من المنتصر إيران أم أمريكا؟ .. تلك هي المعضلة

إيطاليا تلغراف متابعة

في الرابع من مايو/أيار، اقترب مضيق هرمز خطوة أخرى من حرب مفتوحة. فقد أفادت التقارير بأن القوات الإيرانية أطلقت صواريخ ونشرت طائرات مسيرة باتجاه مواقع بحرية أمريكية وحركة مرور تجارية عابرة للمضيق.

واندفعت زوارق سريعة في أسراب فتعرضت للتدمير، وضُربت ناقلة مرتبطة ببعض دول الخليج. وردت المروحيات والقطع البحرية الأمريكية باعتراض الصواريخ وإغراق عدة سفن إيرانية.

وفي الوقت ذاته، أطلقت واشنطن ما تسميه “مشروع الحرية”، الذي يهدف إلى إرشاد السفن التجارية العالقة للخروج من الخليج. وما لبثت طهران أن حذرت من أن أي تحرك من هذا القبيل دون تنسيق سيعد انتهاكا وسيكون عرضة للهجوم.

بعبارة أخرى، فقد تصرف كلا الجانبين كما لو أنهما يفرضان النظام، وكلاهما عامل الآخر على أنه الطرف غير الشرعي.

وهنا تكمن المواجهة الآن فلا هي سلم، ولا هي حرب معلنة، بل حالة أشد تقلبا؛ فهي عملية منظمة يتم فيها حساب كل خطوة بدقة، وكل إشارة فيها متعمدة، وأي سوء تقدير قد يكون حاسما. بهذا المعنى، يكون مفهوم الحرب الجارية قد تغير.

امتصاص الضغوط

إن ما بدأ كاشتباكات حركية ميدانية في 28 فبراير/شباط بهجوم أمريكي وإسرائيلي على إيران في شكل ضربات، وردود انتقامية، وتأزم ملموس، تحول الآن إلى اختبار للقدرة على التحمل وللرسائل الضمنية. فلم تعد طهران تسعى إلى هزيمة الولايات المتحدة عسكريا، كما لم تعد واشنطن تسعى إلى فرض سيطرة فورية.

وبدلا من ذلك، يحاول الطرفان وضع إطار معين للصراع عبر تشكيل صياغة التصورات بشأنه، وامتصاص الضغوط، والتأثير في شروط أي تسوية مستقبلية.

يفهم هذا التحول بوضوح داخل إيران، ويجري تبنيه بشكل متزايد، وهو أمر ينبغي أن يدفع المراقبين الخارجيين للتريث. ولم يعد النصر يعرَف على أنه هيمنة في ساحة المعركة، بل بالبقاء، والتماسك، والقدرة على تكبيد الخصم أثمانا باهظة دون الانهيار.

إن السردية المتداولة الآن في طهران -من المسؤولين إلى المحللين وحتى فئات من الطبقة المثقفة- تتسم بقدر لافت من الاتساق تمثل في امتصاص إيران الضغوط، والحفاظ على استقرارها الداخلي، ونقل المواجهة إلى ساحة تبدو فيها القوة الأمريكية أقل حسما مما كانت عليه من قبل. هذه السردية تخلق هامشا للمناورة وتبني قدرا من المشروعية، لكنها تنطوي أيضا على مخاطر.

فبينما أوضحت إيران إستراتيجيتها، لم تحدد الولايات المتحدة بعد غايتها النهائية. إن موقف واشنطن اليوم هو مزيج من التصعيد والإشارات والدبلوماسية المترددة؛ فهي تنشر قوة غاشمة لكنها تتجنب الاشتباك الحاسم، وتتحدث عن المفاوضات لكنها ترفض الشروط الأساسية التي طرحتها إيران وهي إنهاء الحصار، ورفع العقوبات، وتقليص الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.

والنتيجة ليست مرونة، بل غموضا؛ وهو نهج يحافظ على الخيارات على المدى القصير، لكنه يجعل من الصعب ترجمة القوة العسكرية إلى نتيجة سياسية واضحة.

إعادة تعريف النظام الإقليمي

في المقابل، تسعى إيران إلى ما هو أكثر تماسكا، وإن لم يخل الأمر من خلافات داخلية في طهران. فنهجها لا يقوم على تحقيق نصر حاسم، بل على الاستنزاف المتمثل في رفع التكاليف، وإطالة أمد الحرب، وجعل الصراع غير قابل للحسم وفق الشروط الأمريكية. وفي القلب من هذه الإستراتيجية يقبع الآن مضيق هرمز.

إن ما كان ذات يوم مجرد تهديد وورقة لا تستخدم إلا في أشد الظروف حرجا، أصبح أداة فاعلة.

فإيران لا تكتفي بالتحذير من قدرتها على إغلاق المضيق، بل هي تستخدمه بالفعل عسكريا، عبر الاستفزاز وتوجيه الرسائل. واقتصاديا، من خلال تعطيل انسياب النفط ورفع تكاليف التأمين. وسياسيا، عبر إجبار الفاعلين الدوليين على الانتباه.

وبذلك، حولت هرمز من نقطة اختناق إلى ما هو أكثر أهمية: لقد حولته إلى رافعة ضغط.

وحتى الآن، تبدو هذه الرافعة فعالة؛ فقد ارتفعت أسعار النفط، وتباطأت حركة الشحن، وزادت تكاليف التأمين، وباتت دول المنطقة أكثر قلقا حيال مآلات هذا الوضع. ولم تعد كلفة المواجهة محصورة في إيران، بل أصبحت عالمية.

لكن في خبايا هذه الثقة، يتبلور نقاش أكثر تعقيدا في طهران. لقد خلقت حرب الأربعين يوما، ووقف إطلاق النار الهش الذي أعقبها، فرصة نادرة؛ ليس لتحقيق النصر، بل لإحداث اختراق سياسي.

فكلا الطرفين يدرك الآن أن هذا الصراع لا يمكن حسمه بالقوة وحدها، فلا أحد يستطيع فرض نتيجة حاسمة بتكلفة مقبولة. ومن الناحية النظرية، ينبغي أن يدفع هذا الإدراك الطرفين نحو الدبلوماسية، لكن النظرية والسياسة نادرا ما تتطابقان.

في طهران، جرى تحديد التوجه الإستراتيجي من أعلى الهرم؛ حيث صاغ مجتبى خامنئي اللحظة الراهنة بوصفها بداية لمرحلة جديدة تعيد تعريف النظام الإقليمي، مع سعي إيران لفرض سيطرتها على المضيق وتقليص دور القوى الخارجية. إنها قراءة طموحة للتوازن الحالي تعكس الثقة في مرونة إيران وقدرتها على التأثير. ومع ذلك، ثمة قلق حتى داخل النظام.

ولا يكمن القلق في افتقار إيران للقوة، بل في احتمال تمدد هذه القوة إلى حد مفرط، وبسرعة أكبر مما ينبغي، ومن دون حساب دقيق للآثار الجانبية. فتعطيل مضيق هرمز لفترة طويلة قد يوقع إيران فيما سعت إلى تجنبه طويلا وهو اصطفاف أطراف خارجية تدريجيا ضدها، مدفوعة بالضرورة الاقتصادية أكثر منها بالسياسة.

وكما قال أحد المحللين الإيرانيين: “لقد غيرت إيران قواعد اللعبة، والسؤال هو ما إذا كانت تجبر الآخرين الآن على الاتحاد لتغييرها مجددا”. وهنا يصبح الجدل السياسي داخل طهران أكثر وضوحا وتأثيرا.

تغيير المعادلة السياسية

وثمة أحد التيارات يرى أن هذه هي اللحظة المناسبة لممارسة الضغط؛ فالولايات المتحدة ترزح تحت وطأة ضغوط سياسية واقتصادية وإستراتيجية، وتحالفها غير متماسك، وأهدافها غير واضحة.

ومن منظور هذا المعسكر، ينبغي لإيران أن تستثمر موقعها بقوة، وأن تنتزع التنازلات بينما يميل ميزان القوى لصالحها. وفي المقابل، يرى تيار آخر في هذا المنطق خطرا.

وبالنسبة لهؤلاء، لا تكمن الأولوية في تعظيم أوراق النفوذ، بل في تحويلها إلى مكاسب. ويجب أن يكون الهدف هو الوصول إلى اتفاق أساسي وجوهري يستقر بموجبه المضيق، ويخفف التوترات الفورية، ويفتح المجال لمفاوضات أوسع، على ألا يكون صفقة كبرى، بل مجرد نقطة انطلاق.

وحجتهم هذه مستمدة من الخبرة؛ فقد راكمت إيران في الماضي أوراق ضغط، لكنها رأتها وهي تتبدد في مواجهات مطولة. فالنجاح التكتيكي لا يترجم تلقائيا إلى مكسب إستراتيجي.

ثم يبرز العامل الثالث، وهو السياسة الداخلية. فالنظام الإسلامي في إيران يتمتع بمرونة نسبية؛ فلم يؤدِ فقدان القيادات خلال الحرب إلى انقطاع الاستمرارية، فقد تكيفت هياكل صنع القرار مع الواقع الجديد، وتمكنت الدولة من امتصص صدمات كانت كفيلة بزعزعة أنظمة أخرى.

لكن المرونة لا تلغي الاحتكاك. فلا تزال الفصائل الأكثر تشددا تنظر بريبة عميقة إلى الدبلوماسية؛ فهي تتصور المفاوضات ضربا من المخاطرة، والتسوية على أنها تآكل، والتقارب بوصفه تهديدا للتماسك الأيديولوجي.

ولا تكمن قوتها في عددها، بقدر ما هي في قدرتها على تشكيل البيئة السياسية لرفع كلفة التسوية، وتقييد المفاوضين، وتحويل أي اتفاق إلى عبء داخلي.

وفي الوقت نفسه، تدفع أصوات أكثر براغماتية في الاتجاه المعاكس؛ إذ تجادل بأن المفاوضات ليست انحرافا عن الإستراتيجية الحالية بل امتدادا لها، وأن الدبلوماسية هي الوسيلة لتحويل الانتصارات العسكرية إلى واقع سياسي مستدام.

ويشير مسؤولون إيرانيون معتدلون إلى أن ساحة الحرب ربما أرست نفوذا، لكن الدبلوماسية وحدها القادرة على تحويلها إلى نتيجة. وينبغي لهذه الدبلوماسية أن تمنح إيران نتيجة إيجابية لا لبس فيها.

وهذا هو جوهر اللحظة الراهنة. فوقف إطلاق النار، بصورته الحالية، ليس خفضا للتصعيد، بل هو توقف مؤقت أي حالة انتظار يختبر فيها كلا الطرفين الحدود ويستعدان لما هو قادم. ولا تزال مخاطر تجدد التصعيد مرتفعة، وهامش الدبلوماسية، رغم واقعيته، يظل ضيقا.

والزمن ليس عنصرا محايدا؛ فكلما طال أمد هذا الوضع، تحول أكثر إلى توازن قلق تزيد كلفته بحيث لا يمكن تصعيده بحدة، وغير محسوم بحيث لا يمكن تثبيته. بالنسبة لإيران، أصبح التحدي الآن جليا: لقد أثبتت مرونتها، وكبدت الخصم خسائر فادحة، وغيرت قواعد الميدان.

والسؤال الآن هو ما إذا كان بإمكانها تغيير المعادلة السياسية؛ ذلك لأن الخطر الأكبر في هذه المرحلة ليس في فشل الدبلوماسية، بل ألا يسمح لها بأن تنطلق بجدية أبدا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...