الاحتجاجات تزعزع النظام الإيراني والحرب تنقذه

إيطاليا تلغراف

 

 

 

راتب شعبو
طبيب وكاتب سوري

 

على غرار ما تصوّر فلاديمير بوتين في مطلع 2022 أنّ حملةً عسكريةً خاطفةً على أوكرانيا ستقود إلى سقوط حكومة فولوديمير زيلينسكي، تصوّر دونالد ترامب أنّ ضربةً عسكريةً قويةً على إيران ستقود إلى “تغيير النظام”. وكما ركّز الروس في البداية على العاصمة كييف، فتقدّموا نحوها من جهة بيلاروسيا في الشمال، ونفّذوا في اليوم الأول إنزالاً جوياً بغرض السيطرة على مطار أنتونوف القريب من العاصمة، على أمل إرباك السلطة ثم انهيارها، ركّز الهجوم الأميركي – الإسرائيلي على إرباك السلطة في إيران من خلال استهداف المرشد الأعلى علي خامنئي، بحسب تصوّرٍ يفيد بأنّ مقتل القائد الأعلى سيعطي دفعاً قوياً للاحتجاجات الشعبية ويؤدّي إلى سقوط النظام، وقيل إنّ صاحب التصوّر هو دافيد برنياع (مدير المخابرات الإسرائيلية). ومثلما فشل رهان الروس على بروز حراك شعبي مضادّ لنظام زيلينسكي، وعلى حدوث انقسام داخل السلطة نفسها، وكانت النتيجة على العكس؛ التفافاً شعبياً حول النظام والجيش، كذلك فشل الرهان الأميركي – الإسرائيلي على أن ترجّح الضربات العسكرية الثقيلة كفّة الاحتجاجات الشعبية المهمّة في إيران، التي كانت قد بدأت في 28 ديسمبر/ كانون الأول 2025 بإضراب تجّار بازار طهران. وجاءت النتيجة هنا أيضاً معاكسة، ذلك أنّ الهجوم العسكري الإسرائيلي الأميركي أخمد الحراك، وبرز نظام الملالي أنّه يقاوم عدواناً خارجياً ضدّ البلاد، وهو ما غطّى إلى حدّ كبير على فظاعة القمع الداخلي الذي مارسه ضدّ المحتجين (الحديث عن قتل نحو 30 ألفاً من المحتجّين في شهرَين) وأراحه نسبياً من مواجهة الاستحقاق الداخلي الذي حجبه استحقاق خارجي طارئ وخطير على يد أعظم قوة عسكرية في العالم. في الحالتَين (أوكرانيا وإيران)، كان الغرض تنصيب سلطة موالية للقوة العظمى المعتدية التي تظنّ أنّها بلغت من العَظمة درجةً تمكّنها من حلّ كلّ شيء بفارق القوة الواسع. وفي الحالتَين، كانت الكلفة العسكرية كبيرة، والخسائر هائلةً على المستويات كلّها. واليوم، الحرب مندلعة هنا وهناك، ملتهمة، إلى جانب العمران والثروات والأرواح، قدرة الشعبين على امتلاك سيطرة معقولة على شؤون حياتهم.

القاسم المشترك بين أوكرانيا وإيران مركزية الهُويّة الوطنية في بناء السلطة، أو الأدقّ، قيام السلطة على ركيزة هُويّاتية تستمدّ كثافتها وتماسكها أكثر عبر المواجهة مع روسيا ومع أميركا بالترتيب، وما جرى أنّ الطرف المعتدي في الحالَتين كان الطرف الذي يلامس مباشرة عصب الهُويّة، الأمر الذي زاد من تعقيد المشكلة. في أوكرانيا تتّجه هُويّة سلطة زيلينسكي المسنودة بشعور هُويّاتي شعبي واسع، إلى معاداة الروس بوصفهم الخطر الأكبر. وهكذا، تندفع الهُويّة الأوكرانية إلى الغرب أكثر، ليس طلباً للحماية فقط، بل أيضاً كي تتمايز من الروس أكثر. أو بكلام آخر، تخفّ كثافة أو عصبية الهُويّة الأوكرانية كلّما اتجهت غرباً، وتتصلّب أكثر كلّما اتجهت إلى الشرق. على سبيل المثال، المعاملة السيئة العلنية التي تلقّاها الرئيس الأوكراني في إحدى زياراته للبيت الأبيض لم تحرّض العصبية الأوكرانية كما كان يمكن أن تفعل معاملة مماثلة من الجانب الروسي.

القاسم المشترك بين أوكرانيا وإيران مركزية الهُويّة الوطنية في بناء السلطة

تقارب الهُويّتين الروسية والأوكرانية يزيد من شدّة حساسية الأخيرة من الأولى، ومن سعيها للتمايز خوفاً من السيطرة والابتلاع بسبب فارق القوة وثقل اليد الروسية، وهذا ما يجعل المقاومة الأوكرانية للتدخّل الروسي مستمرّة ومستبسلة. وفي إيران، من أهم عناصر هُويّة السلطة السياسية الدينية منذ 1979، العداء لأميركا وإسرائيل، وهو مبني على شعور متأصّل بالأهمية والدور الفارسي الفاعل والحضاري. يؤدّي هذا إلى ترجيح كفّة رفض الإملاءات الخارجية العدوانية على كفّة رفض إملاءات الداخل الاستبدادية، ولا سيّما أنّ الأطراف المعتدية تحمل وزر جرائم فظيعة، ولا سيّما في غزّة، ما يساهم في جعل كلامهم عن حرية الشعب الإيراني وتسلّم زمام أمره بيده بلا معنى. ربما لعب هذا الجانب الهُويّاتي، إضافة إلى الانحطاط السياسي والأخلاقي الذي أبداه الطرفان المعتديان في السنوات الماضية، دوراً في إضعاف قوة الاحتجاجات الشعبية التي كانت مندلعةً سلفاً في إيران.

سعي الشعب الإيراني للتحرّر من قيود النظام السياسي الثيوقراطي الخانق الذي يحكمه، يتحطّم، ليس فقط تحت ثقل البطش الرهيب لنظام الملالي، بل أيضاً بفعل الحرب العدوانية الإسرائيلية الأميركية التي يعرض علينا التاريخ فصولها اليوم، وهي حرب تقول التقارير إنّها دمّرت أكثر من 92 ألف منشأة مدنية في إيران، من ضمنها 71 ألف وحدة سكنية و290 مركزاً صحياً و600 مدرسة، منها مدرسة ابتدائية للبنات قُتل فيها نحو مائتي تلميذة. نظراً إلى مدى تطوّر الأسلحة الأميركية الإسرائيلية ودقّتها، فإنّ هذه ليست أضراراً جانبية لقصف مراكز عسكرية، وإنّ ترويع الناس وتدمير البلاد جزءٌ من خطّة حرب يريد المعتدي فيها، مع ذلك، أن يتصوّر أنّه يساند المحتجّين ويوفّر لهم فرص التغيير السياسي.

إذا استطاع النظام الإيراني أن يتجاوز هذه الحرب، سيتضاعف العبء على الشعب الإيراني، ليس فقط بمعنى ابتعاده أكثر عن التحرّر من نظام البطش الرهيب الذي سيكتسب قيمة معنوية بفعل “صموده”، وربّما كسب شروطاً “خارجية” تمدّه بأسباب البقاء في مفاوضات نهاية الحرب، ومن الراجح أن يتجلّى هذا في صورة حملة قمع انتقامية رهيبة ضدّ معارضيه، وحملة تصفية داخل النظام، يقودها الطرف الأكثر تشدّداً، تطاول الأطراف المعتدلة والإصلاحية فيه. وفوق ذلك، سيتحمّل الشعب الإيراني كلفة إعادة بناء ما دمّرته الحرب. وهكذا تكون هذه الحرب قد أنقذت النظام ودفعته أكثر نحو التشدد، بعد أن كانت أركانه تتزعزع بفعل الاحتجاجات الشعبية المتّسعة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...