نبيل التّويول
باحث إعلامي مغربي مختص في تكنولوجيا الإعلام و الإتصال و تحليل الخطاب الإعلامي.
لم يكن الصمت الذي سبق ظهور الرئيسين Xi Jinping وDonald Trump داخل القاعة الكبرى للشعب في Beijing صمتا بروتوكوليا عاديا، بل بدا أقرب إلى ذلك النوع من السكون المحسوب الذي يخيّم على غرف التحكم الاستراتيجية قبل اتخاذ القرارات الكبرى، حيث تتحرك الأمم بتقديرات القوة، وخرائط الاقتصاد، وهواجس التاريخ، ومخاوف المستقبل .. إذ إن العالم اليوم الذي يتابع اللقاء باعتباره محطة دبلوماسية رفيعة، يدرك في العمق أنه يراقب لحظة إعادة تعريف العلاقة الأكثر حساسية في النظام الدولي، العلاقة التي لا تقاس فقط بحجم التبادل التجاري أو التوازنات العسكرية، بل بقدرة طرفين يمتلكان معا مفاتيح التكنولوجيا والمال والطاقة والأسواق على منع القرن الحادي والعشرين من الانزلاق نحو الحرب العالمية الثالثة.
ولعل ما منح هذا اللقاء قيمته الاستثنائية أن الصين لم تعد تدخل المفاوضات من موقع “القوة الصاعدة” التي تبحث عن اعتراف أمريكي، بل من موقع حضارة عريقة استعادت ثقتها بنفسها، وأصبحت ترى أن الزمن الذي كانت تُعرّف فيه وفق القاموس الغربي قد ولّى؛ ولذلك لم يكن اختيار شي جينبينغ لعبارة “التموقع الجديد للعلاقات الصينية الأمريكية” أمراً لغويا عابرا، لأن هذه الصياغة تحديدا تعبّر عن تحوّل عميق داخل العقيدة السياسية الصينية، حيث باتت بكين تعتبر أن علاقتها بواشنطن يجب أن تدار باعتبارها علاقة بين قطبين كاملين، لا بين مركز دولي وطرف يسعى للحاق به. ومن هنا يمكن فهم الإصرار الصيني المتكرر على فكرة “إدارة التنافس” بدل “حسم التنافس”، وهي مقاربة تختلف جذريا عن العقل السياسي الأمريكي الذي تأسس تاريخيا على فكرة الحفاظ الدائم على التفوق الاستراتيجي ومنع ظهور منافس مواز قادر على إعادة تشكيل قواعد النظام الدولي.
غير أن القراءة الدقيقة للخطاب الصيني تكشف أن الهدوء الظاهر يخفي قدرا هائلا من الصرامة الاستراتيجية؛ فحين أعاد شي التذكير بأن Taiwan تمثل “المسألة الأكثر حساسية” في العلاقات الثنائية، لم يكن يوجه تحذيرا دبلوماسيا فقط، بل كان يضع أمام واشنطن حدود المجال الذي يمكن للصين أن تتسامح داخله مع الضغوط الغربية. فداخل المؤسسة الصينية ينظر إلى Taiwan كجرح مفتوح من آثار “قرن الإذلال”، ذلك القرن الذي شهد تفكك الإمبراطورية الصينية تحت ضغط القوى الأجنبية، وهو ما يفسر لماذا تتعامل Beijing مع الملف بمنطق وجودي لا تكتيكي. ولهذا تدرك الدوائر الاستراتيجية الأمريكية أن أي خطأ في إدارة هذه النقطة تحديدا قد يدفع العالم إلى أخطر مواجهة بين قوتين عظميين منذ أزمة الصواريخ الكوبية، خصوصا في ظل تصاعد العقيدة العسكرية الصينية القائمة على منع القوات الأمريكية من فرض السيطرة البحرية التقليدية في غرب المحيط الهادئ.
أما ترامب، الذي بنى جزءا كبيرا من خطابه السياسي الداخلي على مهاجمة الصين اقتصاديا وتجاريا، فقد بدا هذه المرة أكثر ميلا إلى البراغماتية الواقعية، وكأن الرجل نفسه أصبح مدركا أن واشنطن لم تعد تتعامل مع خصم يمكن احتواؤه بالأدوات الكلاسيكية للحرب الباردة، وإنما مع قوة ترتبط عضويا بالاقتصاد العالمي وبالبنية العميقة للرأسمالية الحديثة؛ ولذلك ركّز حديثه على الطاقة والأسواق والاستثمارات وسلاسل الإمداد، متجنبا الانزلاق نحو مواجهة خطابية مباشرة، في وقت تشير فيه تقارير مراكز التفكير الأمريكية إلى أن المؤسسة الاستراتيجية في واشنطن انتقلت فعليا من سؤال “كيف ندمج الصين داخل النظام الدولي؟” إلى سؤال أكثر خطورة: “كيف نحافظ على التفوق الأمريكي في عالم لم تعد فيه الصين قابلة للاحتواء؟”.
وهنا تحديدا يتكشف البعد الحقيقي للصراع، لأنه لم يعد خلافا حول الرسوم الجمركية أو الميزان التجاري، بل أصبح صراعا على احتكار تعريف القوة نفسها في القرن الجديد؛ فالولايات المتحدة تدرك أن خسارة السباق في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية وأشباه الموصلات قد تعني، للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، فقدان قدرتها التاريخية على تحديد قواعد الهيمنة الاقتصادية والعسكرية العالمية، بينما ترى الصين أن أي تبعية تكنولوجية للغرب ستبقي مشروعها الحضاري رهينة للقرار الأمريكي، ولهذا تحولت شركات مثل Huawei وSMIC إلى خطوط تماس استراتيجية تتجاوز بكثير طبيعتها التجارية، بحيث باتت المختبرات ومراكز البيانات ومصانع الرقائق جزءا من معادلة الردع الدولي تماما كما كانت القواعد النووية خلال القرن الماضي.
ومع ذلك، فإن اختزال المواجهة داخل بعدها التكنولوجي وحده يبقى قراءة ناقصة، لأن ما يجري في العمق هو إعادة توزيع واسعة للنفوذ العالمي تشمل إفريقيا وآسيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية، حيث تعمل الصين عبر مبادرة الحزام والطريق على إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية الدولية من خلال البنية التحتية والموانئ والتمويل وسلاسل التجارة، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على البنية التي منحتها التفوق لعقود، بدءا من هيمنة الدولار وصولا إلى التحكم في المؤسسات المالية والتحالفات الأمنية العابرة للقارات. ولهذا فإن التنافس بين Washington وBeijing لم يعد يقاس فقط بحجم الجيوش، بل بقدرة كل طرف على إقناع الجنوب العالمي بأن نموذجه أكثر قدرة على إنتاج الاستقرار والتنمية والنفوذ.
و تبدو الحرب الإعلامية والسردية واحدة من أكثر الجبهات حساسية، لأن الصين تحاول تقديم نفسها باعتبارها نموذجا للكفاءة والاستقرار والتنمية دون الفوضى السياسية الغربية، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على صورتها بوصفها الحاضنة التاريخية للحرية والابتكار والقوة الناعمة؛ ومن هنا لم تعد منصات مثل ByteDance أو صناعة الصورة العالمية مجرد أدوات ترفيهية أو تجارية، بل تحولت إلى ساحات صراع على الوعي الدولي نفسه، حيث باتت القوة تقاس أيضا بمن يمتلك القدرة على صياغة الرواية الأكثر إقناعا عن المستقبل.
وربما تكمن المفارقة الأشد تعقيدا في أن الطرفين، رغم إدراكهما لحدة التنافس، يعرفان في الوقت ذاته أن القطيعة الكاملة أصبحت شبه مستحيلة؛ فالعلاقة بين الولايات المتحدة والصين تختلف جذريا عن علاقة واشنطن بالاتحاد السوفييتي سابقا، لأن الاقتصادين الأمريكي والصيني متداخلان بصورة تجعل أي انفصال شامل بمثابة زلزال عالمي قد يضرب الأسواق والطاقة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد دفعة واحدة. ولهذا لم يكن مفاجئا أن تتحدث بعض الدوائر الغربية عن نشوء ما يشبه “التعايش الاستراتيجي القلق”، حيث تتجاور المنافسة الحادة مع الحاجة المتبادلة إلى منع الانهيار الكامل للنظام الاقتصادي العالمي.
لكن خلف هذا التوازن الهش يظل سؤال القوة العسكرية حاضرا بثقله الكامل؛ فالبنتاغون ينظر اليوم إلى الصين باعتبارها التحدي الاستراتيجي الأكبر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بينما تعمل Beijing على بناء منظومة ردع بحرية وصاروخية قادرة على تقليص التفوق الأمريكي في آسيا تدريجيا. وفي لحظة كهذه، يصبح أي حادث محدود في Taiwan أو بحر الصين الجنوبي قادرا على تحويل العالم، خلال أيام قليلة فقط، من مرحلة “إدارة التنافس” إلى مرحلة اختبار الإرادات الكبرى، وهو ما يفسر ذلك الحرص الشديد لدى الطرفين على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مهما بلغت حدة الخلافات.
وعلى امتداد التاريخ، لم تكن التحولات الكبرى تبدأ دائما بصوت المدافع، بل في كثير من الأحيان ما بدأت بابتسامات محسوبة وعبارات دبلوماسية خاثرة و تخفي تحتها إعادة ترتيب كاملة لموازين القوة؛ ولذلك فإن ما شهدته بكين يتجاوز حدود الزيارة الثنائية نحو لحظة كاشفة عن عالم يتغير بسرعة أكبر من قدرة المؤسسات التقليدية على استيعابه. فالصين لم تعد تطلب مكانا داخل النظام الدولي، بل تعمل على إعادة تعريف هذا النظام نفسه، والولايات المتحدة لم تعد تواجه خصما عسكريا تقليديا، بل منافسا حضاريا وتكنولوجيا وماليا يمتلك صبرا تاريخيا هائلا وقدرة متزايدة على التمدد الهادئ.
وربما للمرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لا يبدو السؤال الحقيقي المطروح داخل العواصم الكبرى متعلقا بمن سيقود العالم، بل بكيفية منع العالم من الانقسام إلى سرعتين حضاريتين تتنازعان تعريف المستقبل ذاته، في لحظة تبدو فيها بكين وواشنطن وكأنهما لا تتفاوضان فقط على التجارة والنفوذ، وإنما على الشكل الذي سيبدو عليه القرن الحادي والعشرون عندما يكتمل.





