في ظل التحولات المتسارعة في بيئة المعلومات، لم يعد التحقق من الأخبار مجرد ممارسة صحفية تقليدية، بل أصبح تحديا مركبا يرتبط بطبيعة انتشار المحتوى ذاته.
هذا ما يكشفه تقرير للورا زومر وناتاليا مولومبو جاء بمناسبة اليوم العالمي لتدقيق الحقائق، قدمتا فيه قراءة نقدية لمستقبل التحقق في عصر الشبكات المغلقة.
توضح الكاتبتان أن مؤسسات التحقق اعتمدت لسنوات على مؤشرات تقليدية لقياس تأثيرها، مثل عدد المقالات المنشورة أو حجم التفاعل معها، وهي معايير كانت منطقية حين كانت المعلومات المضللة تنتشر عبر وسائل الإعلام التقليدية أو المنصات المفتوحة.
لكن هذا الواقع تغيّر جذريا، إذ أصبحت المعلومات اليوم تنتقل عبر قنوات أكثر خصوصية، مثل تطبيقات المراسلة والمجموعات المغلقة، مما يجعل رصدها أو تصحيحها أكثر تعقيدا.
وتؤكدان أن جزءا كبيرا من المعلومات المضللة لا ينتشر بدافع التضليل المنظم، بل من خلال أفراد يتداولونه بحسن نية، بدافع التحذير أو التفسير أو حتى الترفيه.
هذا التحول يجعل مهمة التحقق اجتماعية بقدر ما هي إعلامية، لأنه يرتبط بسلوكيات المستخدمين وثقتهم في مصادرهم المباشرة، مثل الأصدقاء أو المؤثرين المحليين، أكثر من المؤسسات الإعلامية الكبرى.
في هذا السياق، ترى الكاتبتان أن المشكلة لم تعد في إنتاج مادة تحقق دقيقة فحسب، بل في قدرتها على الوصول إلى الجمهور داخل هذه البيئات المغلقة.
فالمعلومة الصحيحة، مهما كانت موثوقا بها، تفقد قيمتها إذا لم تصل إلى المساحات التي تنتشر فيها الشائعات. لذلك، لم يعد كافيا تصحيح السجل العام، بل أصبح من الضروري التدخل في مسارات تداول المعلومات نفسها.
انطلاقا من ذلك، تدعو الكاتبتان إلى إعادة تصور التحقق باعتباره “بنية تحتية مدنية”، لا مجرد منتج تحريري. ويعني ذلك بناء شبكات توزيع فعالة، وتطوير شراكات مع وسائل إعلام محلية ومنظمات مجتمعية، والتعاون مع صناع محتوى قادرين على الوصول إلى الجمهور بلغته وأدواته.
كما يشمل ذلك إنتاج محتوى قابل للمشاركة وسهل التداول، يتناسب مع طبيعة المنصات الرقمية الحديثة.
وتعرض الكاتبتان تجربة “فاكت تشيكادو” (Factchequeado) بوصفها نموذجا عمليا لهذا التحول، حيث تعمل المنصة عبر شبكة واسعة تضم أكثر من 145 جهة، بين مؤسسات إعلامية ومنظمات مجتمعية وصناع محتوى.
وتقوم هذه الشبكة بدور متكامل يشمل رصد المعلومات المضللة، وتحديد الأولويات، وإنتاج محتوى تحقق، ثم توزيعه عبر قنوات متعددة تصل إلى جمهور واسع، خصوصا داخل المجتمعات الناطقة بالإسبانية في الولايات المتحدة.
وتشير التجربة إلى أن الثقة لم تعد مسألة مرتبطة فقط بالمؤسسة الإعلامية، بل أصبحت علاقة اجتماعية تُبنى عبر وسطاء محليين يثق بهم الجمهور.
لذلك، فإن العمل عبر هؤلاء الوسطاء لا يُعد تنازلا عن المعايير المهنية، بل وسيلة لتوسيع تأثيرها داخل البيئات التي يصعب الوصول إليها بالطرق التقليدية.
في المحصلة، ترى الكاتبتان أن مستقبل التحقق يرتبط بقدرته على التكيف مع هذا الواقع الجديد، حيث تتداخل العوامل الاجتماعية والتقنية في تشكيل مسارات المعلومات. ولم يعد السؤال فقط: كيف ننتج الحقيقة؟ بل أصبح: كيف نضمن وصولها وتأثيرها في عالم تتشكل فيه الاقتناعات خارج الفضاءات الإعلامية التقليدية؟
المصدر: الجزيرة





