منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، احتدمت السجالات العلنية بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وبابا الفاتيكان ليو الرابع عشر، في مواجهة غير مسبوقة بين البيت الأبيض والفاتيكان حول من يملك حق تعريف الخير والشر في زمن الحرب، وحدود تدخل الدين في السياسة.
وتبادل الطرفان انتقادات لاذعة على خلفية مواقف البابا ليو الرابع عشر المناهضة للحرب على إيران، واعتراضه على استخدام الدين كأداة لإضفاء الشرعية الأخلاقية على العمليات العسكرية الأمريكية في المنطقة.
بدا هذا المشهد صادما وغير مسبوق، إذ لم يسبق أن شهد العالم من قبل هجوما مباشرا لرئيس أمريكي على بابا الكنيسة الكاثوليكية بهذا الشكل. غير أن المواجهة الحالية بين الطرفين لا يمكن قراءتها بوصفها مجرد سجال شخصي أو خلاف عابر حول حرب معينة، بل هي انعكاس لأزمة تاريخية وسياسية أعمق تتعلق برؤيتين مختلفتين لدور الدين في الدولة بين التيارين الكاثوليكي والإنجيلي في الولايات المتحدة.
كيف انفجر الخلاف؟
تعود بداية التوترات الحالية بين واشنطن والفاتيكان إلى ثاني أيام الحرب على إيران، عندما أعرب البابا ليو الرابع عشر عن “قلقه العميق” إزاء العملية العسكرية الأمريكية. حينها، حث البابا الأطراف المتنازعة على “وقف دوامة العنف قبل أن تتحول إلى هاوية لا يمكن إصلاحها”.
لكن مع استمرار الحرب، ازدادت حدة خطاب البابا، إذ أعلن في أبريل/نيسان الماضي أن تهديد ترمب بتدمير إيران “غير مقبول”، وحث الأمريكيين على مطالبة ممثليهم المنتخبين في الكونغرس بـ”العمل من أجل السلام”.
وحتى بعد توصل طهران وواشنطن إلى اتفاق لوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين في 7 أبريل/نيسان الماضي، استمر التصعيد العلني بين ترمب وبابا الفاتيكان، خاصة عقب بث حلقة من برنامج “60 دقيقة” التي تناولت انتقادات البابا لسياسات الترحيل الجماعي التي تنتهجها الإدارة الأمريكية، إلى جانب موقفه الرافض للحرب مع إيران.
وبحسب ما نقلته شبكة “سي بي إس”، أثارت الحلقة غضب البيت الأبيض، وهو ما انعكس في منشور مطول لترمب على منصة “تروث سوشيال” في 12 أبريل/نيسان، الذي وصف خلاله البابا بأنه “ضعيف” في التعامل مع الجريمة، و”غير كفء في السياسة الخارجية”، مضيفا أنه لا يريد “بابا يعتقد أنه من المقبول أن تمتلك إيران سلاحا نوويا”.
ولم يكتفِ ترمب بذلك، بل زعم أن البيت الأبيض لعب دورا محوريا في انتخاب البابا ليو لقيادة الفاتيكان، قائلا إن الكنيسة الكاثوليكية اختارت أول بابا أمريكي في تاريخها للتعامل معه، موضحا أنه لو لم يكن في البيت الأبيض “لما كان ليو في الفاتيكان”.
وفي اليوم التالي، دخل جيه دي فانس نائب الرئيس الأمريكي على خط النزاع العلني، داعيا الفاتيكان إلى التركيز على “الشؤون الأخلاقية” وترك إدارة السياسة العامة لترمب.
وخلال لقاء بجامعة جورجيا، انتقد فانس تصريحا سابقا للبابا، قال فيه إن الرب “ليس في صف الذين يلوّحون بالسيف أو يلقون القنابل”، متسائلا عما إذا كان ذلك يعني أن الرب لم يكن مع الأمريكيين الذين حرروا أوروبا من النازية.
وأضاف فانس: “من المهم جدا أن يتوخى البابا الحذر عند حديثه عن مسائل اللاهوت.. عليه أن يتأكد من أن كلامه يستند إلى الحق”.
في المقابل، رد البابا ليو على التصريحات الأمريكية قائلا: “أنا لا أخشى إدارة ترمب، ولا أخشى التعبير بصوت عالٍ وواضح عن رسالة الإنجيل”، مضيفا أن الفاتيكان لا ينظر إلى السياسة الخارجية بنفس طريقة الحكومات.
بدوره، استمر ترمب في هجومه على رأس الكنيسة الكاثوليكية، حيث جدّد اتهاماته للبابا ليو الرابع عشر بالتساهل مع طموحات إيران النووية، رغم توجّه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى روما لتهدئة الخلاف.
ما الجذور التاريخية والسياسية لهذا الخلاف؟
قد يبدو السجال الحالي بين الولايات المتحدة والفاتيكان حدثا استثنائيا، إلا أنه في جوهره ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد تاريخي للعلاقة المعقدة بين المسيحية الكاثوليكية والهوية الأمريكية.
يرى المحلل السياسي الإيطالي مانيلو غرازيانو أن فهم طبيعة الخلاف الراهن بين واشنطن والفاتيكان يقتضي العودة إلى التقليد الراسخ في الفكر التاريخي والسياسي الأمريكي المحافظ، القائم على تصور الهوية الأمريكية عبر مفهوم “واسب” (WASP).
تأسست الولايات المتحدة تاريخيا على هيمنة النخبة البروتستانتية الأنغلوساكسونية البيضاء المعروفة اختصارا بـ”واسب”، وكان يُنظر إلى الكاثوليك لفترة طويلة باعتبارهم عنصرا دخيلا من القارة الأوروبية على الهوية الأمريكية، بل ويذهب البعض إلى اعتبارهم عنصرا مُهددا لهويتهم.
وظلت هذه الشكوك العميقة تجاه الكاثوليك حاضرة في الثقافة السياسية الأمريكية لعقود طويلة، إلى درجة أن الرئيس الأمريكي الأسبق جون كينيدي اضطر خلال حملته الرئاسية عام 1960 إلى طمأنة القيادات البروتستانتية بأنه “أمريكي تصادف فقط أنه كاثوليكي”، مؤكدا أنه لن يتلقى أوامر من البابا أثناء ولايته الرئاسية.
لكن هذه النظرة تغيّرت تدريجيا مع صعود رونالد ريغان للرئاسة، إذ شهدت تلك المرحلة إدماج الكاثوليك بصورة أعمق في التحالف المحافظ الذي شكله ريغان داخل الحزب الجمهوري، إلى جانب الإنجيليين والبروتستانت المحافظين واليهود.
ومع مرور الوقت، تعزز حضور الكاثوليك داخل مؤسسات الدولة الأمريكية بشكل ملحوظ، حتى أصبحوا يشكّلون الآن حوالي نصف أعضاء إدارة ترمب. غير أن هذا الصعود ترافق أيضا مع انقسام داخلي حاد بين الكاثوليكية التقليدية المرتبطة بروما، والكاثوليكية القومية المحافظة المتحالفة مع الشعبوية الترامبية.
لماذا وقع الخلاف بين البيت الأبيض والفاتيكان؟
يكمن فهم الخلاف القائم بين ترمب وبابا الفاتيكان، في أحد أبعاده، في إدراك الخلافات الجوهرية بين الكاثوليكية والتيار الإنجيلي المحافظ داخل الولايات المتحدة. فهذان التياران الدينيان، رغم انتمائهما إلى المسيحية، يختلفان في عدد من القضايا اللاهوتية والسياسية والاجتماعية، وكذلك في تصورهما لدور الدين في الحياة العامة.
وبينما يميل الخطاب الكاثوليكي إلى بناء موقف أخلاقي كوني يضع قيودا على استخدام القوة ويركز على مبادئ السلام والعدالة، يتبنى التيار الإنجيلي موقفا أكثر ارتباطا بالهوية القومية وبفكرة “الأمة المختارة”، مع استعداد أكبر لدمج الدين في المشروع السياسي واستخدامه كأداة لتبرير التدخلات العسكرية.
وانطلاقا من هذا التباين، يمكن فهم تأثير تصاعد نفوذ التيار الإنجيلي المحافظ داخل الإدارة الأمريكية، حيث برزت شخصيات مثل وزير الحزب بيت هيغسيث في صياغة خطاب سياسي يمزج بين المسيحية والهوية الأمريكية والقوة العسكرية، بما يعكس رؤية تعتبر أن التفوق السياسي والعسكري للولايات المتحدة جزء من مهمتها التاريخية.
وفي سياق أوسع، يكشف الخلاف بين ترمب وبابا الفاتيكان عن تباين شديد وعميق في وجهات النظر بين البيت الأبيض والكرسي الرسولي. فالإدارة الأمريكية لا ترغب في أن تمارس المؤسسة البابوية، بما تملكه من ثقل روحي ورمزي عالمي، دورا في مساءلة سياساتها أو نزع الشرعية الأخلاقية عنها.
في المقابل، يمتلك البابا ليو الرابع عشر، بحكم مكانته الدينية وجنسيته الأمريكية، قدرة على التأثير داخل الرأي العام الأمريكي بما يجعله فاعلا حاضرا في السياسة الداخلية، لا مجرد صوت خارجي.
وهنا تكمن حساسية الموقف بالنسبة لترمب، إذ يعتبر أن انتقادات البابا ليو الرابع عشر لسياساته أخطر من الانتقادات الأوروبية التقليدية، لأنها تصدر من شخصية أمريكية يصعب اتهامها بالعداء للولايات المتحدة أو الجهل بثقافتها السياسية.
كما أن ترمب، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الخطاب الديني في تعبئة قاعدته الانتخابية، يرى في البابا منافسا على المرجعية الأخلاقية داخل المجتمع الأمريكي، خاصة في قضايا الحرب والهجرة والعدالة الدولية.
ومن هنا جاء هجوم ترمب المتكرر على البابا باعتباره “ليبراليا” و”متوددا للتيار اليساري”، في محاولة لتجريده من مكانته الروحية كمرجعية دينية وأخلاقية عالمية وتحويله إلى خصم سياسي عادي.
ويهدف هجوم ترمب في مضمونه إلى الحد من قدرة الفاتيكان على ممارسة تأثير أخلاقي مباشر على الشارع الأمريكي، أو نزع الشرعية الدينية عن بعض سياسات الإدارة، سواء في ملفات الحرب أو في قضايا حساسة مثل الهجرة.
المصدر: الجزيرة





