحة بسهولة وتضخيم أهميتها، حتى لو كانت جزءا صغيرا من الصورة الكاملة.

وهم الشفافية في الحروب الحديثة

تمنح الأقمار الصناعية التجارية مثل “بلانت لابس” و”فانتور” و”سينتنال” وغيرها الصحفيين قدرة غير مسبوقة على رؤية ساحات الصراع من الفضاء. هذه القدرة غيّرت بالفعل طبيعة التغطية الصحفية للحروب، وجعلت التحقيقات المعتمدة على المصادر المفتوحة أكثر قوة ودقة. لكن هذا التقدم التقني قد يخلق وهما خطيرا وهو الاعتقاد بأن كل ما يحدث في الحرب أصبح مرئيا.

الحقيقة أن ما يظهر في صور الأقمار الصناعية ليس سوى جزء من الواقع.. فهذه الصور تخضع لقيود متعددة، منها سياسات الشركات المالكة للأقمار الصناعية، والقيود التي تفرضها بعض الحكومات.

كذلك هناك عوامل تقنية مثل زاوية التصوير، ودقة الصورة، وتوقيت مرور القمر الصناعي فوق المنطقة المستهدفة، فقد تمر أيام بين صورتين للموقع نفسه، وقد تحجب السحب أو الدخان تفاصيل مهمة، وقد لا يتم تصوير بعض المناطق أصلا.

لهذا السبب، فإن أهم قاعدة يجب أن يتذكرها الصحفي في عصر البيانات المفتوحة هي أن ما لا نراه قد يكون أهم مما نراه.

كيف تصنع البيانات غير المتوازنة رواية إعلامية منحازة؟

لا يقتصر خطر تحيّز الوفرة على نقص البيانات، بل يظهر أيضا عندما تكون البيانات المتاحة غير متوازنة بين أطراف الصراع. ففي هذه الحالة يبدأ الصحفيون، غالبا دون قصد، في بناء رواية إعلامية تميل نحو الطرف الذي تتوفر عنه معلومات أكثر.

يمكن ملاحظة هذا الأمر في الحرب الحالية بين إيران من طرف وإسرائيل وأمريكا من طرف آخر، والتي اندلعت في 28 فبراير/شباط الماضي. فقد وفرت شركات الأقمار الصناعية عشرات الصور الفضائية لأهداف تم تدميرها داخل إيران من موانئ ومطارات وقواعد عسكرية، بينما لا تظهر صور مماثلة للأهداف داخل الطرف الآخر.

تمتلئ التغطية الإعلامية تلقائيا بصور الأضرار في الجانب الأول، ومع مرور الوقت يتشكّل لدى الجمهور انطباع بأن الضربات تتركّز في اتجاه واحد، حتى لو كانت الوقائع الميدانية أكثر تعقيدا.

المشكلة هنا ليست في سوء نية الصحفيين، بل في طبيعة البيانات نفسها، فالمعلومات المتاحة تصبح هي المادة الخام التي تُبنى عليها القصة الصحفية. وعندما تكون هذه المادة غير متوازنة، فإن الرواية الناتجة قد تصبح منحازة دون أن يقصد أحد ذلك.

تحيّز الأدوات

هناك زاوية أخرى أقل وضوحا لكنها شديدة التأثير، وهي ما يمكن تسميته تحيّز الأدوات. فالصحفي الذي يعمل في مجال المصادر المفتوحة يعتمد على مجموعة من الأدوات الرقمية لرصد الأحداث مثل منصات صور الأقمار الصناعية، ومواقع تتبع الطيران مثل “فلايت رادار”، ومنصات تتبع السفن مثل “مارين ترافيك”، وغيرها.

لكن كل أداة من هذه الأدوات تملك مجال رؤية محدودا، فالأقمار الصناعية لا تغطي كل المناطق بنفس التكرار، وبيانات الطيران قد تختفي عندما تطفئ الطائرات أجهزة الإرسال، وبعض السفن يمكنها إخفاء إشاراتها.

بمعنى آخر، كل أداة تقدم زاوية محددة من المشهد، لكنها لا تقدم الصورة الكاملة. الخطر يظهر عندما يبدأ الصحفي في التعامل مع ما توفره الأداة باعتباره الواقع نفسه، بينما هو في الحقيقة مجرد نافذة جزئية على الواقع.

فخ البيانات المفتوحة

في مجتمع التحقيقات المعتمدة على المصادر المفتوحة توجد مفارقة لافتة، كلما زادت كمية البيانات المتاحة، زادت احتمالية الوقوع في الخطأ. السبب في ذلك أن وفرة المعلومات تخلق ضغطا إضافيا على الصحفيين لنشر التحليلات بسرعة، خاصة في لحظات التصعيد العسكري، حيث يتنافس الجميع على السبق.

تتدفق الصور والمقاطع والبيانات من كل اتجاه، ويصبح من السهل الانجراف وراء أول دليل بصري يظهر، أو أول تحليل ينتشر على وسائل التواصل الاجتماعي. في هذه البيئة، لا تكمن المشكلة في نقص المعلومات، بل في تضخمها، وفي صعوبة فرز المهم من غير المهم.

كيف يتجنب الصحفيون فخ تحيز الوفرة؟

تجنب هذا الفخ لا يعتمد على أدوات تقنية جديدة بقدر ما يعتمد على وعي معرفي داخل غرف الأخبار. أول خطوة هي طرح سؤال بسيط لكنه أساسي: ما الذي لا أراه؟ فالصحفي لا ينبغي أن يكتفي بما يظهر في البيانات، بل يجب أن يفكر أيضا في الفجوات التي قد تخفي جزءا من الحقيقة.

الخطوة الثانية هي مقارنة مصادر متعددة للمعلومات، فصور الأقمار الصناعية قد تكشف الأضرار، بينما قد توضح البيانات الملاحية حركة الطائرات أو السفن المرتبطة بالهجوم، وقد تضيف الشهادات الميدانية أو التصريحات الرسمية تفاصيل أخرى تساعد على فهم السياق.

كما يجب الانتباه إلى ما يمكن تسميته صمت البيانات، فغياب الصورة أو الفيديو لا يعني بالضرورة أن الحدث لم يقع. قد يكون السبب ببساطة أن الكاميرات لم تكن موجودة في المكان، أو أن الصور لم تُنشر بعد.

ومن المهم أيضا التمييز بين الأدلة والواقع، فالأدلة مهما كانت قوية تبقى مجرد مؤشرات تقربنا من الحقيقة، لكنها لا تمثل الحقيقة كاملة.

وأخيرا، تحتاج غرف الأخبار إلى مراقبة التحيزات المعرفية داخل فرق العمل نفسها، لأن تدقيق المعلومات لا يقتصر على فحص البيانات فحسب، بل يشمل أيضا فحص الطريقة التي نفكر بها ونحن نحلل تلك البيانات.

في النهاية، يمكن القول إن الصحافة في عصر المصادر المفتوحة أصبحت أكثر قوة من أي وقت مضى، لكنها أيضا أصبحت أكثر عُرضة للأخطاء الإدراكية. وبين وفرة المعلومات وسرعة النشر، يبقى التحدي الحقيقي أمام الصحفيين هو القدرة على التمييز بين ما نراه بالفعل، وما قد يخفيه المشهد عن أعيننا.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...