محمد كريشان
كاتب وإعلامي تونسي
في السادس من أبريل /نيسان يحيي التونسيون الذكرى السنوية لرحيل الحبيب بورقيبة رئيسهم الأول وباني دولة ما بعد الاستقلال. ومع أن قيس سعيّد كان صرح عام 2017 قبل توليه الرئاسة بأن من يذهبون لقبر بورقيبة الذي توفي عام 2000 إنما يفعلون ذلك “ليس حباً فيه، بل بحثاً عن مشروعية في رفات الموتى” فإنه أصبح يقوم هو الآخر بذلك كل عام في موكب رسمي بمدينة المنستير التي دفن فيها بورقيبة أين يرتجل كلمة أمام عدد من الصحافيين.
الحكاية ليست هنا، بل في أن سعيّد كلّما تحدث، بهذه المناسبة أو غيرها، إلا وارتد كلامه عليه إذ ينبري كل منتقديه إلى الإمساك بكل ما قاله ليصبح حجة عليه لا له.
مما قاله قيس سعيّد أن “لوبيات”، لم يحدّد ماهيتها كالعادة، كانت تخطّط لبيع الصيدلية الوطنية المركزية والحي الأولمبي الرياضي بالمنزه وسط العاصمة، فبماذا رد عليه منتقدوه؟
لقد وجدوا في ما قاله فرصة ذهبية ليقولوا له إن الصيدلية المركزية اليوم مفلسة لأنها غير قادرة على دفع مبالغ بالعملة الصعبة لاستيراد الأدوية، ولهذا باتت الكثير من الأدوية شحيحة للغاية أو مفقودة وبعضها لأمراض مزمنة وجد أصحابها أنفسهم في وضع غير مسبوق جعلهم يستنجدون ببعض أقاربهم في الخارج لإرسال أدوية لا يستطيعون الاستغناء عنها ولا يوجد بديل لها في الأسواق. أما في ما يتعلّق بملعب كرة القدم الشهير وسط الحي الأولمبي فقد ردوا عليه بالقول بأن هذا الملعب بات خرابا بسببه هو بعد ما تم تفكيكه بالكامل بغرض إعادة بنائه، فلا هو تركه في حاله ولا هو أفلح في إعادة بنائه، حتى باتت صورته الكئيبة شهادة حية على الفشل وسوء التخطيط، مع إطلاق وعود كاذبة في كل مرة عن قرب انطلاق الأشغال.
اتهامات قيس سعيّد موجّهة طبعا لمن كانوا في الحكم قبل انقلابه عليهم في يوليو تموز 2021، ولهذا فالكل يقول له الآن إنه طالما أنك أفشلت خطط هؤلاء “الخونة والمتآمرين” كما يتهمهم دائما، ورميت بهم في السجون التي يقبعون فيها منذ زهاء الثلاثة أعوام فلترنا أنت ماذا فعلت بعد ذلك؟! والجواب هو لا شيء!!. يكتفي سعيّد دائما بالتقريع والهجوم على الجميع، وكأنه معارض لا يلين متناسيا أنه المسؤول الأول في البلاد وعليه أن يقدّم الحلول وكل ما قد يقنع الناس بأنه أتى لهم بما هو أفضل.
في كلمته أمس أيضا انتقد سعيّد خطاب التلفزيون التونسي داعيًا إلى إعلام يخدم التونسيين بعيدًا عن “المصطلحات التي لم يعد لها مكان اليوم” فبدا كمن يتبرّأ من إعلام هو من دفعه في هذا الاتجاه حين طالبه بالانخراط في “معركة التحرّر الوطني” فكان أن اختفت كل البرامج الحوارية التعددية، ومنع أي معارض من الظهور على شاشته فلم تعد تستضيف إلا الموالين الذين يزيّنون لسعيّد كل أفعاله، بل وانطلقت برامج خاصة تحاول تلميع مشاريعه المبهمة والفاشلة على غرار مشروع “الشركات الأهلية” التي لم يفهم منه التونسيون شيئا.
لقد وصل الابتذال عند أنصار الرئيس وخطابهم الإعلامي حد تصوير رفع الفضلات من الشوارع أنه يتم “بتعليمات من رئيس الدولة” وبأن حجز بعض المعدّات والبضاعة من بائعي الخضر بأنه يأتي بحرص من الرئيس على “مقاومة الاحتكار والمس من لقمة المواطن” مع أن ارتفاع الأسعار بات لا يطاق والمواطن أصبح عاجزا على توفير حياة كريمة فقد ارتفعت، وفق معهد الإحصاء الرسمي، أسعار الغلال بنسبة17,1بالمئة والدواجن16,7 بالمئة ولحم الضأن 14,3بالمئة والأسماك 12,3 بالمئة ولحم البقر 10.8 بالمئة، إلى درجة أن اقتناء المواطنين للدجاج المسعّر رسميا، ليصبح في متناول الناس، بات يحتاج الوقوف في طوابير طويلة تنظمها قوات الأمن!!
وحين ترى ما لحق بالعالم كله من تداعيات اقتصادية خطيرة بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران والارتفاع في أسعار المحروقات والمواد الغذائية فإن ما تنتظره تونس مدعاة للقلق فعلا خاصة مع ما تعانيه أصلا من صعوبات واختلالات مالية كبيرة مع غياب شبه تام لأية مشاريع تنموية قائمة أو مقبلة.
يضاف إلى كل ما سبق جو سياسي خانق لا تسمع فيه سوى أخبار الايقافات وأحكام السجن يمينا وشمالا آخرها قضية ضد محمد الغنوشي رئيس الوزراء السابق في عهد بن علي الذي يشهد له الجميع بالكفاءة والاستقامة، لاعتبارات كيدية يطول شرحها هنا، وحكم بالسجن لعام في حق أنس الحمادي رئيس جمعية القضاة التونسيين، ومحاكمة شوقي الطبيب العميد السابق للمحامين ورئيس هيئة مكافحة الفساد التي لم تعد قائمة، كما طالت أحكام السجن كلا من اللاعب الدولي طارق ذياب وآخر مدرب للمنتخب الوطني اللاعب الدولي السابق سامي الطرابلسي بدعوى مخالفات مالية لا تعالج عادة بأحكام سجن بل بتسويات معروفة.
كلمة أخيرة، قيس سعيّد استشهد في كلمته الأخيرة ببيت قال إنه للمتنبي.. لكن لا المتنبي المسكين قاله ولا هو بالشعر أصلا!!
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





