مراجعات ما بعد الحرب الحالية

إيطاليا تلغراف

 

 

 

محمد كريشان
‭ ‬كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬تونسي

 

سواء استمر وضع “خفض التصعيد” في الحرب الحالية الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية أو عادت لتشتعل بوتيرة أقوى وأخطر، فإن ذلك لا يمنع من المسارعة إلى محاولة استخلاص أبرز الدروس، حتى وإن كانت حاليا عامة للغاية أو فضفاضة.
قد يرى البعض هذا الاستخلاص مبكّرا طالما لم تضع الحرب أوزارها، لكن ذلك لم يمنع ظهور بعض الأصوات التي ترى أن ما حصل إلى حد الآن مدعاة إلى التفكير الجاد في مراجعات باتت، وفق تقديراتهم، ملحّة أكثر من أي وقت مضى. صحيح أن هذه الأصوات لم تتحوّل بعد إلى تيّار مهيمن أو مؤثر بشكل كبير داخل الطبقة السياسية أو الرأي العام السائد، وهي تختلف من طرف إلى آخر وفق توفّر أو عدم توفّر معايير معيّنة لقياس مثل هذا التيار، لكن ذلك لا يحول دون تلمّس، ولو أوّلي، لأبرز الأفكار المتداولة حاليا بشكل أو بآخر.

بالنسبة إلى الولايات المتحدة، ستزداد الأصوات المنتقدة للحرب قوة وعنفا عندما تتوقف حين يقف الجميع أمام عبثيتها حين تعود واشنطن إلى الحديث مع النظام في طهران دون أن تحقق أيا من أهدافها الكبرى المتناقضة. في نهاية المطاف سيستأنف المفاوضون الأمريكيون والإيرانيون محادثاتهم غير المباشرة ربما في النقطة التي توقفوا عندها قبل الحرب. منذ البداية، كان الديمقراطيون ضد هذه الحرب التي عارضها أغلب الأمريكيين، وفق كل استطلاعات الرأي، لكن ذلك لم يعره ترامب وفريقه أي اهتمام، لكن الأمر قد يتغيّر حين يقف هؤلاء قريبا عند حقيقة أن القوة المتعجرفة غير قادرة على حل كل الإشكالات. ومهما يقوله الجمهوريون وغلاة المتطرفين منهم فإن الولايات المتحدة ستخرج من هذه الحرب مكسورة الشوكة، بدرجة أو أخرى، بعد كل الفوضى التي أحدثتها والخسائر الفادحة التي خلّفتها. لا أحد يدري الآن ما إذا كان ذلك سيؤدي إلى مراجعة جذرية خلاصتها أنه لم يعد بمقدور القوة الأكبر في العالم أن تفرض ما تريده على الجميع، أصدقاء وأعداء على حد سواء، كما كانت تفعل من قبل، فذلك عهد قد يكون بدا يُطوى نهائيا.
بالنسبة إلى إسرائيل التي لم تعد تجيد سوى لغة الحرب والإبادة بعد ما أصيبت بسعار السابع من أكتوبر 2023، من غير الوارد أن تستخلص أي شيء طالما ظلت الطبقة الحاكمة هي نفسها بقيادة نتنياهو. قلة هي المدركة أن لا مستقبل لهذه الدولة طالما ظلت في عداء وحروب دائمين مع محيطها الفلسطيني القريب والعربي المجاور والمسلم البعيد. هذا الوضع يدعمه رأي عام لم تعد تسمع فيه سوى أصوات المتعطّشين للحروب والدمار بحيث لم يبق من المختلف عنهم سوى صحيفة “هآرتس” وبعض الأصوات القليلة في الكنيست. ستبقى إسرائيل بعد هذه الحرب منبوذة في المنطقة وإن كانت قوية طالما ظلت واشنطن إلى جانبها لكنها ستضعف حتما يوما ما بضعف من يحميها، وستسقط حتما بأفول نجمه التدريجي.
بالنسبة إلى إيران، المراجعات ستكون أقسى وأمر. بإمكان طهران بعد أن تنتهي الحرب أن تفتخر بأن نظامها لم يسقط وأنها لم ترفع راية الاستسلام الكامل كما أراد ترامب لكن ذلك لن يعفيها من التفكير الجدي والشامل حول مكانتها المستقبلية في محيطها وفي العالم. بعد هذه الحرب لا يمكن لإيران أن تتجاهل ضرورة تغيير صورتها الدولية الكريهة، لدى كثيرين، أو الضرورة العاجلة لترميم علاقاتها مع دول الجوار الخليجي التي أمطرتها بالصواريخ والمسيّرات، ومن بينها دول كان البعض يلومها بسبب علاقاتها السياسية الطيبة معها مثل عُمان وقطر، أو التجارية والمالية النشطة مثل الإمارات. قد تطرب طهران أن الرأي العام في المغرب العربي مثلا كان متعاطفا معها ولكن أي قيمة لهذا أمام تحوّل كبير للغاية في منسوب الحذر والتوجس منها في الخليج إلى شعور عداء ليس من السهل تغييره في المدى القريب.
بالنسبة إلى دول الخليج العربية، المراجعات لا تقل صعوبة وألما فقد استوى لدى قطاع واسع من رأيها العام أن إيران عدو لا يقل خطرا عن إسرائيل، وأن هذه الدولة الجارة لا يؤتمن جانبها بل ويمكنها أن تؤذيك وتسبب لك خسائر ليست بالهيّنة حين تأخذك رهينة في حربها. في المقابل، استقر لدى نفس الرأي العام أن الولايات المتحدة ليست حليفا موثوقا، وأن واشنطن لا تعير أمن دول الخليج العربية أي اهتمام حقيقي عندما تدخل إسرائيل في المعادلة، بل إن هذه القواعد الأمريكية على أرضها، التي أريد منها بالأساس الردع أكثر من أي شيء آخر، لم تعد تؤدي الغرض بل صارت مجلبة للعدوان عليها. جيد جدا أن دول الخليج رفضت الانجرار إلى هذه الحرب، كما أراد البعض توريطها في ذلك، والكثير هناك من أبناء المنطقة يدعون الآن إلى مراجعة جذرية للعلاقات مع واشنطن وتنويع التحالفات، والأهم من كل ذلك التوجه إلى صياغة علاقات خليجية جديدة عسكريا وسياسيا تنهي الخلافات الثنائية لأن المسألة أصبحت مصيرية ووجودية، مما يستوجب صيغة مختلفة بالكامل لمجلس التعاون الخليجي بعد مراجعة نوعية جريئة وغير مسبوقة يجب ألا تتأخر.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...