تونس وقصة «المخططات الخارجية»!

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

محمد كريشان
كاتب وإعلامي تونسي

 

 

أصاب وزير الداخلية التونسي خالد النوري تماما حين قال إنّ ملف المخدرات في بلاده “لا يقتصر العمل فيه على تتبّع الاستهلاك الأصغر فحسب، بل البارونات الكبيرة والعصابات المنظمة لترويج المخدّرات التي أصبحت تستعمل تكنولوجيا متطورة”، لكن جانب الصواب تماما حين قال، وهو يجيب أمس الأول على أسئلة شفاهية لعدد من النوّاب خلال جلسة عامة للبرلمان، إنه “قد تم التفطن إلى وجود مخططات خارجية لاستهداف القدرات العقلية للشعب التونسي عن طريق ترويج المخدّرات”.
ما قاله الوزير يجعلنا اليوم أمام معضلة حقيقية وهي بداية تسرّب حديث “المخططات والمؤامرات” مجهولة الهوية من خطب رئيس الدولة قيس سعيّد، الذي أدمنه طوال سبع سنوات، إلى وزراء في حكومته. وإذا كان بالإمكان تجاوزا القول إن التونسيين تعوّدوا من رئيسهم كلامه الدائم عن وجود مؤامرات في كل شيء وفي كل زاوية من البلاد، فإن انتقال “عدوى” محاربة هذه الأشباح النكرة من الرئيس إلى الوزراء لا يبدو مطمئنا على الإطلاق.
آفة المخدّرات عالمية وتكاد تعانيها كل الدول بدرجة أو بأخرى، حتى تلك الدول التي تسلّط على المتورطين فيها عقوبة الإعدام سواء كانوا من المنتجين أو المروّجين أو حتى المستهلكين أحيانا، لكن لم يعرف عن مسؤوليها ما يفيد أن هذا الملف، ذا التعقيدات المتشعبة والتي يتداخل فيها السياسي بالأمني بالاقتصادي، تقف وراءه جهات خارجية تستهدف بالتحديد عقول ذلك البلد أو ذاك. طبعا، المخدّرات مدمّرة للعقول وللمجتمعات على أكثر من صعيد، لكن من يقف وراءها من عصابات منظمة داخل كل بلد أو خارجه هدفهم آخر وهو جني الأموال الطائلة، وغالبا ما يكون ذلك باختراق الطبقة السياسية والنخبة الاقتصادية وأجهزة الأمن عبر الرشوة الضخمة التي غالبا ما تفضحها مظاهر ثراء فاحش سريع.
إن تصوير الأمر على أنه “مخطّطات خارجية” (وليس مخططا واحدا!!) تستهدف عقول التونسيين، دون توضيح دقيق ومفصّل وواضح لمن يقف وراء هذه المخططات ومن ينفّذها على الأرض وكيف وأين، ما هو إلا تبسيط مخل للغاية قد يقود إلى وهم الاعتقاد بأن تونس تكاد تكون قلعة للعقول العبقرية التي يسعى البعض (من هو أصلا؟)، إلى الإضرار بها بغية تعطيلها، أو كأن البلد مثلا شركة تكنولوجية عالمية رهيبة للذكاء الاصطناعي تستحق إغراقها بالمخدرات فهي أكثر تدميرا من مجرد هجوم سيبراني عليها!!

لو أن الوزير قال إن آفة المخدرات مدمّرة للعقول وبالتالي فهي كارثة على كل مجتمع في وعي أبنائه وصحتهم وتماسكم وقدرتهم على الإنتاج والإبداع في كل المجالات لما استغرب أي كان، ولما سخر كثيرون من كلامه في مواقع التواصل، لكن هذه الإشارة إلى “مخططات خارجية” وما تحيل إليه من نزعة تآمرية شرّيرة، ومن جهات معادية تناصب تونس العداء، وكأن البلد في حرب وجودية رهيبة مع عدو لئيم وخطير لا يترك سلاحا لتركيعها إلا ولجأ إليه، فهي إلى الهلوسة أقرب منها إلى أي شيء آخر.
كل الرجاء أن ما قاله وزير الداخلية لا يعدو أن يكون عدم توفيق في التعبير يجب ألا يحمّل أكثر مما يحتمل، أما إذا كانت “المخططات الخارجية” إشارة واعية منه فإن الخطر الحقيقي هو أن العدوى آنفة الذكر من الرئيس إلى وزير داخليته قد تنتقل لاحقا إلى وزراء آخرين فيصبح الرئيس وأغلب وزرائه ينامون جميعا على مؤامرات ويصحون عليها لتبرير أي شيء، حتى يتحوّل المشهد كله إلى مسؤولين ديدنهم إنكار الواقع المرير مفضّلين الهروب إلى المخططات والدسائس الخارجية (والداخلية لا ننسى ذلك!) التي تحاك ليلا نهارا ضد الشعب التونسي المسكين، ومن شابهَ رئيسَه فما ظلم!!
ماذا لو جاء وزير التربية مثلا وقال إن الحالة المزرية للمدارس والمعاهد دون عناية أو صيانة لا تعود إلى غياب الاعتمادات المالية اللازمة وتراجع قطاع التعليم ورجاله في سلّم اهتمامات الدولة ومشاريعها الكبرى، وإنما تعود إلى “مخطّطات خارجية” تهدف إلى تجهيل أبناء الشعب فيخرج جيل المستقبل فاقدا للمعرفة والوعي!!
ماذا لو خرج وزير الصحة مثلا ليقول بأن حالة المستشفيات الحكومية المزرية هي الأخرى وغياب الكثير من الأدوية من الصيدليات لا يعود إلى عدم الاستثمار في الصحة العامة وغياب السيولة المالية لدى الصيدلية المركزية لدفع مستحقات شركات الأدوية العالمية، وإنما الأمر كله يعود إلى “مخطّطات خارجية” لضرب صحة التونسيين وقتلهم تدريجيا بتركهم عرضة لأمراض تفتك بهم؟!
ماذا لو خرج وزير الزراعة أو التجارة مثلا ليقول إن الارتفاع الفاحش في أسعار الخضار والغلال واللحوم لا يعود إلى خيارات حكومية خاطئة في التعامل مع قطاع الزراعة ككل، ومع المزارعين ومشاكلهم العويصة في الإنتاج، وإنما تعود إلى “مخطّطات خارجــية” لتجـويع التونسيين وحرمانهم من خيـرات بلاد زراعية بامتياز ؟!!
ماذا لو؟ وماذا لو؟….أخشى أن يكون “المخطّط” الوحيد الحقيقي، وهو داخلي بالتأكيد هذه المرة بلا جدال، هو سعي سلطة الأمر الواقع عبر هذه التبريرات الهلامية، الحالية إلى استبلاه الناس والاستخفاف بعقولهم. هنا الطامة الكبرى.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...