من باب دكالة إلى العزوزيّة: ترحيل الإسمنت أم ترحيل العقليّات؟

 

 

 

 

* الدكتور شَنْفَار عبد الله

 

 

 

هناك رسوم جبائية تبدو أقوى من الزمن نفسه: درهم واحد فقط؛ رسم الولوج إلى محطة باب دكالة بمراكش.

رسم يذكرني بذلك الرسم الاستعماري الشهير المعروف بـ”الأُذُن” أو “لودن”، الذي كان يُؤدَّى مقابل مجرد الوجود أو الاستفادة من بعض المرافق العامة، حتى خُيّل للناس أحياناً أنهم يؤدونه مقابل حق التنفس أو الاستظلال أو التدفؤ بحرارة الشمس التي كانت، مجازاً، ملكاً للدولة..!

منذ التحقت بجامعة القاضي عياض سنة 1989، وهذا الرسم قائم لا يتزحزح، وكأنه معلمة مصنفة ضمن التراث اللامادي للمدينة..!

يومها كنّا طلبة نرفض أداء هذا الرسم الرمزي من باب المبدأ قبل أن يكون من باب ضيق ذات اليد. كان الحساب بسيطاً: ثمن التذكرة، ودرهم للمرحاض، وخمسة دراهم لكأس شاي أو قهوة مع درهم حرشة، وأخرى لوجبة متواضعة، فنحاول تدبير ميزانيّة لا تكفي إلا بالكاد للوصول إلى نهاية الأسبوع.

لكن محطة باب دكالة لم تكن مجرد مكان تؤدى فيه الرسوم أو تنطلق منه الحافلات، بل كانت بوابة العبور إلى مرحلة جديدة من الحياة.

فقد انتقلت، وأنا لم أبلغ التاسعة عشرة بعد، من مجتمع الواحات ببادية فم زكيد إلى مدينة مراكش، ومن الحياة البسيطة إلى الحياة المعقدة ومن حياة التلميذ المعتمد على أسرته إلى حياة الطالب الذي يدبر شؤونه بنفسه، ويكتشف معنى الاستقلال بما يحمله من حرية ومسؤولية ومشقة.

كانت الجامعة آنذاك فضاءً لصراعات فكريّة وسياسيّة حادة، وكانت عبارة: “تحية نضالية في إطار الاتحاد الوطني لطلبة المغرب” كافية لتتوقف المحاضرات وتبدأ حلقات النقاش والتعبئة.

وفي المقابل، كان هناك عنف آخر أكثر صمتاً: طوابير المطعم الجامعي، والانتظار الطويل أمام الخزينة العامة المتواجدة بحي كليز خلف مقر اتصالات المغرب لصرف المنحة، والبحث المضني عن مرجع جامعي لا تتوفر منه سوى نسخ قليلة.

وكان المغرب نفسه يعيش مرحلة انتقالية صعبة، تتداخل فيها آثار سياسة التقويم الهيكلي وانتهاج سياسة التقشف وبدايات الخوصصة والإصلاحات الاقتصاديّة.

حينها لم تكن الهواتف المحمولة ولا وسائل التواصل الاجتماعي قد ظهرت بعد، فقط هواتف الزنقة أو التليبوتيك درهم واحد للمكالمة الوطنيّة. لذلك ظلت محطة باب دكالة فضاءً للقاء والوداع والاستقبال، ونقطة وصل بين القرية والمدينة، وبين الدراسة والأسرة.

ورغم قسوة تلك المرحلة، احتفظت الحياة ببساطتها. كانت عشرة دراهم تكفي لوجبة متواضعة، وكان المطعم الجامعي يوفر وجبة بأقل من درهم ونصف، (1,40 درهم) تسعيرة مازالت لحد الساعة لم تتغير. فيما كانت حافلات وكالة النقل المستقلة تجوب المدينة بإيقاعها الهادئ، وتشكل المحطة جزءاً من الذاكرة اليوميّة لآلاف الطلبة والمسافرين.

عدت إلى المحطة قبل أيام، بعد نحو خمسة وثلاثين عاماً، فاكتشفت أن الزمن توقف هناك. نفس الرسم، ونفس الروائح التي تتحدى قوانين التهوية، ونفس الفوضى، ونفس الوسطاء الذين يتنافسون على المسافرين، حتى يكاد المكان يبدو أقرب إلى سوق عشوائي منه إلى مرفق عمومي يفترض أن يحفظ كرامة مرتاديه.

لنعد إلى جدار باب دكالة المجاور للمحطة ومنه استمدّت اسمها، ليس كوثيقة أثرية تنتظر الإدراج في لائحة التراث العالمي، بل كشاهد أثري على فشل أعمق: فشل السياسة العمرانية في تأمين أبسط مقومات الحياة الحضرية في نقاط التماس الحرجة.

إن تحويل السور المتين إلى ما يشبه “مرآة للحاجة” هنا يحيلنا إلى سؤال إبستيمولوجي: ما الذي حول هذا الحائط من حامٍ للمدينة في الماضي إلى حامٍ لغريزة المارة في الحاضر؟ أليست هي نفس آلية تسليع الفضاء وتوزيعه اللامتكافئ التي تجعل حائط المرحاض العمومي بتكلفة درهم واحد أبعد مما يستطيع جسد مرهق وعابر سبيل تحمله في لحظة ضرورة قاهرة؟
تكتسي هنا مسألة المرفق الصحي المدفوع رمزيّتها الكاشفة. ذاك الدرهم أو الدرهمان ليس مجرد رسم مادي يستقطعه “حارس” للمرحاض، بل هو بوابة رمزيّة تستبعد الجسد الفقير من دائرة “المستحقين للتغوط في الستر”.
وهكذا تصبح عملية التبول على الجدار التاريخي فعلًا لاواعيًا لاستعادة حق مسلوب: الحق في المكان بدون مقابل، حتى لو كان هذا المكان ملتصقًا بسطح يجسد رأس المال الرمزي للجماعة.
ليست المشكلة في “الافتقار” إلى المراحيض، بل في “سياسة الغياب” التي تصنعها، حيث يكون التوفير في الخدمة العمومية تراكمًا لعجز رمزي يترجم فورًا إلى عنف مادي يطال الجسد (عندما يُمنع الحق) وتاريخه (عندما يُدنس الجدار).

واليوم تستعد السلطات لنقل المحطة من باب دكالة إلى العزوزية، وكأن المشكلة كانت دائماً في الموقع والاختناق المروري، لا في أساليب الإدارة والتدبير والتسيير وجودة الخدمات المرفقيّة.

فالمواطن لا يهمه كثيراً أين توجد المحطة، بقدر ما يهمه أن يجد محطة بعقليّة جديدة، وخدمات حديثة، ونظافة، وتنظيماً، واحتراماً لكرامته الإنسانيّة الوجوديّة. كما ينتظر من الجماعات الترابيّة أن تبحث عن مصدر لموارد أكثر نجاعة وعدالة لتنمية مداخيلها، بدل التشبث برسوم فقدت الكثير من مبرراتها الاقتصاديّة والاجتماعيّة.

أمّا إذا انتقل كل شيء كما هو؛ بالرسم نفسه، والعادات نفسها، والسلوكات نفسها، والفوضى نفسها، فلن نكون أمام إصلاح حقيقي، بل أمام مجرد ترحيل للإسمنت، مع الإبقاء الكامل على العقليّات وأرشيف الاختلالات.

*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...