عبير النجار
أكاديمية فلسطينية متخصصة في دراسات الإعلام والاتصال.
في أقلّ من عام، أعلنت المنطقةُ أكثر من انتصار، وخسرت أكثر من مدينة. من الحرب على إيران في يونيو/ حزيران 2025، إلى استئنافها في فبراير/ شباط 2026 واغتيال المرشد نفسه وقيادات إيرانية عديدة، ومن جبهة في جنوب لبنان هجّرت فيها إسرائيل أكثر من مليونٍ ومائتَي ألف إنسان، وأزالت قرى بأكملها في جنوب الليطاني، إلى غزّة التي لا تزال تعيش الإبادة، على الرغم من التوصّل إلى هدنة منذ خريف 2025، فسقط فيها أكثر من ألف شهيد بعد إعلان وقف إطلاق النار، بينما يُدفع سكّانها إلى شريطٍ يضيق أكثر فأكثر. وفي هذا كلّه، لم يكن السؤال الذي احتلّ الشاشات عن حصيلة الحروب وما خسره الناس وما جرى للأوطان، ولا عمّا تعلّمناه، بل كان سؤالاً واحداً متكرّراً: من انتصر؟
في هذه اللحظة، يبدو أنّ الحقيقة والواقع لم يعودا ما يحدّد هُويّة المُنتصِر، بل صار خطاب الانتصار هو ما يعيد تشكيل الحقيقة في الوعي العام، فالأطراف المتحاربة جميعها تُعلن النصر في اللحظة نفسها التي تشهد فيها المدن خرابها وقهر أهلها وأوجاعهم.
لعلّ الوقت قد حان لأن نتحدّث، استلهاماً من تحليل جورج طرابيشي في كتابه “المرض بالغرب… التحليل النفسي لعصاب جماعي عربي”، عن مرضٍ آخر يتجلّى اليوم: المرض بالنصر. وهو ليس خللاً في الإيمان بعدالة القضايا، ولا في التمسّك بحقّ الشعوب في المقاومة، بل مرض يتجسّد في تحويل علاقتنا بالحقيقة من قيمةٍ أخلاقية إلى متغيّرٍ سياسي يخضع لمقتضيات الخطاب. إنّه ما يمكن تسميتها “متلازمة النصر”، تلك الحالة التي يغدو فيها الاعتراف بالخسارة مستحيلاً، والمراجعة ضعفاً، وقول الحقيقة حرباً على الروح المعنوية، بينما يتحوّل الأمل من حافزٍ لمواجهة الواقع إلى أداةٍ لإدارة الرأي العام. هنا يبدأ الخلل الأخلاقي. فالحقّ، وإن لم ينتصر، يبقى حقّاً، والدفاع عنه واجبٌ حتّى حين تختلّ موازين القوة اختلالاً فادحاً. والتاريخ لا يعرف انتصاراتٍ عادلة فحسب، بل يعرف أيضاً انتصاراتٍ ظالمة وهزائم نبيلة. ولذلك لا يحجب ربط شرعية النضال بالانتصار وحده الحقيقة فقط، بل يظلم النضال نفسه أيضاً، إذ يجعل قيمته رهينةً بنتيجته العسكرية لا بعدالة قضيته. فليست وظيفة المقاومة أن تنتصر دائماً، بل أن تبقى وفيّةً للحقوق التي تقاوم من أجلها.
الحقيقة ليست ترفاً فكرياً يُؤجَّل حتّى تهدأ المعارك، بل أوّل حقوق الضحايا
لقد هيمن مفهوم النصر على خطابنا السياسي حتّى ابتلع مفاهيم أدقّ وأصدق: الصمود، والمقاومة، والخسارة، والإخفاق، والحزن. فالصمود يتمثّل بالقدرة على الاحتمال، والمقاومة فعلٌ أخلاقي وسياسي للدفاع عن الحقوق، والخسارة واقعٌ يجب أن يُسمّى. أمّا النصر، فيُقاس بتحقّق أهدافٍ بعينها. وحين تُختزل هذه المعاني كلّها في كلمةٍ واحدة، لا نفقد الدقّة اللغوية فقط، بل نفقد أيضاً اللغة التي تتيح لنا أن نفهم ما جرى وأن ننتقل منه إلى المستقبل، فالمشكلة ليست في الكلمات وحدها، بل في أنّها تحدّد ما نستطيع أن نفكّر فيه، وما نعجز عن رؤيته.
لا يحجب خطاب الانتصار الحقيقة فقط، بل يعيد تعريف الأمل ذاته: فيسمّي الوهم أملاً، ويجعل مواجهة الواقع تبدو هزيمةً، ويصبح احترام الحقيقة ترفاً سياسياً. إنّه لا يغيّر الوقائع، بل يغيّر علاقتنا بها. قد يُقال إنّ الشعوب الخارجة من الحروب تحتاج الأمل، وهذا صحيح. لكنّ السؤال الأخلاقي ليس: هل نمنح الناس أملاً؟ بل: أيّ أمل نمنحهم؟ ثمّة أملٌ يولد من مواجهة الحقيقة مهما كانت موجعة، وهناك أملٌ يولد من إنكارها. يعيد الأوّل بناء الإنسان وترميم المجتمعات ويترك مسافةً للحوار وإعادة بناء الأوطان، ويبني الثاني عالماً موازياً يُحاصر الأفراد داخله ويحرم المجتمع الشفاء والنجاة. الأمل الذي لا يمرّ عبر الحقيقة ليس أملاً، بل وهمٌ يُدار سياسياً.
وظيفة النُّخب بعد الحروب ليست إدارة الأمل، بل أداء أمانة الحقيقة
والمسؤولية هنا لا تقع على السياسي وحده، بل على النُّخب الفكرية والإعلامية، وعلى كلّ من يشارك في تشكيل النقاش العام. فوظيفة النُّخب بعد الحروب ليست إدارة الأمل، بل أداء أمانة الحقيقة، فالحقيقة ليست ترفاً فكرياً يُؤجَّل حتّى تهدأ المعارك، بل أوّل حقوق الضحايا. وتكريم التضحيات لا يكون بتحويلها إلى انتصاراتٍ لفظية ممّا يضيّق مجال الحزن والصبر، بل بالوفاء لمعناها: بالمراجعة والمساءلة والتعلّم، وإعادة بناء الأمل على أرض الحقيقة، لا فوق أنقاض الوهم. أمّا حرمان الشعوب الحقيقة باسم الحرب، فهو أوّل أشكال التنصّل من المسؤولية الأخلاقية تجاهها.
ربّما علينا إعادة قراءة جيل كامل من المفكّرين انشغل بعد هزيمة 1967 بمواجهة الكارثة بلا تجميل. فأصرّ صادق جلال العظم في “النقد الذاتي بعد الهزيمة” على تسمية الهزيمة هزيمةً، رافضاً مفردات “النكسة” و”النكبة” التي اخترعها الإعلام لتخفيف وقع الكارثة، محمّلاً المسؤولية لعجزٍ عربي مقيم لا لمؤامرةٍ خارجية. وانشغل جورج طرابيشي بعجز العقل العربي عن مواجهة انكساره. أمّا سؤالنا اليوم، فقد صار أشدّ وطأةً: ماذا يحدث للشعوب والأوطان حين نعجز حتّى عن تسمية الخسارة، فنستبدل بها النصر لا النكسة؟ وحين تصبح الحقيقة رهينةً لخطاب الانتصار، ويُقدَّم الوهم بوصفه أملاً؟
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





