* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
يشهد المجال العام المعاصر تحولًا نوعيًا في أساليب التأثير على الرأي العام.
فلم يعد التضليل الإعلامي يعتمد، في كثير من الأحيان، على اختلاق رواية كاذبة واحدة ومحاولة تسويقها، بل أصبح يقوم على أساس إغراق الفضاء المعلوماتي بكمٍّ هائل من الأخبار والادعاءات الزائفة والتفسيرات المتعارضة، بحيث تصبح الحقيقة نفسها غارقة وسط الضجيج.
ولا يكون الهدف الرئيس من هذه الممارسة هو إقناع الجمهور برواية معينة، بقدر ما يكون زعزعة ثقته في إمكان الوصول إلى الحقيقة، وإنتاج حالة من اللايقين الجماعي تجعل التمييز بين الوقائع والدعاية أمرًا بالغ الصعوبة.
ومن ثم، فإن التشويش المعلوماتي يمثل اليوم أحد أبرز أدوات التأثير في الحروب الإعلاميّة والسياسيّة وفي إدارة وتدبير الأزمات.
– أولًا: التشويش المعلوماتي بوصفه استراتيجية اتصال
يُقصد بالتشويش المعلوماتي؛ استخدام التدفق الكثيف للمعلومات والادعاءات، الصحيحة منها والخاطئة والمأدبة والمضللة، بصورة تؤدي إلى إرباك واستنزاف تركيز المتلقي وتشتيت انتباهه عن القضية الأساسيّة.
ومن المهم التمييز بين التشويش المعلوماتي بوصفه استراتيجية اتصال ودعاية، وبين المغالطات المنطقيّة بوصفها أخطاء في الاستدلال.
فالإغراق المعلوماتي ليس مغالطة منطقيّة في حد ذاته، وإنما تقنيّة اتصاليّة قد توظف داخلها عددًا من المغالطات، مثل رجل القش، وتحويل مسار النقاش، والاحتكام إلى العاطفة، والانتقاء المتحيز للأدلة.
وتزداد فاعلية هذه الاستراتيجية في البيئة الرقميّة، حيث تسمح منصات التواصل الاجتماعي بإعادة إنتاج وتدوير الرسائل وتداولها بسرعة تفوق قدرة المؤسسات الإعلاميّة أو الباحثين على التحقق منها.
– ثانيًا: من قانون (براندوليني) إلى أسلوب «جيش غيش»
تنسجم هذه الاستراتيجية مع ما يعرف بـ قانون المفكر والمبرمج الإيطالي (براندوليني)، الذي يقرر أن الجهد اللازم لدحض الادعاء الزائف يفوق بدرجة كبيرة الجهد اللازم لاختلاقه ونشره.
ويظهر هذا المعنى بصورة عملية في الأسلوب الجدلي المعروف باسم «جيش غيش» (Gish Gallop)، الذي يقوم على أساس إطلاق عدد كبير من الادعاءات خلال وقت قصير، مع إدراك أن الرد العلمي على كل ادعاء يحتاج إلى وقت أطول وتحليل أدق.
ولا يسعى هذا الأسلوب إلى بناء حجة متماسكة، بل إلى استنزاف قدرة الخصم على التفنيد، وإعطاء انطباع للجمهور بأن كثرة الادعاءات تعني قوّة الموقف. وهنا يصبح الضجيج أداةً لإضعاف النقاش العقلاني، ويحل الكم محل الكيف، والانطباع محل البرهان.
– ثالثًا: الآليات النفسيّة للتشويش المعلوماتي
ترتكز فاعلية التشويش المعلوماتي على عدد من الآليات التي درستها علوم النفس والإدراك، من أهمها:
1. الحمل المعرفي: إذ يؤدي تدفق المعلومات المتناقضة إلى إنهاك قدرة الفرد على التحليل والمقارنة.
2. فرط المعلومات: حيث يصبح حجم البيانات أكبر من قدرة المتلقي على معالجتها، فيلجأ إلى التبسيط أو التجاهل أو الانسحاب.
3. شلل التحليل: إذ يتحول تعدد الروايات إلى عائق يمنع اتخاذ موقف أو إصدار حكم.
ولا تتمثل النتيجة في اقتناع الجمهور بالكذب والزيف بالضرورة، وإنما في فقدان الثقة في إمكانيّة الوصول إلى معرفة موثوقة، وهو ما يفضي إلى نوع من السلبيّة أو اللامبالاة أو الارتياب الشامل.
– رابعًا: من إنكار الحقيقة إلى صناعة اللايقين
لقد انتقلت الدعاية من مرحلة صناعة الكذبة إلى مرحلة صناعة اللايقين. ففي الدعاية الكلاسيكيّة أو التقليديّة، كان المطلوب أن يصدق الناس رواية السلطة، أما في الدعاية المعاصرة فليس ضروريًا أن يصدقوا رواية بعينها؛ بل يكفي أن يفقدوا الثقة في جميع الروايات.
وحين يصبح كل شيء قابلًا للتشكيك، تتحول الحقيقة إلى مجرد رأي بين آراء، ويفقد الدليل سلطته أمام ضجيج السرديات المتنافسة. وهنا لا ينتصر الكذب لأنه أقوى من الحقيقة، بل لأن الحقيقة تُحاصر بفيضٍ من الالتباس يمنعها من أداء وظيفتها في توجيه الوعي العام.
ومن ثم، لا يعود المطلوب أن يصدق الجمهور رواية بعينها، بل أن يقتنع بأن جميع الروايات متساوية في القيمة، وأن كل المصادر مشكوك فيها، وأن الوصول إلى اليقين أمر مستحيل.
وعندما تتحول الحقيقة إلى مجرد “رأي” بين آراء متنافسة، يفقد الدليل سلطته، ويصبح الانفعال والهوية والانتماء عوامل أكثر تأثيرًا من البرهان العقلي.
– خامسًا: مواجهة التشويش المعلوماتي
لا تتحقق مواجهة التشويش المعلوماتي بالرد المنفصل على كل ادعاء، لأن ذلك قد يساهم في إعادة إنتاج الرسائل المضللة ومنحها انتشارًا إضافيًا، فضلًا عن أنه يستنزف الوقت والجهد.
وتقوم المقاربة الأكثر فاعلية على عدد من المبادئ، أهمها:
1. تعزيز التربية الإعلامية والتفكير النقدي.
2. بناء ما يعرف بـ التحصين المعرفي، من خلال تعريف الجمهور بأساليب التضليل قبل تعرضه لها.
3. التركيز على الوقائع الأساسية بدل الانجرار وراء التفاصيل الهامشية.
4. دعم المؤسسات والمصادر المهنية التي تعتمد التحقق والتوثيق.
5. تبسيط الحقائق وتكرارها بلغة واضحة دون إعادة تدوير الإشاعات.
* خلاصة:
تكشف ظاهرة التشويش المعلوماتي أن الصراع في المجال العام لم يعد يدور حول امتلاك الحقيقة فحسب، بل حول التحكم في البيئة التي تُستقبل فيها الحقيقة. فحين يُغرق الفضاء العام بالمعلومات المتناقضة، لا يكون الهدف دائمًا إخفاء الوقائع، وإنما إضعاف أثرها وإرباك القدرة على إدراكها.
ومن ثم، فإن بناء مجتمع قادر على مقاومة التضليل لا يبدأ بعد انتشار الإشاعة، بل يبدأ قبل ذلك ببناء عقل نقدي، وتعزيز الثقافة الإعلاميّة، وترسيخ قيمة الدليل بوصفها أساسًا للحكم على المعلومات.
فالحقيقة لا تنتصر تلقائيًا، وإنما تنتصر عندما تمتلك المؤسسات والمجتمعات والأفراد القدرة على حمايتها من الضجيج الذي يسعى إلى إفراغها من معناها
*نبذة موجزة حول الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه؛
مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وناشط في الرصد والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي.
له عدة إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي، من أبرز مؤلفاته: الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000). الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015)، والفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).





