الشيخ المحدث الدكتور عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله … من أعلام الأمة في الإصلاح والعبادة والتربية والهدي النبويّ

إيطاليا تلغراف

 

 

 

بقلم: د. علي محمد الصلابي

 

 

اِلتقيت به في المسجد النبويّ الشريف في صلاة الظهر مع أخي الشيخ سالم عبد السلام الشيخي كان بهيّ الطلع، وأنوار الإيمان على وجهه ولحيته البيضاء تعطيه هيبة ووقار، روحه جذابة، تقدّمنا للسلام عليه والحديث معه، وطلب الدعاء منه، عرفته قبل أن ألتقي به من خلال كتبه التي قرأتها.
والشيخ عبد الفتاح – رحمه الله – من العلماء العاملين، ومن كبار الأنقياء ومن صلحاء هذه الأمّة، سريع الدمعة عند ذكر الله (عزّ وجل)، عرف الدنيا وحقيقتها فاتخذها معبراً لدار المقام، يهتمّ بالهدي النبويّ الشريف في عمله، يُضرب به المثل في الحرص على الأوقات واغتنام الدقائق واللحظات.
يقول عنه ولده محمّد زاهد: ما رأتك عيناي إلّا وأنت تتلو آي القرآن، أو تطمئن بذكر الرحمن أو تخدم سنة ولد عدنان، وما وعيتك إلّا مكبّاً على قراءة كتاب، أو تحرير جواب تقتنص الفرائد، وتذخر الفوائد، لا يعروك الفتور والوهن، فأنت – وأيم الله – خير مخير عن قيمة الزمن كانت حياتك (خطّة عمل) لا كلل فيها ولا ملل، مرامك أن ترفع للدين أعلامه، وأن تنصب للعلم خيامه، نشرت من الكتب ما لا هزّ السنين وفي الجعبة منها المئون، ولو كان في العمر سعة لبقيت تطرح الراحة والدّعة، وأبرزت منها اللّآلئ والدرر في أبهى الصور .
وفي المدينة قرأت له بعض كتبه الشائقة النافعة الهادية لطلب العلم في بيان قيمة الوقت، ومن هذه الكتب التي تأثّرت بها:
– (قيمة الزمن عند العلماء):
وفي مقدّمة الكتاب يذكر طلاب العلم قول العلماء: من الأمانة في العلم عزوه إلى قائله أو ناقله: وقد التزمت بهذا المنهج ولله الحمد والمنّة في كلّ كتبي، إلّا أن يمون ناسياً أو غير مقصود.
وذكّرنا الشيخ بقول الشافعي – رحمه الله -: الحرّ من راعى وداد لحظة وانتمى لمن أفاده لفظة .
ويقول الشيخ عن هذا الكتاب: حصيلة نحو عشرين سنة، من مطالعاتي ومراجعاتي في كتب العلم: التفسير، والحديث والفقه، والتاريخ، والرجال، والتراجم، والبلدان، واللغة، والنحو، والأدب، والأخلاق، وسواها، في جميع مادّته وانتخابها، وضبطها، وعزوها إلى مصادرها ومراجعها والمقابلة بينها وتمحيصها، وسبكها، وتحقيقها، وإخراجها بأبهى صورة.
وهذا الكتاب انتفعت به في حياتي وكثير من طلاب العلم، وكان له تأثيره وانتشاره، وعلّق الشيخ عبد الفتاح على عنوان الكتاب (قيمة الزمن) فقال: لهذا العنوان الصغير أطراف كثيرة وكبيرة من المعاني والمواضع تتجاذب الكلام فيها، فللزمن قيمة عند الفلاسفة غير قيمته عند التجّار، وغيرها عند الزراع، وغيرها عند الصنّاع، وغيرها عند العسكريين، وغيرها عند السياسيين، وغيرها عند الشباب، وغيرها عند الشيوخ، وغيرها عند طلبة العلم وأهل العلم.
وأخصّ بحديثي (قيمة الزمن) عند طلبة العلم وأهل العلم فحسب، رجاء أن يكون ذلك حافزاً لهِمم أصحاب العزائن من شبابنا طلّاب العلم في هذه الأيام التي فترت فيها همَم الطالبين، وتقاعست غايات المجدّين، ونَدَر فيها وجود الطلبة المحترفين بالعلم قمات النبوع، وساد الكسل والخمول، وبرزَ من جرّاء الضعف والتأخّر في صفوف أهل العلم وآثارهم .
وقال – رحمه الله -: فالزمن هو عُمر الحياة وميدان وجود الإنسان وساحة ظلّه وبقائه ونفعه وانتفاعه، وقد أشار القرآن الكريم إلى عظم هذا الأصل من أصول التعلّم وأَلمع إلى علوّ مقداره على غيره، فجاءت آيات كثيرة ترشد إلى قيمة الزمن ورفيع قدره وكبير أثره .
فامتنّ سبحانه من جلائل نعمه بنعمة الليل والنهار، وهما الزمن الذي نتحدّث عنه ونتحدّث فيهن ويمرّ به هذا العالم الكبير من بداية بدايته إلى نهاية نهايته، وتمدّح سبحانه بأنّه مالك الزمان والمكان، وما يحلّ فيهما من زمانيّات ومكانيّات.
وذكر تأنيب الله للكفّار إذ أضاعوا أعمارهم، واستدلّ بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ۖ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر: 37]. فجعل سبحانه (التعمير) موجباً للتذكّر والاستبصار، وميداناً للإيمان والاستذكار، وأقام (العُمر) الذي هو الزمن بحياة الإنسان: حجّة على الإنسان، كما أقام وجود الراسلة والنذارة حجّة عليه أيضاً .
وذكر قسم الله بالزمان لبيان عظمه وأهميّته، فقد أقسم الله بالليل والنهار، والفجر، والصبح، والشفق، والضحى والعصر .
وأظهر بيان السنة المطهّرة لقيمة الزمن واستدلّ بقول رسول الله ﷺ: “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحّة والفراغ” .
وعنونه كثير من العناوين النافعة في كتبه وشرحها بشيء من العمق والتفصيل، مثل:
– الزمن مناط المساءلة يوم القيامة.
– أوقاتك عمرك وعمرك رأس مالك وكل نفس من أنفاسك جوهر.
– الوقت في منازل السائرين إلى ربّ العالمين.
– الغيرة القاتلة على الوقت عند العابد والعاقل.
– جميع المصالح تنشأ عن الوقت فمن أضاعه لم يستدركه أبداً.
– حرث الوقت على كسب الوقت وملئه بالخير.
– القوّة في العمل أن لا يؤخّر عمل اليوم إلى الغد.
– من أمضى يومه ولم يُحصّل خيراً فقد عقّ يومه وظلم نفسه.
– الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما.
– يا ابن آدم إنّما أنت أيّام.
– أمسك الشمس حتّى أكلّمك .
وذكر نماذج من العلماء في حرصهم على الوقت مثل قتادة بن دعامة، وسفيان الثوري، وحمّاد بن سلمة، والخليل بن أحمد، والقاضي أبو يوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني، والإمام الشافعي، وغيرهم كثير .
وكتاب (قيمة الزمن عند العلماء) من أهمّ الكتب لطالب العلم في تنظيم وقته والاستفادة منه، ومن استوعبه وعمل به يجد بركة هذا الكتاب في حياته، وهو من الكتب التي تتلمذت عليها في بداية طلبي للعلم.
– كتاب (صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل):
وهذا الكتاب من التي اطّلعت عليها وقرأتها في المدينة المنوّرة عندما كنت طالباً بالجامعة الإسلاميّة، وقد استحسنه العلماء وطلّاب العلم عند صدوره، وكان حديث الطلبة، ويتواصون فيما بينهم بقراءته، وقد أثنى عليه الشيخ مصطفى الزرقاء – رحمه الله – في رسالته إلى الشيخ عبد الفتاح – رحمه الله – فقال: قرأت بشغف ووله كتابك عن صبر العلماء من السلف، وما لاقوا من شقاء وبلاء ومحن وفتن سبيل اكتساب العلم أو قول الحقّ، وكرّرت قراءة كثير ممّا جاء فيه عن كثير منهم، فيما استطعت أن أحبس دمعتي في مواطن منه، وأعرته عدداً من الأصحاب، فأثّر في نفوسهم وأعينهم الأثر نفسه، وقد كان فيما التقطت وجمعت شاهد صدق، على الجهد البالغ في الاستقصاء والتتبّع، حيّاك الله وحباك، وجعلني وإيّاك على طريقهم وطريقتهم .
وذكر الشيخ أبو الحسن الندوي – رحمه الله – انطباعه على هذا الكتاب فقال: فيُسعدني أن أكتب سطوراً في انطباعي عن كتاب (صفحات من صبر العلماء على شدائد العالم والتحصيل) في طبعته الثاني، للعالم الربّاني المربّي تذكار علماء السلف في سُموّ الهمّة، وعلوّ النظر والتفنن في العلوم والإتقان فيها، فضيلة الشيخ عبد الفتاح أبو غدّة، لانخرط في هذا السلك النوراني الذي يمتدّ من القرون المشهودد لها بالخير إلى زماننا، ومن الشرق إلى الغرب، وإن فاتني ذلك الصبر وعلوّ الهمّة والجهاد في سبيل العلم ومقاساة شدائده، فلا يفتني الإعجاب بهذه الصفات المرضية، والاعتراف بفضل أهلها وعلوّ مكانتهم والثناء على من أحيى ذكرهم، ونشر أخبارهم، وقد بشّر الرسول ﷺ باندراج المحبّ مع زمرة من أحبّهم، فقال:” المرء مع من أحب”
لقد قرن الله العلم منذ خلقه بالصبر وسموّ الهمّة، والإجلال له والغيرة عليه، وزهد في الدنيا، وتقشّف في الحياة – مدّة الدراسة والتحصيل على الأقلّ – وسهر اللّيالي، والجدّ في الطلب، والدعاء والإنابة والتنقّل في سبيله، والبحث عن مصادره وأئمّته، والتواضع لهم ومعرفة فضلهم و شكرهم، وكتب التراجم والسير في الإسلام – وهي أوسع مكتبة وأثرها في تاريخ أمّة من الأمم، العلميّ والتأليفيّ – زاخرة بهذه الأخبار تثير الهمم وتشعل المواهب، وتنفح في القارئ روحاً جديدة وحماساً جديداً، وتعالج النفور في الهمم والقناعة بالدون والخمود في الطبائع، والاشتغال بسفاسف الأمور: معالجة رقيقة حكيمة لا يستثقلها القارئ، ولا يشعر بمرارة الدواء أو لذع آلة الجراحة.
وقد اتّفق علماء النفس والتربية على أنّ القصص والأخبار والنماذج من السيرة والحياة أكبر مؤثّر في النفس، وأقوى عامل من عوامل التربية، وقد جاء ذلك في القرآن صريحاً ومكرّراً:
– فقال تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 176].
– وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: 111].
– وقال مخاطباً لنبيّه: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: 120].
إلى أن قال: ووجدت الكتاب أجمع ما في هذا الباب، وخطيب المحراب، وقد رُتّب ترتيباً جميلاً مع فهارس مفصّلة وإيضاح للآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة والمصادر والاختيار مثل التأليف، أو أصعب منه، فإنّه يتجلّى فيه ذوق المؤلّف ودقّة نظره ولطف حسّه.
أرجو الله أن ينفع طلبة العلم الديني، الذين ابتُلوا في العهد الأخير – لأسباب نفسيّة واجتماعيّة وتربويّة – بسقوط الهمّة، وسرعة السّامة والضجر والكلال والملال وحسد طلاب الدنيل من زملائهم وأترابهم، فقد جاء الكتاب في أوانه ومكانه جزى الله مؤلّفه عن المعنيين بالعلوم الدينيّة ومستقبلها أفضل الجزاء وأطال بقاءه في خدمة العلم والدين .
وكان محتوى الكتاب على الإجمال:
– أخبار العلماء في التعب والنصب والرحلة في طلب العلم وقطع المسافات.
– في أخبارهم في هجر النوم والراحة والدعة وسائر اللذاذات.
– في أخبارهم في الصبر على الفقر وشظف العيش ومرارته وبيع الملبوسات.
– في أخبارهم في الجوع والعطش في الهواجر، الأيام والساعات.
– في أخبارهم في نفاذ المال والنفقات في الغُرُبات.
– في أخبارهم في فقد الكتب أو المـُصاب بها أو بيعها، والخروج عن المـُلمّات.
– في أخبارهم في تبتّلهم وتركهم الزواج في سبيل الازدياد من العلم والاستفادات.
– في أخبارهم في بذلهم المال الكثير، وبيع المملوكات والمقتنيات لتحصيل العلم وتدوين المؤلّفات.
وفي خاتمة الكتاب ذكر الشيخ عبد الفتاح – رحمه الله – نحو خمسين لمحة استخلص فيها ما تضمّنته صفحات كتابه من العبر والعظات والفوائد والمعاني الغاليات .
وأنا الآن قد جاوزت الستين من عمري، وقد قرأت هذه الكتب في العشرينيّات، وقرّرت بإذن الله تعالى قراءتها من جديد لعلّ الله يجعلها لي من أسباب الدفع في تحصيل العلم ونشره ابتغاء مرضاته سبحانه وتعالى.
– كتابه (الرسول المعلّم وأساليبه في التعليم):
وقد اطّلعت على هذا الكتاب القيّم في كتابتي عن السيرة النبويّة، ونقلت منه في كتابي (السيرة النبويّة عرض وقائع وتحليل أحداث) في الفصل السابع من المبحث الخامس: استمراريّة البناء التربوي والعلمي: عند حديثي عن انتقال النبيّ ﷺ إلى المدينة، وأهمّ الوسائل والمبادئ التربويّة التي طبّقها النبيّ ﷺ، وكان الحديث عن أخلاق الصحابة (رضي الله عنهم) عند سماعهم للنبيّ ﷺ، فكان هذا الكتاب من أهمّ المراجع في هذا الكتاب.
إنّ الشيخ عبد الفتاح أبو غدّة – رحمه الله – قال عنه الشيخ قيس آل الشيخ مبارك: آتاه الله علماً شريفاً، وإسناداً منيفاً، وتحقيقاً بديعاً، رجل علا بنفسه عن سفاسف الحياة الدنيا، وعلا بالعلم الذي بين جنبيه عن سوق التسوّل والاتّجار، وكان بهيّ الطلعة، عذب الروح، حلو الشمائل مع صفاء في الرؤية، وجودة في الذهن، وحضور في البديهة، وكان في العمال مثال الداعية إلى الله .
وكانت تربطه علاقة أخوّة ومودّة مع الشيخ العلّامة محمد أبو زهرة، وبعدما غادر الشيخ عبد الفتاح مصر إلى الشام كنت إليه أبو زهرة: فإنّ الأيام السعيدة التي قضيتها بصحبتك الطيّبة الخالصة التي رأيت فيها إخلاص المتّقين وظرف المؤمنين، واصطبار الأصدقاء على بلاغة الأولياء، وإنّ هذه أيام لا أنس ما بدا منك فيها من طبع سليم ولطف مودّة، وحسن صحبة .
وإليك ترجمة الشيخ عبد الفتّاح – رحمه الله -:

1- مولده ونشأته:
هو أبو الفتوح وأبو زاهد عبد الفتاح بن محمد بن بشير بن حسن أبو غدة الخالدي الحلبي، من أبرز علماء عصره ، فقد امتاز في فن الحديث الشريف والدراسة والتحقيق، ولد في شهر رجب 1336هـ ، المصادف 1917م في حلب، بسوريا، وكان ينتمي إلى أسرة مخزوميّة من قبيلة قريش ، وكان من ذرّية خالد بن الوليد (رضي الله عنه)، وكان الحنفي مذهباً، والحلبي وطناً، وكان والده الشيخ محمد بن بشير بن حسن أبو غدة قد انتقل إلى رحمة الله تعالى عام 1361هـ ، المصادف 1942م ، ولم يبلغ الشيخ أبو غدة من عمره 25 عاماً .
وكانت أسرة الشيخ ذات علاقة وطيدة بالعلوم الدينية.

2- نشأته العلمية:
دخل المدرسة العربية الإسلاميّة الخاصّة ودرس فيه من الصف الأوّل حتّى الرابع، دخل بعدها مدرسة الشيخ محمد علي الخطيب بحلب ودرس فيها القرآن الكريم وتعلّم الخط، ثمّ دخل المدرسة الخُسروية التي بناها خسرو باشا. التي تعرف الآن بالثانوية الشرعية وذلك عندما بلغ التاسعة عشرة من عمره واستمرّ فيه من عام 1936م حتّى عام 1942م، ثمّ كلية الشريعة بالجامع الأزهر الشريف وتخرّج منها في عام 1940م حائزاً على الشهادة العالمية من كلية الشريعة، درس في (تخصص أصول التدريس) في كلية اللغة العربية بالجامع الأزهر أيضاً وتخرّج منه في عام 1950م وبعد ذلك عاد إلى موطنه حلب.
بعد أن أكمل الشيخ دراسته في مصر، عاد إلى سورية وتقدم سنة 1951 لمسابقة اختيار مدرسي التربية الإسلاميّة لدى وزارة المعارف فكان الناجح الأول. درَّس أحد عشر عاماً مادّة التربية الإسلامية في ثانويات حلب، كما شارك في تأليف الكتب المدرسية المقرّرة لهذه المادة. درَّس إلى جانب ذلك في (المدرسة الشعبانية) وهي معهد شرعي أهلي متخصّص بتخريج الأئمة والخطباء، ودرَّس في الثانوية الشرعية (الخسروية) التي تخرج فيها، ثمّ انتدب للتدريس في كلّية الشريعة في جامعة دمشق، ودرس فيها لمدة ثلاث سنوات (أصول الفقه)، و(الفقه الحنفي) و(الفقه المقارن بين المذاهب). وقام بعد ذلك بإدارة موسوعة (الفقه الإسلامي) في كلّية الشريعة بدمشق لنحو عامين، أتمّ خلالها كتاب (معجم فقه المحلى لابن حزم) وكان قد سبقه للعمل فيه بعض الزملاء فأتمّه، وأنهى خدمته، وطبعته جامعة دمشق في ضمن مطبوعاتها في مجلدين كبيرين.
أدخل السجن سنة 1966م مع مجموعة من رجال العلم والفكر في سورية. ومكث في سجن تدمر الصحراوي أحد عشر شهراً، وبعد كارثة الخامس من حزيران سنة 1967م اضطرّت السلطات السورية إلى الإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين. وكان من بينهم.
انتقل إلى المملكة العربية السعوديّة، متعاقداً مع جامعة الإمام محمد بن سعود في الرياض حيث عمل مدرّساً فيها، وفي المعهد العالي للقضاء، وأستاذاً لطلبة الدراسات العليا، ومشرفاً على الرسائل العلميّة العالية، فتخرّج به الكثير من الأساتذة والعلماء. وقد شارك خلال هذه الفترة (1965 -1988) في وضع خطط جامعة الإمام محمد بن سعود ومناهجها، واختير عضواً في المجلس العلمي فيها، ولقي من إدارة الجامعة كلّ تكريم وتقدير.
انتدب أستاذاً زائراً لجامعة أمّ درمان الإسلاميّة في السودان ولمعاهد الهند وجامعاتها، وشارك في الكثير من الندوات والمؤتمرات الإسلاميّة العلميّة، التي تُعقد على مستوى العالم الإسلامي. وكانت له جهود طيبة في جميع هذه المجالات. ثمّ عاد للعمل مع جامعة الملك سعود في الرياض وقبلها مع جامعة الإمام محمد بن سعود في الرياض كذلك .

3- رحلاته العلميّة:
رحل إلى العديد من الدول ومنها مصر، والتقى فيها بعلمائها الكبار أزهريين وغير أزهريين منهم: الشيخ يوسف الدجوي، والشيخ مصطفى صبري، والشيخ محمد زاهد الكوثري والشيخ محمد الخضر حسين التونسي شيخ الأزهر، والشيخ أحمد محمد شاكر الحسني أحد مؤسسي حركة أنصار السنّة المحمّدية، والتقى كذلك حسن البنّا مؤسّس حركة الإخوان المسلمين، ويُعد الشيخ من أوائل العلماء السوريّين الذين انضموا وناصروا الحركة هو والشيخ محمّد الحامد، وكذلك الشيخ الدكتور مصطفى السباعي الذي يعدّ مؤسّس التنظيم في سوريا وأوّل مرشد للحركة في سوريا، وقد انتخب بعد وفاته الشيخ عبد الفتاح كمرشد للإخوان المسلمين في سوريا، وقد تمّ في منصبه هذا إلى أن تركه لانشغاله بالعلم الشريف، وكان يحضر دروس الثلاثاء الدعويّة لحسن البنّا، وكان يطلق على حسن البنّا لقب الراشد المرشد، والتقى كذلك بالعديد من المشايخ في مصر.
رحل إلى الحرمين الشريفين حاجّاً لبيت الله الحرام، وزائراً لسيّد الأنام محمد في عام 1376هـ، والتقى في هذه الزيارة بكبار العلماء ومنهم في المدينة: الشيخ بدر عالم، وكذلك الشيخ إبراهيم الخُتني – رحمهما الله-.
التقى في مكّة المكرّمة بالشيخ محمد يحي أمان، والسيد علوي المالكي والد الشيخ الدكتور محمد علوي المالكي، والتقى كذلك بالشيخ حسن مشاط المالكي المكي، والشيخ أبي الفيض محمد ياسين الفاداني الملقب بمحدث العصر.
رحل إلى العراق والتقى هناك بالإمام الشيخ أمجد الزهاوي، وأخذ منه الإجازة والتقى بمشايخَ آخرين. رحل إلى الهند وباكستان من العراق عن طريق البحر، والتقى علماء وشيوخ تلك الديار منهم العلّامة المحدّث محمد زكريا الكاندهلوي، والشيخ عتيق الرحمن كبير علماء دهلي، والداعية محمد يوسف الكاندهلوي أمير حركة التبليغ وصاحب كتاب حياة الصحابة، والتقى بالداعية أبو الحسن الندوي رحمهم الله جميعاً. والتقى في باكستان بالشيخ محمد شفيع مفتي باكستان وغيره. حاضر في ملتقى الفكر الإسلامي بمدينة قسنطينة في الجزائر عام 1983م تحت عنوان الاجتهاد ورحل إلى المغرب بدعوة من ملك المغرب لإلقاء محاضرات في الدروس الحسنية.
رحل إلى اليمن ودرس في جامعتها، ودخل صنعاء وتعز وزبيد، وأخذ عن علمائها منهم المقرئ السيّد يحيى الكبسي والشيخ ثابت مهران، والتقى كذلك بعلماء تريم. رحل كذلك إلى أفغانستان ساعياً للإصلاح بين الفئات المتقاتلة هناك. رحل إلى أغلب بلاد العالم الإسلامي، وكذلك سافر إلى أوروبا في دعوة من جامعة أكسفورد في بريطانيا لإلقاء بعض الدروس، وقد رافقه فيها الشيخ يوسف القرضاوي. سافر كذلك في زيارات متعدّدة للأحساء، والتقى فيها بالكثير من العلماء، منهم الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مبارك الأحسائي المالكي، وكذلك الشيخ عبد الرحمن البوبكر الملّا الحنفى، والتقى كذلك بالشيخ أحمد آل دوغان الشافعي الأحسائي .
4- أشهر شيوخه:
عندما سُئل عن شيوخه قال: (إنّ ذكر أسماء مشايخنا هو مدعاة البركة ومستجرّ الرحمة)، وقال أيضا: (فقد تلقيت العلم عن نحو مائة عالم والحمد لله في بلدي حلب وفي غيرها من بلاد الشام ومكّة والمدينة المنوّرة ومصر والهند وباكستان والمغرب وغيرها، فلي من الشيوخ قرابة مائة شيخ تلقّيت عنهم، وأخذت منهم وكلّ واحد منهم له مشربه ومذهبه، وما التزمت قول أحد منهم لأنّه شيخي وأستاذي، بل التزم ما أراه صواباً وأعتقده حقّاً أو راجحاً) .
5- وأمّا مشايخه:
– الشيخ عيسى البيانوني، وكان يسكن في نفس الحي الذي كان يسكن فيه الشيخ عبد الفتاح.
– الشيخ إبراهيم السلقيني.
– الشيخ محمد راغب الطباخ مؤرخ حلب ومحدثها، كان يعتني بالحديث
– الشريف ويتم بنشر السنة المطهرة.
– الشيخ النحوي الأديب محمد الناشد.
– الشيخ محمد سعيد الإدلبي
– الشيخ الفقيه الأديب مصطفى الزرقا.
– الشيخ محمد نجيب سراج الدين والد الشيخ عبد الله سراج الدين.
– الشيخ مصطفى صبري.
– الشيخ محمّد زاهد الكوثري.
6- مؤلّفاته:
أ‌- المحقّقة:
1. الرفع والتكميل في الجرح والتعديل، للإمام اللكنوي.
2. الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة، للإمام اللكنوي.
3. تحفة الأخبار بإحياء سنة سيد الأبرار، للإمام اللكنوي.
4. نخبة الأنظار على تحفة الأخبار، للإمام اللكنوي.
5. المنار المنيف في الصحيح والضعيف، للإمام ابن قيم الجوزية.
6. المصنوع في معرفة الحديث الموضوع، للإمام ملا علي القاري.
7. قواعد في علوم الحديث، ظفر الله تهانوي.
8. قاعدة في الجرح والتعديل، للحافظ تاج الدين السبكي.
9. المتكلمون في الرجال، للحافظ السخاوي.
10. ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل، للحافظ الذهبي.
11. الموقظة في علم مصطلح الحديث، للحافظ الذهبي.
12. قفو الأثر في صفو علم الأثر، ابن الحنبلي.
13. لغة الأريب في مصطلح آثار الحبيب، للحافظ الزبيدي.
14. جواب الحافظ المنذري عن أسئلة في الجرح والتعديل.
15. توجيه النظر إلى أصول الأثر، الشيخ طاهر الجزائري.
16. ظفر الأماني في شرح مختصر الجرجاني، للإمام اللكنوي.
17. كشف الالتباس عما أورده الإمام البخاري على بعض الناس للغنيمي.
18. مكانة الإمام أبي حنيفة في الحديث، للشيخ النعماني.
19. التبيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن، للعلامة الجزائري.
20. تصحيح الكتب وصنع الفهارس المعجمة، للعلامة أحمد شاكر.
21. تحفة النساك في فضل السواك، للعلامة الميداني.
22. العقيدة الإسلامية التي ينشأ عليها الصغار، أبو زيد القيرواني.
23. الحلال والحرام وبعض قواعدهما في المعاملات المالية، لشيخ الإسلام ابن تيمية.
24. رسالة المسترشدين، للإمام الحارث المحاسبي
25. التصريح بما تواتر في نزول المسيح، لمحمد أنور الكشميري.
26. الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام، الإمام القرافي.
27. الترقيم وعلاماته، أحمد زكي باشا.
28. سياحة الفكر بالجهر بالذكر، الإمام اللكنوي.
29. قصيدة “عنوان الحكم، لأبي الفتح البستي.
30. رسالة الألفة بين المسلمين، للإمام ابن تيمية، ومعها رسالة في الإمامة للإمام ابن حزم الظاهري.
31. إقامة الحجة على أن الإكثار من التعبد ليس بدعة، للإمام اللكنوي.
32. فتح باب العناية بشرح كتاب النقابة “فقه حنفي ” لعلي القاري.
33. فقه أهل العراق وحديثهم، المحمد زاهد الكوثري.
34. خلاصة تهذيب الكمال في أسماء الرجال، للحافظ الخزرجي
ب‌- المؤلفات:
1. صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل.
2. العلماء العزاب الذين أثروا العلم على الزواج.
3. قيمة الزمن عند العلماء.
4. الرسول المعلم وأساليبه في التعليم.
5. لمحات من تاريخ السنة وعلوم الحديث.
6. أمراء المؤمنين في الحديث.
7. الإسناد من الدين ومعه صفحة مشرقة من تاريخ سماع الحديث عند المحدثين.
8. السنة النبوية وبيان مدلولها الشرعي.
9. تحقيق اسمي الصحيحين واسم جامع الترمذي.
10. منهج السلف في السؤال عن العلم وفي تعلم ما يقع وما لم يقع.
11. من أدب الإسلام.
12. نماذج من رسائل أئمة السلف وأدبهم العلمي.
13. كلمات في كشف أباطيل وافتراءات.
14. مسألة خلق القرآن وأثرها في صفوف الرواة والمحدثين وكتب الجرحوالتعديل.
7- أشهر تلاميذه:
• محمد أبو الفتح البيانوني، وهو حفيد شيخه الشيخ عيسى البيانوني، وابن صديقه الشيخ أحمد عز الدين البيانوني.
• محمد كمال المحقق الأديب
• محمد عوامة.
• محمد بن عبد الله آل رشيد، له كتاب إمداد الفتاح.
• سلمان الحسيني الندوي
• مجد مكي
• محمد أكرم الندوي
• علي جمعة
• محمد عبد المالك العالم المحقق البنجلاديشي
• ساند بكداش .
الموقع الرسمي للشيخ عبد الفتاح أبو غدة https://www.aboghodda.com/Biography-AR.htm:
8- وفاته:
في شهر شعبان 1417 هـ / 1996م شعر الشيخ بضعف في نظره فعاد من حلب إلى الرياض ليتلقّى العلاج، لكن لم يكن ناجحًا، ونتج عنه صداع شديد لازمه طوال أيامه الباقية، واشتكى في أواخر رمضان من ألم في البطن أُدخل على إثره مستشفى الملك فيصل التخصّصي وتبيّن أنّه ناتج عن نزف داخلي بسبب التهاب، وما لبث أن توفّي فجر يوم الأحد 9 شوال 1417ه، الموافق 16 فبراير 1997م عن عمر يناهز الثمانين عاماً. وحمل جثمانه إلى المدينة المنوّرة، ودُفن في مقبرة البقيع .

*******

[1] قيمة الزمن عند العلماء، مقدمة الكتاب، ص6.

[1] قيمة الزمن عند العلماء، ص27.

[1] قيمة الزمن عند العلماء، المصدر السابق، ص27.

[1] قيمة الزمن عند العلماء، المصدر السابق، ص30.

[1] قيمة الزمن عند العلماء، المصدر السابق، ص31.

[1] قيمة الزمن عند العلماء، المصدر السابق، ص32.

[1] سنن ابن ماجه، (2/ 1396)، قيمة الزمن عند العلماء، ص36.

[1] قيمة الزمن عند العلماء، ص38 إلى 48.

[1] قيمة الزمن عند العلماء، ص50 إلى 60.

[1] صفحات من صبر العلماء على شدائد العالم والتحصيل، ص11.

[1]  صفحات من صبر العلماء على شدائد العالم والتحصيل، المصدر السابق، ص14.

 [1] صفحات من صبر العلماء على شدائد العالم والتحصيل،المصدر السابق، ص296.

[1] من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية، (2/ 515).

[1] من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية، المصدر السابق، (2/ 97).

[1] الموقع الرسمي للشيخ عبد الفتاح أوغدة: https://www.aboghodda com/Biography-AR.htm.

[1] الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله: المحدث المحقق، مارس 31. 2021، الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله : المحدث المحقق AL-BAAS-FL-ISLAMI -.

[1] كلمات في كشف أباطيل وافتراءات، عبد الفتاح أبو غدة، ص 38.

[1] مؤلفات الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رابطة أدباء الشام.

[1] عبد الفتاح أبو تحدة – المرشد الثاني للإخوان المسلمين، بوابة الحركات الإسلامية: عبد الفتاح أبو غدة المرشد الثاني الإخوان سوريا.

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...