يتفق محللون وباحثون في الاقتصاد والشؤون الأمنية والجيوسياسية على وصف واحد لحال المنطقة اليوم بأنها “حالة من اللاحرب واللاسلم”، وتنزف فيها إيران ودول الخليج والولايات المتحدة على حدٍّ سواء، وإن اختلفت وجوه النزيف.
فواشنطن تحاول إدارة حصار بحري يُثقل أسواق الطاقة العالمية، وطهران تتمسك بورقة مضيق هرمز سلاحا وجوديا في مفاوضاتها، ودول الخليج تدفع فاتورة صراع لم تُقرّره ولم تُدعَ إلى التفاوض على شروطه، ويقف العالم كله يواجه تداعيات أزمات في الطاقة ومكونات ضرورية للزراعة والإنتاج.
فهل ستتحمل المنطقة والعالم هذه الحالة من ضبابية المفاوضات وهشاشة الهدنة التي قد تنفجر في أي لحظة؟
إن القصة بدأت فصولها مع الهدنة التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الثامن من أبريل/نيسان الجاري، حين أعلن وقفا مشروطا لمدة أسبوعين بعد أن هدّد “بإرسال إيران إلى العصر الحجري” إن لم تُعد فتح المضيق.
وإثر ذلك، انطلقت مفاوضات إسلام آباد التي رعتها باكستان وجمعت الطرفين لأول مرة، غير أن الجولة الأولى أُسدل عليها الستار دون توافق، لتُمدَّد الهدنة بعدها بلا سقف زمني محدد، مُعلّقة جميع الأطراف في منطقة رمادية تتراكم فيها الخسائر دون أن يتحمل أحد المسؤولية الرسمية عنها.
ومنذ اندلاع الحرب على إيران في 28 فبراير/شباط 2026، تجاوزت التداعيات الاقتصادية كل التوقعات. فعلى صعيد دول الخليج وحدها تراكمت خسائر تناهز 700 مليار دولار، مع خسائر يومية مباشرة تتجاوز ملياري دولار جراء تعطل صادرات النفط والغاز.
وعلى الصعيد العالمي، استوعبت أسواق الغاز الطبيعي المسال خسارة تراكمية تقارب 12 مليون طن، وقد تتجاوز 60 مليون طن بحلول نهاية العام إن استمر الجمود، وهو رقم كفيل بإشعال أزمة طاقة تمتد من آسيا إلى أوروبا وتصل إلى المستهلك الأمريكي نفسه.
من يتحمل خسائر كلفتها 700 مليار دولار؟
حين تنفجر الحرب في منطقة تحتضن خُمس احتياطيات النفط والغاز في العالم، فإن خسائرها لا تتوزع على التكلفة المباشرة للحرب والتي يقدرها الخبراء في رقم يتجاوز 700 مليار دولار، بل تتجاوز ذلك إلى استهداف نموذج من الاستقرار الاقتصادي الممتد إلى نمط الحياة نفسها.
وهذا النموذج يرى الأكاديمي والباحث في الشؤون الإستراتيجية عبد الله الغيلاني أنه قام تاريخيا على ركيزتين لا ثالث لهما:
- الأمن المُفضي إلى الاستقرار.
- العوائد المالية الناجمة عن صادرات النفط والغاز.
وعندما تهدد الحرب هاتين الركيزتين معا، يجد النظام السياسي الخليجي نفسه أمام استحقاقات وجودية لا تقبل التأجيل، فإعادة تشغيل منشآت الطاقة والمدن الصناعية التي أعطبتها الهجمات ستستغرق بضع سنوات، وستُثقل موارد الدولة الخليجية وربما تضطرها إلى الاقتراض. أما الأضرار ممتدة الأثر فتطول حركة الطيران والسياحة والاستثمار والبنية التحتية، فضلا عن تضخم بنود الإنفاق العسكري التي ستُربك الميزانيات العامة وتُبطئ معدلات النمو لسنوات.
ويُلفت الغيلاني -في تصريحات للجزيرة نت- إلى أن مصدر التهديد الأكبر ليس الخسائر المادية المباشرة رغم ضخامتها، بل حالة العجز الإستراتيجي التي تجعل الإقليم منزوع القدرة على مدافعة الخطرين الأمريكي والإيراني معا، محوِّلة الخليج إلى أداة ضغط يستخدمها الطرفان دون أدنى اعتبار لمصالح المنطقة.
لكن محلل أسواق الطاقة سيب كينيدي يذهب أبعد من ذلك، ويصف ما يجري في المنطقة بأنه “قنبلة موقوتة”؛ فمع كل يوم يمر في ظل هذا الجمود تتسع الهوة بين العرض والطلب، والسوق لن تستطيع إلى ما لا نهاية امتصاص هذه الجزيئات المفقودة. والسعر الذي يدفعه العالم لا يتوقف بتوقف الصواريخ، بل يستمر تراكمه يوما بعد يوم ما دام مضيق هرمز تحت هذه الغيوم من الغموض الإستراتيجي.

هرمز.. سيف مُشهر في وجه من؟
ثمة حقيقة يدركها كل من جلس على طاولة إسلام آباد وإن أبى الإفصاح عنها: مضيق هرمز لم يعد ورقة ضغط إيرانية طارئة، بل تحوّل إلى ركيزة إستراتيجية راسخة في بنية الردع الإيراني، مما يجعل أي اتفاق مُتفاوض عليه مثقلا بهذا الواقع قبل أن تُكتب كلمته الأولى.
ولذلك يرى كينيدي -في تصريحاته للجزيرة- أن أي اتفاق لا ينجز آلية للتحكم في المضيق سيظل تهديدا لتدفقات الغاز والنفط عبر هرمز، مؤكدا أن طهران لن تتخلى عن هذه الورقة التي أثبتت قوتها الشديدة في أي وقت قريب.
ومن وجهة النظر الأمريكية، يوضح المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأمريكية جايسون كامبل أن الولايات المتحدة وجدت نفسها في وضع لا يمكنها فيه أن تقف مكتوفة الأيدي بينما تواصل إيران السيطرة على المضيق وتصبح حارسة ليس على الاقتصاد الإقليمي وحده بل على اقتصاد العالم بأسره.
ويضيف كامبل -للجزيرة- أن الحصار البحري الأمريكي لموانئ إيران كان محاولة لوضع طهران على قدم المساواة مع الدول المتضررة من إغلاق المضيق، وإن أقرّ بأن أسلوب تطبيق هذا الحصار وتسلسله كان يمكن أن يكون أكثر انضباطا.
ويعبر عن وجهة النظر الإيرانية الخبير الباكستاني في السياسات الدفاعية والأمنية زاهد محمود، إذ يقول إن إيران وضعت إستراتيجية تستند إلى موقعها في هرمز بوصفه نقطة ضغط اقتصادية بامتياز، وأن طلبها مليوني دولار رسوما عن كل سفينة تعبر المضيق ليس مجرد مطلب مالي بل تعبير عن رؤية إستراتيجية تحوّل هرمز إلى نقطة صلبة في معادلة القوة بين إيران والعالم.
وليس بعيدا عن ذلك ما أشارت إليه محللة الشؤون الأمنية والدفاعية عنزة ثاقب أخوند، فالصين استفادت إستراتيجيا من هذه الأزمة؛ إذ إن كل برميل نفط إيراني يُحجب عن الأسواق الغربية يُعزز علاقة بكين الثنائية في مجال الطاقة مع طهران، فيما يصرف انشغال الجيش الأمريكي في الخليج موارده عن بحر جنوب الصين وتايوان.
مفاوضات بلغات مختلفة
جلس المفاوضون الأمريكيون والإيرانيون في إسلام آباد على طاولة واحدة للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب. جمعتهم باكستان في غرفة واحدة، لكن الأوراق التي جاء بها كل طرف كانت تتحدث بلغات متباعدة.
ويرسم كامبل ملامح هذا الجمود، إذ حضرت واشنطن بخطة تقوم على 15 بندا، لكن إيران جاءت حاملة خطة مختلفة تتكون من 10 بنود، وهذه الفجوة لم تتقلص ولم تصل إلى مجموعة من النقاط المتقاطعة.
ويُضيف المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأمريكية أن ترمب -الذي قضى أكثر من عقد في انتقاد اتفاق “خطة العمل الشاملة المشتركة”- يجد نفسه الآن أمام حقيقة سياسية تُلزمه بإبداء قدر من التساهل في بعض النقاط دون تغطية قائمة مطالب واشنطن بالكامل.
وعلى الجانب الإيراني، يرى كامبل أن كثيرا من بنود طهران “غير قابلة للبحث أصلا”، لا سيما مسألة الرسوم على عبور المضيق، ويخلص إلى أن كلا الطرفين يحتاج إلى تقديم تنازلات فعلية مع تسويقها في الداخل على أنها ليست خسارة.
ويُكمل محمود هذه الصورة من كواليس إسلام أباد، مؤكدا أن باكستان قدّمت قبل الحرب تحليلا دقيقا للتكلفة والعائد، ولكنه ينبّه في الوقت نفسه إلى خطر المُعطِّلين من أطراف خارجية، وفي مقدمتهم إسرائيل التي تُوحي الحرب بأنها تأثرت بمصالحها أكثر مما تأثرت بأهداف سياسية أمريكية بحتة.
الهدنة الممتدة ورهاناتها الخطرة
حين يُمدَّد وقف إطلاق النار بلا سقف زمني، تتحول الهدنة من فسحة دبلوماسية إلى ساحة معركة من نوع مختلف؛ تُقاس نتائجها بموازين التموضع والنفوذ لا بإحصاءات الضحايا. وفي هذه المنطقة الرمادية تعيش المنطقة اليوم على وقع قلق تتراكم آثاره وتبعاته الاقتصادية كل يوم.
وتُحلل عنزة أخوند هذه الديناميكية بعمق إستراتيجي، مؤكدةً أن تمديد وقف إطلاق النار لا يعني تحسنا في الثقة بين الطرفين، بل يعني أن الزمن تحول إلى سلاح وأداة دبلوماسية.
وتضيف -في تصريحاتها للجزيرة- أن واشنطن تحتفظ بالضغط دون إطلاق الرصاصة الأولى، في حين تتجنب طهران المواجهة الفورية وتكسب مساحة لسردية رفع العقوبات في خطابها الداخلي. مؤكدة أن التمديد بهذا المعنى لا يُقلّص المخاطر بل يرفع سقفها: يُضاعف فرصة الدبلوماسية، لكنه يُضاعف في المقابل تبعات الفشل.
وتحدد محللة الشؤون الأمنية والدفاعية سيناريوهين:
- السيناريو الأول: إذا اكتسبت المحادثات زخما حقيقيا فقد يتطور الأمر إلى مرحلة استقرار أطول واتفاقات تدريجية بشأن السلوك البحري وآليات خفض الاحتكاك.
- السيناريو الثاني: إذا تعثرت المفاوضات، فسيكون الانهيار أشد حدة لأن الطرفين سيكونان قد استغلّا هذا الوقت الإضافي لإعادة التموضع عسكريا وسياسيا.
ويُؤطر كامبل هذه اللحظة بوصفها “منطقة رمادية ضبابية” تُمليها شروط وقف إطلاق النار، موضحا أن هذا الجمود الغريب المتواصل حول هرمز والحصار البحري يُضيف عناصر ضغط متصاعدة على الاقتصاد العالمي مع استمرار ارتفاع أسعار الطاقة وتراكم تأثيراتها على نطاق واسع.
وفي حين يصف الخبير في السياسات الدفاعية والأمنية مفاوضات باكستان بأنها “بطاقة خروج حيوية لكل من إيران والولايات المتحدة”، فإنه ينبه إلى أن هذا الوقت يصبح بالغ القلق ولا يؤثر على المنطقة وحدها بل على العالم بأسره.
الخليج والمعضلة التي تحتاج إلى حل
في حسابات الاقتصاد السياسي الدولي لا تنتهي الحرب بإعلان الهدنة، والخسائر المتراكمة منذ 28 فبراير/شباط تبحث عمن يتحمل كلفتها، وكيف، ومتى؟ وهذا هو السؤال الذي يبدو حتى الآن خارج أجندة أي مفاوضات رسمية، رغم أنه ربما يكون الأكثر إلحاحا من منظور الاستقرار الإقليمي الدائم.
ويلخّص الغيلاني المعضلة في جملة ذات ثقل إستراتيجي: الخليج يعيش حالة منزوعة القدرة على مدافعة الخطرين الأمريكي والإيراني، حسب قوله. وهذا يعني أنها تدفع الثمن لطرفين لا يُسألان عن الخسائر التي ألحقاها بالمنطقة، ومن هنا يصبح الحديث عن التعويض ليس مطلبا إضافيا بل شرطا للعدالة الدولية التي يقوم عليها أي سلام حقيقي.
ويُحذّر كينيدي من أن السوق لن تستطيع إلى ما لا نهاية تحمل هذا الفقد اليومي في موارد الخليج من النفط والغاز، والسعر الذي يدفعه العالم لا يتوقف بتوقف الصواريخ وإعلان الهدن، بل يستمر تراكمه ما دام المضيق مغلقا.
ويتوافق المحللون الخمسة، رغم تباين منطلقاتهم وزوايا رؤيتهم، على حقيقة جوهرية واحدة: لا حرب تنتهي دون أن يدفع أحد ثمنها الحقيقي، وأن الهدن الممتدة رفعت سقف المخاطر في الاتجاهين: نحو الدبلوماسية أو نحو الانهيار المفاجئ والحاد.
وفي نهاية المطاف، لا تعيش المنطقة في سلام ولا في حرب؛ بل في فضاء من ضبابية النتائج والخسائر التي لا تنتهي تداعياتها، والفاتورة الكبرى المعلقة في الهواء لن تذهب دون حساب.
ويصبح السؤال ليس ما إذا كانت ستُدفَع أم لا، بل من يملك الشجاعة السياسية لوضعها رسميا على طاولة أي تسوية مقبلة.
المصدر: الجزيرة





