“قضايا تربوية 01” الصعوبات البيداغوجية لأبناء الجالية المغربية في إيطاليا
“قضايا تربوية 01”
الصعوبات البيداغوجية لأبناء الجالية المغربية في إيطاليا
Difficoltà pedagogiche per i bambini della comunità marocchina in Italia
ذ. هشام نوزري
ذة. عواطف الفضاضي
تخصص: الدراسات الشرعية
إن الناظر في مؤشرات الهجرة نحو الديار الأوروبية، يجد أن الجالية المغربية المقيمة في إيطاليا تحتل مراكز مهمة في هرم الجاليات العربية والإفريقية، حيث استقرت عبر عقود في إيطاليا ودول متعددة بحثا عن فرص أفضل للعمل بالإضافة إلى رغد العيش وتحقيق الأماني، وقد نتج عن هذا الاستقرار نشوء أجيال جديدة وُلدت وتربّت في بلدان المهجر، ما جعل مسألة تعليم أبناء هذه الجالية تطرح تحديات بيداغوجية معقدة تتداخل فيها الأبعاد اللغوية والثقافية والاجتماعية…؛ مما أدى إلى عدم التوازن النفسي والاستقرار الروحي لدى الآباء والأبناء على حد سواء.
وأولى هذه التحديات تتجلى في إشكالية اللغة، إذ يجد الطفل المغربي نفسه منذ السنوات الأولى أمام تعدد لغوي واضح. فهو يتلقى تعليمه في المدرسة بلغة البلد المضيف، كالإيطالية أو الانجليزية، بينما يتحدث –في بعض الأحيان-داخل أسرته الدارجة أو الأمازيغية، مما يجعله مستفهما عن مصدرها ومفرداتها، هذا الوضع قد يؤدي إلى نوع من الارتباك اللغوي خاصة في المراحل الدراسية الأولى، حيث يواجه الطفل صعوبة في الفهم والتعبير، ما ينعكس سلبًا على تحصيله الدراسي ويؤثر على ثقته بنفسه.
إلى جانب ذلك، تبرز مشكلة عدم ملاءمة المناهج التعليمية لخصوصيات أبناء الجالية، فالمناهج الأوروبية -رغم تطورها-لا تراعي دائما الخلفيات الثقافية للتلاميذ من أصول مهاجرة، في حين أن برامج تعليم اللغة العربية والثقافة المغربية، التي تُقدّم غالبًا خارج الإطار المدرسي الرسمي -في كثير من الأحيان-، تعتمد أساليب تقليدية لا تنسجم مع واقع الطفل في المهجر. وينتج عن هذا التباين نوع من الانفصال بين ما يتعلمه الطفل في المدرسة وما يتلقاه في محيطه الثقافي.
ومن خلال التجربة العملية في تدريس أبناء الجالية المغربية في إيطاليا بشكل خاص، يمكن ملاحظة هذا الأمر بشكل قريب جدا، مما يقدم ملاحظات واستفهامات عن دور الآباء والمراكز الإسلامية في جبر هذا الخلل الناتج عن المشكلات البيداغوجية سواء في البيت أو المدرسة. هذا الأمر، يجعل عددا من الأسر المغربية تعاني من صعوبات في مواكبة المسار الدراسي لأبنائها في البلد الثاني، حيث يتجلى ذلك بشكل واضح في الحاجز اللغوي أو ضعف الإلمام بالنظام التعليمي في بلد الإقامة، لأن المناهج تختلف اختلاف كبيرا بين المغرب وأوروبا، هذا الأمر لا يقتصر على الجانب النفسي، بل يتعداه إلى نقص في الدعم التربوي المؤدي إلى تعثر بعض التلاميذ في الفصل الدراسي، ناهيك على أنه قد يصل في بعض الحالات إلى الانقطاع المبكر عن الدراسة، ما يحد من فرصهم المستقبلية وتحقيق آمالهم وطموحاتهم في مجتمع تتجاذبه لغات متعددة وثقافات مختلفة مما يفتح الباب على مصراعيه أمام أبناء الجالية المغربية؛ لأخذ بعض أو كل شيء من البلد المضيف كطريقة الكلام والتفكير والتصرف…
بالإضافة إلى هذا العامل، وجب التنبيه إلى مشكل ثاني أكبر تأثيرا من الأول يتعلق بإغفال البعد النفسي المرتبط بإشكالية الهوية والانتماء، لأن هذا الأخير كحجر الأساس لقيام البناء والاستواء على سوقه، إذ يعيش الطفل بين ثقافتين مختلفتين، وفي الآن نفسه يحاول جاهدا التوفيق بين قيم الأسرة المغربية ومتطلبات المجتمع الأوروبي. لكن الطباع تختلف والتصرفات تؤثر، والأبوان في غفلة ومنأى عما يدور في خَلَد أبنائهم، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول في الحديث: “كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه”، فاستقراء الحديث يوحي إلى إشارة مهمة تتعلق بدور الآباء في تحصين أبناءهم مما هو دخيل عليهم لا سيما ما يتعلق بمسألة التوجيه الديني وارتباطه بالحياة اليومية، هذا التداخل قد يخلق لدى الأبناء نوعا من الصراع الداخلي أو فقدان التوازن في الحياة الشخصية، وهو ما قد يؤثر بصورة عامة بدوره على أدائه الدراسي وتفاعله داخل المدرسة عبر نسق متكامل يربط بين الطموحات الشخصية والتأثر بالبيئة في المجتمع الأوربي.
ومن جهة أخرى، يظل تعليم اللغة العربية محدودًا في معظم الأنظمة التعليمية الأوروبية، حيث يتم غالبًا في إطار جمعوي أو ديني، ما يجعله غير منتظم في الأهداف ومتفاوت الجودة من حيث التطبيق العملي. كما يُسجَّل في بعض الحالات توجيه أبناء الجالية نحو مسارات مهنية بدل الأكاديمية، أحيانًا بسبب تصورات نمطية أو نقص في التوجيه المناسب، وهو ما يؤثر على تكافؤ الفرص.
وفي ختام هذه الورقة، يتضح أن المشاكل البيداغوجية المتنوعة التي يواجهها أبناء الجالية المغربية في إيطاليا ليست ناتجة عن عامل واحد، بل هي نتيجة تداخل عدة عوامل سبق بيان بعضها. ومع ذلك، فإن تجاوزها يظل ممكنا ورهينا من خلال تطوير مناهج تعليمية أكثر ملاءمة لهؤلاء التلاميذ، من خلال تعزيز الدعم التربوي للأسر بشكل أسبوعي أو شهري عبر دورات مكثفة وموجهة، والعمل على تحقيق توازن حقيقي بين الاندماج في المجتمع والحفاظ على الهوية الثقافية التي تشكل جزءا من البناء الحضاري المتكامل للجالية المغربية.
بالإضافة إلى ما سبق، تبرز تحديات أخرى أكثر عمقا تتعلق بطبيعة البيئة التربوية التي يعيش فيها هؤلاء الأطفال داخل المؤسسات التعليمية أو المجتمعات التربوية. ومن أبرز هذه التحديات غياب التأطير المؤسسي الواضح الذي يراعي الخصوصية الدينية، حيث إن العديد من هذه المؤسسات لا تعتمد برامج أو قوانين تضمن معرفة الثقافة الدينية بشكل منظم، بل يترك الأمر في كثير من الأحيان لاجتهادات الأطر التربوية وحساسيتهم الفردية، مما يخلق نوعا من التفاوت في التعامل ويؤدي إلى شعور بعض الأبناء بعدم الاستقرار أو عدم الفهم، كما أن ضعف التكوين المتخصص لدى بعض العاملين في المجال التربوي فيما يتعلق بالثقافة الإسلامية يشكل عائقا إضافيا، إذ يجد المربون أنفسهم أمام مواقف معقدة تتطلب فهما دقيقا للمرجعية الدينية والثقافية لهؤلاء المراهقين، وهو ما قد يؤدي أحيانا إلى سوء تأويل بعض السلوكيات أو عدم الاستجابة الملائمة لها.
ومن جهة أخرى، يعاني بعض الأطفال من شعور بالعزلة داخل هذه الفضاءات، خاصة عندما لا يجدون من يشاركهم نفس الخلفية الثقافية أو الدينية، الأمر الذي يزيد من حدة الصراع الداخلي لديهم، ويجعلهم أكثر عرضة للانسحاب أو فقدان الثقة في المحيط التربوي
وتجدر الإشارة كذلك إلى أن الممارسة الدينية لدى بعض هؤلاء الشباب لا تغيب بشكل كامل، بل تمر بحالة من “التعليق” أو التذبذب، حيث يحتفظون بانتمائهم الديني على مستوى الهوية، لكنهم يجدون صعوبة في ترجمته إلى ممارسات يومية منتظمة، نتيجة غياب التوجيه أو القدوة داخل هذه المؤسسات.
كما أظهرت بعض المعطيات أن العلاقة مع المربين قد تتسم أحيانا بنوع من المسافة الثقافية، حيث يعبر عدد من الأطفال عن رغبتهم في وجود مربين أو وسطاء ثقافيين من نفس الخلفية، قادرين على فهمهم بشكل أعمق ومساعدتهم على التوفيق بين متطلبات الحياة في المجتمع الأوروبي والحفاظ على هويتهم الأصلية.
وفي السياق ذاته، تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في النموذج التربوي المعتمد داخل هذه المؤسسات، حيث لا يقتصر على الإدماج الشكلي، بل يسعى إلى تحقيق إدماج حقيقي يقوم على الاعتراف بالاختلاف وتثمينه، وتحويله من مصدر توتر إلى عنصر غني وفعال في إطار التكامل المعرفي.
(يتبع…).





