كيف تعيد السعودية ضبط المعادلة مع الحوثيين من إدارة الأزمة إلى تنويع قواعد الردع

إيطاليا تلغراف متابعة

إعلان الحوثيين استهداف مطار أبها لا يضيف مجرد حادثة جديدة إلى سجل التصعيد، بل يكشف بوضوح طبيعة المرحلة التي دخلتها المواجهة: مرحلة يسعى فيها الفاعل- غير الدولتي- إلى فرض إيقاع الصراع. لا الاكتفاء بالتفاعل معه. هنا لا يعود السؤال متعلقا بالضربة ذاتها، بل بما إذا كانت هذه الضربات قادرة على إعادة تعريف قواعد الاشتباك، أم إنها تعكس محاولة للتمسك بها في لحظة تتآكل فيها قدرة الجماعة على فرض شروطها؟

رغم أن قصف مطار صنعاء قامت به وزارة الدفاع اليمنية فإن ما يسمى (رد الحوثي في أبها) كان ضعيفا نسبيا، مقارنة بقدرات الجماعة في 2019-2022: اعتراض سعودي سريع، لا توجد إصابات مؤكدة ولا تدمير بحجم كبير.

وهذا مؤشر يدعم فرضية أن قدراتهم التسليحية والدعم اللوجيستي الإيراني قد تراجعا فعلا. ليس فقط اقتصاديا بل عسكريا أيضا؛ بسبب انشغال طهران في جبهاتها الخاصة.

المسألة في جوهرها ليست في الحدث العسكري بحد ذاته، بل في السياق الذي ينتجه. فالتصعيد الحوثي يأتي في ظل ضغوط داخلية متزايدة: تدهور اقتصادي، أزمة رواتب، وتآكل في العلاقة مع المجتمع ومع القبائل. هذه البيئة تدفع الجماعة إلى البحث عن أدوات خارجية لإعادة ضبط تماسكها الداخلي؛ حيث يتحول التصعيد إلى وسيلة تعبئة، لا تعبيرا عن تفوق إستراتيجي.

فالهجوم على هدف داخل العمق السعودي يحمل دلالة إضافية تتجاوز البعد التكتيكي، إذ يعكس محاولة نقل مركز الثقل من الداخل اليمني إلى معادلة أمن إقليمي أوسع، تقوم على فكرة “تبادل الكلفة”. غير أن هذه المحاولة تصطدم بواقع أن القدرة على إحداث إزعاج تكتيكي لا تعني القدرة على تغيير ميزان الردع.

من الناحية العسكرية التقنية، تشير طبيعة الهجمات الحوثية على أهداف- مثل مطار أبها- في الغالب إلى استخدام مزيج من الطائرات المسيرة الانتحارية أو الصواريخ قصيرة إلى متوسطة المدى، وهي أدوات منخفضة الكلفة نسبيا ومرنة تشغيليا.

هذه الأدوات تمنح الجماعة قدرة على الاستمرار في الشغب وإثبات الحضور، لكنها تظل محدودة من حيث التأثير الإستراتيجي، خاصة في مواجهة منظومات الدفاع الجوي السعودية التي كسبت خبرة واسعة وأثبتت قدرة عالية على الاعتراض وتقليل الأضرار. بمعنى آخر الهجوم قد ينجح في تحقيق أثر إعلامي أو نفسي مؤقت، لكنه لا يترجم إلى مكسب عسكري مستدام أو تغيير في موازين القوة.

الهجوم على هدف داخل العمق السعودي يحمل دلالة إضافية تتجاوز البعد التكتيكي، إذ يعكس محاولة نقل مركز الثقل من الداخل اليمني إلى معادلة أمن إقليمي أوسع، تقوم على فكرة “تبادل الكلفة”

هذا النمط يعكس جوهر الإستراتيجية الحوثية: تعظيم الأثر السياسي لضربات محدودة عسكريا. وهو ما يفسر أيضا ارتباط التصعيد بالسياق الإقليمي، حيث تتحرك الجماعة ضمن هامش يتقاطع مع المصالح الإيرانية والدعاية بادعاء النصر. وربما دون أن يكون بالضرورة انعكاسا لقرار إيراني مباشر بالتصعيد. فطهران الشغوفة باستعمال خدمات الوكلاء قد تنزع إلى إدارة التوتر لا تفجيره، خاصة في ظل اتصالات لم تنقطع مع الرياض، بينما يستخدم الحوثيون هذا الهامش لتعزيز موقعهم التفاوضي.

إن التقارب السعودي الإيراني منذ اتفاق بكين في 2023 يمنح الرياض هامشا سياسيا للتعامل مع المخاطر الحوثية، ويقلل من احتمالات الانفجار الكبير. ولعل التصعيد الحالي أقرب إلى “تصعيد تفاوضي” وليس قرارا نهائيا بالحرب، خصوصا أن قنوات التواصل بين الرياض والحوثيين لا تزال مفتوحة، وأن وفودا حوثية شاركت في لقاءات في الرياض وعمان، والأطراف الثلاثة (الحكومة الشرعية، السعودية، الحوثيون) وافقت على عقد اجتماع للجنة التنسيق العسكري. بمعنى آخر: هناك مسار تفاوضي فعلي يجري بالتوازي مع لغة التهديد، وإن كان مسارا غير منتج لتسوية ما حتى الآن.

هنا يظهر الخيار الحقيقي أمام السعودية: ليس فقط في منع الهجمات وتقليص آثارها، بل في منعها من التحول إلى أداة فعالة لإعادة تشكيل قواعد الاشتباك.

من بادر بالضربة (الاثنين 13 يوليو/تموز 2026) هو الحكومة اليمنية الشرعية وليس الحوثي، ومن ضرب مطار صنعاء وزارة الدفاع اليمنية- لا الرياض- لكن من سيقرر إن كان هذا حادثا معزولا أو بداية حرب مفتوحة جديدة هو طرف ثالث: إيران أو السعودية. الرياض لا ترغب بالتصعيد، وهي تسعى للتهدئة منذ سنوات. وإيران اليوم منشغلة بحماية أراضيها من الضربات الأمريكية والحفاظ على ما تبقى من نفوذ في هرمز. ولا تملك ترف فتح جبهة يمنية موازية بكامل قوتها.

وهذا يترك الحوثي رغم كل الخطاب الإعلامي العالي النبرة والوعود بـ”الرد والعقاب” في موقع تفاوضي وعسكري هو الأضعف منذ سنوات، حتى وإن بدا صوته في الإعلام أعلى من أي وقت مضى.

حين تفقد الجماعة القدرة على استخدام التصعيد كأداة لتحسين موقعها- داخليا أو تفاوضيا- فإنها تفقد جوهر قوتها. وعندها، لا تكون المعادلة قد أديرت فقط، بل أعيد تعريفها بالكامل

المفكر الإستراتيجي الأمريكي توماس شيلينج- (1921-2016)- وهو أحد أبرز المفكرين الذين غيروا فهم العالم للصراع والتفاوض والردع خلال الحرب الباردة، يقول “إن الردع لا يتحقق بالرد، بل بجعل قرار الهجوم نفسه غير مجد. الهدف ليس فقط اعتراض الصواريخ أو المسيرات، بل التأثير في حسابات من يطلقها، بحيث يصبح كل تصعيد خطوة محفوفة بمخاطر غير محسوبة”.

وفي الإطار نفسه يوضح هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي ومستشار الأمن القومي الأسبق أن الاستقرار لا يتحقق بالقضاء على الخصم، بل بإدخاله في نظام تصبح فيه كلفة الخروج عن قواعده أعلى من أي مكسب محتمل. وهذا ما تسعى إليه السعودية: ليس إنهاء الحوثيين عسكريا، بل دفعهم إلى بيئة إستراتيجية لا يعود فيها التصعيد خيارا مربحا.

عمليا يتجسد هذا التوجه في مقاربة سعودية متعددة المستويات:

  • عسكريا: الحفاظ على تفوق دفاعي يقلل من فاعلية الهجمات ويمنع تحقيق أهدافها.
  • اقتصاديا: تضييق الخناق على شبكات التمويل، بما يربط أي تصعيد بكلفة داخلية متزايدة.
  • سياسيا: إجهاض أهداف الحوثيين في إعادة إنتاج شرعيتهم المتآكلة، مع دعم الحكومة الشرعية لتعزيز نموذج بديل أكثر تنمية واستقرارا. إقليميا: إدارة علاقة حذرة مع إيران بما يمنع تحويل الوكلاء إلى ساحات ضغط غير مضبوطة وغير مسيطر عليها.

بهذا المعنى، فإن استهداف مطار أبها لا يغير قواعد اللعبة بقدر ما يكشف محاولة لاختبارها. وإذا كان الحوثيون يسعون إلى معادلة “التصعيد مقابل التصعيد” مع السعوديين، فإن أمام الرياض خيارين أحدهما الرد بصورة تأديبية أقسى من الفعل الحوثي كما هدد المتحدث العسكري السعودي قبل أيام عندما قال “سنرد بحزم وقوة غير مسبوقة لحماية أمن المملكة وسيادة اليمن”. أو الخيار الثاني وهو فرض معادلة أخرى مختلفة: “التصعيد مقابل استنزاف تراكمي”. بمعنى لا تلجأ السعودية إلى الرد بعد كل هجوم، لتجعل كل هجوم حوثي سببا في إضعاف الحوثيين أنفسهم تدريجيا حتى تتآكل قدرتهم على القتال.

عند هذه النقطة يتغير تعريف الردع: لم يعد يعني منع الضربة الأولى. بل جعل الضربة التالية أقل احتمالا. ولم يعد السؤال: كيف ترد السعودية؟ بل: كيف تجعل تكرار الهجوم قرارا غير عقلاني؟

حين تفقد الجماعة القدرة على استخدام التصعيد كأداة لتحسين موقعها- داخليا أو تفاوضيا- فإنها تفقد جوهر قوتها. وعندها، لا تكون المعادلة قد أديرت فقط، بل أعيد تعريفها بالكامل.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...